دين عروض كتب فكر مختارات مقالات

ظهر الإسلام: أحمد أمين

ظهر الإسلام
أحمد أمين
بقلم/ رشا صالح
هذه ليست مراجعة للكتاب وإنما هي خاطرة حول بعض النقاط التي وردت فيه والتي لم أتفق مع رأي الكاتب بها ولكن لا أخفي إعجابي بأسلوبه في الكتابة ولغته الجميلة وأجد أنه رغم مطالبته بالتجديد في اللغة بعدم الإلتزام بقواعد النحو والصرف فإنه كان يستنكف أن يكتب بغير الفصحي كما أن هذا الكتاب وبقية السلسلة التي بدأها من فجر الإسلام ثم ضحي الإسلام مفيدة وربما كانت مدخل لقراءة كتب أصعب وأكثر تفصيلا وبالطبع لا يخلو أي كتاب من فائدة.
والظاهر بعد قراءة السلسلة ككل وجود بعض الذبذبة والخلل في تحليل بعض أحداث التاريخ فهو تارة ينافح عن علماء اللغة والحديث والشعراء و تارة أخرى يذمهم ويلغي أي فضل لهم ،كما تجد هجومه البالغ علي الأتراك و إعجابه الشديد بالفرس رغم أن كلا من الترك والفرس ساهم في خلق الفتن والقلاقل .
والحق أنه كانت هناك منافسة شديدة بينهم علي السلطة والحكم ولكننا لا نغفل أن هذا التنافس دليل علي تقبل وجود المتنافسين بدون اقصاء لأي طرف والحضارة الإسلامية نشأت بأياد عربية خالصة ولكنها لم تقتصر عليهم فقط ولم تقصي الآخر غير العربي وإن كان العباسيون أوجبوا أن يكون الخليفة من قريش إلا أنهم لم يمنعوا وصول أبناء الإماء إلي سدة الحكم وكانت القصور تعج بشتي الأجناس البشرية وهذا لم يوجد في حضارات أخري أقصت الآخر تماما.
ويبالغ أمين في إعجابه بالفرس لعبقريتهم في مجال الفلسفة وكأن العبقرية عنده محصورة في مجال واحد ولكن للعبقرية وجوه كثيرة لا يمكن الاستغناء عنها جميعها ..كالعبقرية في مجال اللغة والأدب ،السياسة والحكم، فنون القتال والحرب وحتي كل حرفي مبدع في مهنته من الممكن أن يصل للعبقرية.
وتحقير العرب يرجع إلي الأفكار السائدة عصر كتابة هذا الكتاب الذي سادت به الأفكار القومية وبداية التنصل من العربية ،فتجده ينسب إلي العرب وحدهم حب الإغارة والسلب رغم أنه عايش أزمان الإحتلال والاستعمار الأوروبي للبلاد العربية.
كما يقلل من امكانياتهم الفكرية ثم يثني علي جهودهم في حفظ اللغة وخاصة في كتابه ضحى الإسلام.
والتذبذب طال حتي تدوين السنة النبوية ففي ضحي الإسلام يثني علي جهود أئمة الحديث ويشرح منهاجهم وتثبتهم من سند الأحاديث ثم يذكر في ثنايا الكتاب وضع الأحاديث النبوية تبعا للخصومة السياسية فوضعت أحاديث ذم الترك ومن قبلهم بني أمية وهذا تناقض غريب يستمر في ذكر الحالة الإجتماعية و الحالة الإقتصادية للبلاد .
ففي الحالة الإجتماعية والإقتصادية يدعي أن الشعوب كانت في حالة فقر مدقع و كانت تعاني من هول الضرائب والجباية بأفظع الطرق بينما كان الحكام في رخاء و تبذير سفيه وحتي أن علماء كثر كانوا في فقر مدقع.
وبالطبع لا يخلوا أي عهد من وجود فقراء حتي في العصر الحالي وفي أكثر البلاد ثروة وسطوة يوجد فقراء ولكن الإشكالية في نسبة الفقر في المجتمع بالأخص أن بحث الكتاب يتناول العصر العباسي الثاني الذي بدأت فيه ظهور الدويلات التابعة اسميا للخليفة العباسي.
و بداية التفكك تكون من أثري الفترات التاريخية ثم تبدأ في الإضمحلال تدريجيا ومن أثر التفكك محاولة جذب الناس والعطاء السخي لضمان ولائهم ففي مصر علي سبيل المثال في عهد ابن طولون كانت تقام المآدب حتي لا يبقي جائع وتنثر الدنانير للناس وفي الدولة الحمدانية كما ذكر كان الثراء فاحش حتي تزينت الشوارع بزينة باهظة وغير ذلك مما ذكر من دويلات.
أما العلماء فكانوا لا يتكسبون بالعلم بل كانوا ينفقون كل مالهم في طلب العلم مثل الإمام البخاري وفي بداية ظهور الدويلات كان الولاة يجذلون العطاء للعلماء في الغالب طمعا في التفوق علي قرنائهم من ولاة الدويلات المجاورة ولكن في فترات الضعف أهمل الولاة العطاء وتفرغوا للمكائد السياسية وعامة فإن تعميم حالة الفقر ظلم وبهتان كبير.
و يزعم أن الزراعة كانت هي فقط مصدر الدخل لخزانة بيت المال وبعدها يذكر ورش الصناعة و المشاغل اليدوية واستخراج بعض المعادن ويغفل عن التجارة التي نشرت الدين علي أيدي التجار في بلاد لم تصلها الفتوحات الإسلامية.
وفي الفرق والمذاهب الدينية يعلي من شأن المعتزلة خاصة ولا يخفي إعجابه بهم بل يذكر أن بداية التدهور الفكري يرجع إلي أفول المعتزلة بتقديم النقل علي العقل وبدون الدخول في تفاصيل قد تطول أود الإشارة إلي أن للعقل حدود لا يمكنه تجاوزها كما أن العقيدة الإسلامية لا يتعارض بها النقل والعقل وإن المعتزلة ادخلوا الأمة في فتنة عظيمة هي فتنة خلق القرآن ثم اختلقوا توالد الأفعال من مبدأ أن المرء خالق لأفعاله وهم وإن ساهموا في الحضارة الإسلامية ومازال أثرهم باق في بعض الفرق إلا أن أفكارهم تحتاج إلي النقد أكثر من الإعجاب.
ويركز أمين علي حالة المجون وشعره وانتشار الغزل الصريح والتغزل بالغلمان مما يوحي أن الحضارة الإسلامية كانت بالصباح غابة يقتل بها الضعيف وبالمساء ملهي ليلي كبير.
وأتعجب من تصنيف البعض للحضارة الإسلامية فتري بعضهم يري أنها كانت حضارة دينية تمثل دولة دينية (ثيوقراطية ) والبعض الآخر يصنفها دولة علمانية تماما انتشرت بها الموبقات.
ولكنها لم تكن أيهما فالدولة الدينية لا تكون إلا بأن يكون الحاكم فيها معصوم و هو ظل الله علي الأرض ويحكم بالحكم الإلهي بدون مراجعة أو مشورة وهذا لم يكن حتي في عهد الرسول الكريم فهو صلي الله عليه وسلم أفضل البشر ولكنه كان يشاور أصحابه ويحكم بما أمر الله به ولكن من منطلق بشرى.
أما وإن كان انتشار المجون والفسوق وخاصة في الشعر فلا ننسي أن الشعراء يقولون ما لا يفعلون غالب الأمر وأن هذا الشعر دليل علي انتشار الرخاء وعدم وجود التشدد حتي أن أبي نواس شاعر الخمر وأبي العلاء المعري وما بشعره من إلحاد وغيرهم لم يتم التعرض لهم والنيل منهم وهذا وإن كان جانب من الحياة فكيف نغفل عن الجانب الآخر الذي امتلأ بالفقهاء والمحدثون وعلماء العلوم الشرعية والدنيوية.
ثم يخصص بعض كتابه عن الأندلس ولا يذكر ما لاقاه المسلمون علي أيدي ايزابيلا وفرناندوا في محاكم التفتيش بل يتجاهله تماما كما تجاهل كثير مما لاقاه أهل مصر من السنة علي أيدي الفاطميين.
فلدرجة كبيرة كان أحمد أمين رحمه الله غير موضوعي ويبدو جليا نقله عن بعض الحاقدين من المستشرقين.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0