أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

مع القلم رحلة إلى سماء المشاعر

بقلم/ خلوصي عويضة

مع القلم؛ رحلة إلى سماء المشاعر، مقال تأمّلي في أحوال الأرواح المحبة…..” توطئة”، إن ممّا يعزز عزم القلب على النزوع إلى الانعزال؛ ما يصيب نشاطه من تعب وإرهاق وربّما ملل وضجر؛أدى في المحصلة إلى ما يقارب الشلل في ضخ المشاعر، يعزو البعض هذا الفتور الشديد إلى طبيعة الزمن الصعب بل الصعيب، زمن غدت معه أو فيه الأرض الكروية بمركزها وأركانها وأطرافها دار غربة موحشة، حتى استحالت الحياة ذاتها دار حرب لا سلم للأحاسيس الإنسانية، فالسمة الأبرز المستوحاة من استقراء الواقع” قوة تماسك الكذب، وتهالك الصدق الضعيف، في الأمور عامة”، وعالم الوجد من جملة ضحايا الحياة إن لم يأت في الطليعة منها، أما فيما مضى، آنذاك؛ سطع نجم الصدق وتألق فهو الأوفر حضورا، لا الغائب الأكبر، أغلب ظنّي ما من ولهٍ محبٍّ بحق إلا ونال حظه من كأس ضنّ الكرى، شاء أم أبى؛ ودون أن يدلي دلوه ليغرف من مرّ مائه وحلوه؛ كمسلمة؛ لسوف يشرب العاشق المتيّم من بئر القلق، فحيثما وأي متى”آنذاك”؛ وجد الحبّ أحاطه خوف الفراق، فترتوي النفس بألم محبب، وجوده يؤكد حرارة المشاعر وصدق أحاسيسها، بينما الحدس مسكون بذعر وقوع المحذور، الآن… تاهت المعالم، وامّحت الحدود بين الكذب، الحنكة، المكر،الحرفنة، إنها قوى ناعمة تعرف كيف تغش المشاعر وتشق مسارها بهدوء؛ كالماء الذي ينحت مجرى دربه فوق وتحت وخلال أعتى الصخور حتى ما عاد أحدنا يدري أيحيا واقعا كالحلم أم حلما كالواقع؟ أم كلاهما كابوس؟.
معترك المقال….. يسخر الكثير من الناس من إمكانية إئتلاف الأرواح وحدها واندماجها في حالة حبٍّ حقيقي، فيجمعها ثوب وجد أجمل من فستان عروس في أحلى ليالي عمرها، تراهم يتفكهون، يتندرون، من لا جدوى الفكرة أو المبدأ، فكم يتلوى ألما أيما مؤمن بتحابب الأرواح.
إن حكمهم القاسي والمتسرع أيضا؛ نشأ عن مفهوم فوضوي مشوها لماهية الشيء ذاته، فبات مفهومهم المتجني ينتج بدوره مشهدا مكررا مبتذلا؛ لأنصاف وأرباع وأشباه أو حتى أشباح محبين، تراهم يرفضون التصديق بأن رماد العفة يعبق بطبعه بشذى الطهر، هم لا يؤمنون، لا يفقهون، لا ينظرون ولا ينتظرون غير الظفر بشعور البهجة العابرة الخاطفة لحواس النفس الفانية، لا أيها المخطئون؛ ليس الحب لوثة أو نزوة جسد، هذه مجرد حاجة وغريزة،تأتي وتروح، ما إن تبدأ حتى تنتهي في التو، الحبُّ شيء آخر، إشخص ببصرك نحو العلا تراه هناك، هو بستان إنساني معلّق بين السماء والأرض، الصعود إليه صعب والهبوط منه أصعب، يعرف موقعه هذا أهل الأرواح منذ عهد بعيد، مكانه باق كما هو، مذاق حكاياه القديمة لا يغيب عن قلوبهم المتوسدة صدور أرواحهم، لا تغيب عنهم ذكرى حكايته الأولى، يوم كانت أكمام زهره وعطر قرنفله؛ كؤوس رحيق للروح لا الجسد، فجوهر أمره مشاعر مرهفة، لا مرهقة؛ ولا مراهقة مبكرة أو متأخرة، وها هنا يكمن الفرق بين حب القلب والروح، فقد ينتهي العمرأو يوشك إذ يكتسى برداء الوسن ولما يبلغ القلب بعد سنّ الرشد، لم تنبت بين الأسنان طاحونة العقل، نعم؛ جميل النضج الوجداني لكن قلب الإنسان في تقلّبٍ دائم، فربما تعامى عمدا عن التمييز بين الممكن والمستحيل،إلا أن قول الحق يقتضي الاقرار بأن ثمة فرق واضح بين قلب لا يفطم أبدا عن حب الحماقات، وآحر يركب الصعاب وصولا لغاية نبيلة هي لقاء الاقتران، أما رؤية الروح فمختلفة، ما هكذا ترى الأمر، فحلم اللقاء اللاممكن واللامتوقع بين محب ومحبوب يمتنع قدرا لقاؤهما؛ هو ذاته مصدر نشوة الروح ومسرتها المؤلمة، غايتها الحب لذاته الذي متى تغشاها رغم أنف المسافات؛ واستحالة التوحد المادي؛ أحالها لا محالة إلى واحة غنّاء، ليلها كنهارها، شمس سعادتها مشرقة لمجرد الإحساس القوي بالحالة، فإن حدث وارتحل الإحساس لسبب ما؛ انكسفت، وربما تحولت الروح إلى ساحة حرب يتعارك فيها الندم والألم بسلاح حزن رحيم.
إن تحابب الأرواح معجزة تحدٍّ فريدة من نوعها لمخالفتها مألوف البشر، وإن غربة حالها اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ راجع لتبدل مفاهيم الحياة الراكضة في سباق ماراثون غيّر جوهر الإنسان، استلب شجاعته وألبسه الخوف، فحتى على مستوى الحب العادي المتعارف عليه؛ أصبح المحترم الأمين متى عصفت بحناياه رياحه العاتية، تذبذبت أحواله واضطرب، لحظة تنهال عليه المخاوف كزخات مطر منهمر، ولحظة أخرى يتخلله شعور قوة؛ وأنه سوف يصمد صابرا في مهب لهيب صقيع حياة لا ترحم مشاعر ولا تحترم عواطف، فيحتار كيف يحتال ليربح المعركة، وربما في الأثناء غرق في بحر من حروف؛ سوف، سوف، سوف، حتى ينتحر الحب ولم تأت سوف. بينما تجد الروح عزاء وسلوي فيما يعبق بحلق ذاكرة حكايا الكتب العتيقة، ينبثق من بين طيات أسفارها القديمة ونكهة حبر صفحاتها؛ طائر الهدهد، يواسي الغريب، يحمله على ريش الشوق إلى تلك العوالم المتخيلة البعيدة، لهفي عليها، يرتحل المسافر متدثرا بدفء روحه، يسمع ويرى ألوانا من حكايا حب المهافيف، المهابيل، المجانين، المجاذيب، المخاليل، لعمري… هو الأنقي والأطهر والأجمل بلا منازع، يهواه قلب البعض، يأباه عقل الجميع، ولا تبرح الروح المحبة تهديه تحاياها.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0