أدب و تراث سياسة عروض كتب مختارات مقالات

 ملاحم الشعوب (1/4) الإلياذة

بقلم/ وسام محمد
أردت أن اخصص دائمًا شهرًا استعرض فيه أهم ملاحم الشعوب الأدبية، فمثل هذه الملاحم لا تزال إلى اليوم تؤثر في وعي الشعوب التي انتجتها، كما لا يزال شعر الشنفرى والأعشى يؤثر في وعي العربي إلى اليوم، ولكن كان يردني عن هذا الأمر، ما ردني عن عرض الروايات، إذ لا مناص من (حرق أحداث) الملحة إذا عرضتها، وبدلًا من أن يكون عرضي للكتاب مشجعًا على قراءته، يصبح حرق الأحداث مثبطًا للقراءة؛ ولكن أحد الإخوة الكرام أقترح أن أضيف لمفتتح عرض مثل هذا النوع من الكتب تحذيرًا بأنه قد يحتوي على حرق للأحداث، وها انا ذا أبرئ ذمتي، وأحذركم بأن الكتب التي أعرضها هذا الشهر، سوف يتم حرق أحداثها في العرض. القراءة على مسئوليتك.
أول ما أقدمه من الملاحم، الإلياذة، ملحمة اليونان الكبرى، والمنسوبة لهوميروس؛ وتدور حول الصراع بين اليونان – الآخيين – والطرواديين، الذي دار أمام ساحل مدينة طروادة أو إليوم، وهي الكلمة التي اشتقت منها الملحمة اسمها. ومن خلال مجموعة كبيرة من العلاقات المتشابكة بين شخصيات الملحمة، والحبكات المتوازية أو المتداخلة، يحكي شاعر الإلياذة الأيام الأخيرة في الحصار الطويل الذي ضربه اليونان على طرواده، هذا الحصار وهذه الحرب التي حرشتها الجريمة التي ارتكبها بارس ابن الملك بريام ملك طرواده، إذا أختطف هيلين من بيت زوجها الملك مينلاوس، فتنادى اليونان بالإنتصار إلى مينلاوس ورد إهانة طروادة، وإجتمعوا تحت راية آجاممنون أخي مينلاوس وعبروا البحر إلى طروادة حيث فرضوا عليها حصار طال لسنوات.
ولكن هذا الصراع بين اليونان وطروادة ليس هو الصراع الوحيد في الملحمة، بل هو على الأحرى يمثل الحبكة الرئيسة، وداخله صراعات بين الشخصيات، ولكل صراع منحى مستقل، ولكنه يتكامل في الحبكة الرئيسة؛ فهناك الصراع بين آجاممنون القائد العام لمعسكر اليونان، المتكبر والمغرور، مع آخيل بطل اليونان، بسبب إصرار آجاممنون على سلب آخيل حبيبته، فيغضب آخيل ويعتزل معسكر اليونان مع جنوده، فتضعف جبهة اليونان؛ وهناك هذا الصراع بين ابني الملك بريام، الأبن الأكبر هكتور، الزوج المحب والابن البار والذي يبذل دمه راضيًا من أجل وطنه، وأخيه الأصغر بارس، المستهتر والغارق في الملذات والذي يجلب العار على نفسه باختطافه هيلين من زوجها ومضيفه، ويجلب الشقاء على مدينته، بإصراره على الاحتفاظ بهيلين برغم الحرب والحصار؛ ثم هذا الصراع المأسوي بين آخيل وهكتور، إذ يقتل هكتور صديق آخيل في المعركة، فيندفع آخيل إلى قتل هكتور والتمثيل بجثمانه انتقامًا لصديقه.
وفي خلفية الأحداث، هناك الصراع بين آلهة الأوليمب، التي انقسمت فريقين، فريق ينتصر اليونان، والثاني ينتصر طروادة، وانتصارهما يتجاوز الدعم المعنوي، إلى المشاركة الفعلية في الأحداث؛ فبارس إذ ينهزم في مبارزته لمينلاوس، تتدخل أفروديت لتحمله من ميدان المعركة؛ وآخيل إذ تنتهي به ثورته إلى اقتحام طرواده وحيدًا، يمهد له أبوللو طريق الخروج آمنًا من المدينة بإضفاء مظهر جندي طروادي عليه؛ ويغضب زيوس من تمثيل آخيل بجثمان هكتور، فيرسل هيرمس لإنقاذ الجسد ورده لأبيه لينال دفنه لائقة.
وتلعب النبوءات دورًا أصيلًا في الأحداث، فمعظم الأبطال رسم مصيرهم من البداية عبر نبوءة، وعلى الرغم من ذلك فإنهم يمشون في طريق تحقيق النبوءة بدون تردد؛ آجاممنون يعرف أن انتصار اليونان رهن بمشاركة آخيل في القتال، ولكنه يهين آخيل وهو يعرف أنه الرد الوحيد على إهانته أن يعتزل آخيل اليونان؛ وهكتور يعرف أنه قضاءه محتوم على سيف آخيل، ومع ذلك لا يرجع عن قتال آخيل، بينما يعرف آخيل أن خيط عمره مربوط بخيط عمر هكتور، فإن قتل هكتور فإنه ميت، ومع ذلك يقتل هكتور.
لفترة طويلة، ظل الاعتقاد السائد أن الإلياذة، إنما هي حديث خرافة، ولكن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استطاع عالم الأثار الألماني هنريش شلايمان، أن يعثر على أطلال ما يعتقد أنه مدينة طرواده، وهو الموضع الذي يقع بالقرب من الساحل الشمالي الغربي للأناضول، وقد اعتبرت منظمة اليونسكو عام 1998 هذا الموقع (موقع تراثي عالمي)؛ وينظر الكثير من العلماء والمؤرخين إلى أطلال طرواده، وإلى ملحمتي الإلياذة والأوديسة، كشاهد على الزحف المدمر على مراكز الحضارة لمن عرفوا قديمًا باسم (شعوب البحر)، وهم شعوب غامضة الأصل والمصير، ويصفهم المؤرخ والأثري الأمريكي ماكس موللر «أكثر لغز أثني غموضًا في تاريخ العالم القديم»، ويعتبر اليونان/الآخيين أحد هذه الشعوب الغامضة؛ وقد لاقت الحضارة الحثية حتفها، مثلما كان مصير طرواده، على يد شعوب البحر الزاحفة، وعانت منهم قبرص وسوريا والساحل الفينيقي، وبلغت موجتهم العاتية مصر في زمن رمسيس الثالث.
تعود أقدم مخطوطات الإلياذة الكاملة إلى القرن العاشر الميلادي، كما كانت من أوائل ما طبع من كتب في الغرب، إذ طبعت للمرة الأولى في مدينة فلورانس الإيطالية قبل نهاية القرن الخامس عشر؛ وقد ترجمت العديد من المرات للغات مختلفة، ومن الترجمات الإنجليزية المميزة ترجمة روبرت فيتزجيرالد، وترجمة جورج تشابمان المنشورة ضمن كلاسيكيات وردزوورث؛ وعلى الرغم أن كثير من مؤلفات اليونان ترجمت للعربية في العصر الذهبي للإسلام، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الإلياذة، ولعل ذلك سببه أن العرب لم تكن نظرتهم للشعر اليوناني نظرة تقدير، أو لعل سببه إغراق الملحمة في الوثنية والتي لا يستسيغها المسلمين؛ ولكن لسليمان البستاني، أول من ترجمة الإلياذة إلى العربية في القرن التاسع عشر، ذهب إلى أن العرب قد عرفوا الإلياذة، وإن لم تترجم إلى العربية، حيث كانت متداولة في بغداد العباسية ترجمتها السريانية، وهي الترجمة التي قام بها ثوافل بن توما احد مترجمي الخليفة الهادي العباسي؛ وتعتبر ترجمة البستاني أول ترجمة للإلياذة في اللغة العربية، ترجمها عن الفرنسية، وقد نظم البستاني الإلياذة شعرًا عربيًا عموديًا، ونشرت ترجمته عام 1904، وتعد طبعتها الأصلية من الكنوز والنوادر اليوم، وهذه الترجمة يوفرها موقع هنداوي؛ ومن ترجماتها المميزة ترجمة دريني خشبة، ترجمها عن الإنجليزية، وقد ترجمها نثرًا، ووجه تميزها أنها رتبها على نحو يساعد من يقرأها أول مرة على فهمها حتى ولو لم يكن ملم بجو الملحمة الأصلي؛ كما ترجمها عن اليونانية أمين سلامة، وكان عالمًا في اللغات اليونانية واللاتينية وترجم العديد من أثار هاتين اللغتين إلى العربية، ونشرت ترجمته في ثلاثة مجلدات، وهي في نظري أفضل واكمل ترجمة في العربية للإلياذة، وكذلك ترجته للأوديسة؛ وأخيرًا الترجمة التي صدرت عن المشروع القومي للترجمة في مصر، وهي ترجمة جماعية بإشراف احمد عثمان، مع مقدمة حول الملحمة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0