ثقافة فكر مختارات مقالات

هيراقليطس الرجل الذي كشف العقل

بقلم/ د. وسام الدين محمد
جمع الميلطيون والفيثاغورثيون بين العلم والهندسة والفلسفة، وربما احتوت أفكارهم على شذرات من العقائد الأوليمبية والأورفية التي كانت سائدة في هذا الوقت في اليونان؛ ولكن في لحظة مأسوية في تاريخ اليونان، توفي فيها فيثاغورث، ودمرت ميلطه عام 494 ق.م.، ولدت الفلسفة مرة أخرى في شخص هيراقليطس، والذي كان أقرب إلى وصف الفيلسوف بمفهومنا اليوم عن اسلافه، وسوف تؤثر أفكاره في أكثر من فيلسوف لاحق، خاصة في العصر الحديث.
آخر فيلسوف في أيونيا
تكاد تكون معرفتنا لسيرة حياة هيراقليطس تعتمد على ما كتبه عنه ديوجينس ليَارتيوس، أي بعد نحو ثمانية قرون من حياة هيراقليطس نفسه؛ وتبعًا لهذا المصدر فإن هيراقليطس قد عاش في مدينة إفسُس في أيونيا بين عامي 535 و475 ق.م؛ وإفسُس يومئذ خاضعة للحكم الفارسي، وقد انحدر هيراقليطس من سلالة نبيلة، وكان ينبغي أن يشغل منصبًا في معبد أرتميس، الذي كان من أكبر معابد هذا الزمن وأحد عجائب العالم السبع، ولكن هيراقليطس فضل أن يتنازل عن هذا المنصب لأخيه، وعاش في شبه عزلة عن مجتمع إفسُس، ولعل هذه العزلة ومحيطه الذي شهد اضمحلال حضارة أيونيا، وما أتبع ذلك من ذلك تمرد الأيونيين البائس الذي حرضت عليه أثينا، وأنتهى بتدمير معظم مدن ايونيا على يد الفرس، قد غزت في نفسه كراهية لمجتمعه، عبر عنه في أكثر من موقف بعبارات صادمة، كقوله «ينبغي على كل رجل بالغ في إفسُس أن يشنق نفسه كي يفسحوا المدينة للشباب»، وقوله «يسمعون ولا يفهمون مثل الصم، حضورهم كغيابهم»، كما لا يتحرج من وصفهم بالكلاب قائلًا «الكلاب تنبح أيضًا على ما لا تعرفه»، وهي عبارات يفسرها البعض بغرور هيراقليطس واستعلاءه عن الناس، وأفسرها بيأسه وخيبة أمله في مواطنيه، وهو يأس لعله يفسر أيضًا عزوفه على المشاركة السياسية أو الاجتماعية في البلاد، والتي تمثلت سابقًا في رفضه الوظيفة الدينية في معبد أرتميس، ولاحقًا في رفضه المشاركة في كتابه تشريعات المدينة ووصف هذه التشريعات بأنها محض هراء. وقد طال نقده واحتقاره حتى وصل إلى تخوم خطيرة، فنقل عنه ازدراءه للصلوات التي كانت تعقد في معابد اليونان لأصنام آلهتهم واصفًا إيها بأنها بمثابة همس في منزل خال، ونظر باشمئزاز لمواكب الاحتفال الإباحية لأتباع باخوس. كما كان رأيه بشأن من سبقه من الفلاسفة، لا يقل شراسة عن رأيه في مواطنيه، ولم يظهر أي تقدير نحو هؤلاء، إذا نقل عنه أنه قال «هوميروس كان يجب طرده باكرًا من أي منافسة في الشعر؛ أما هيزيود وفيثاغورث وزينوفانس فهم مجرد أشخاص متعددي المواهب دون أي قيمة»، ويعيب عليهم انشغالهم في مسائل عملية وهندسية، ويرى أن على الفيلسوف أن يتفرغ لفهم العالم بصورة مجرة.
فلسفة هيراقليطس
يروي كاتب سيرته أنه قد ألف ثلاثة رسائل فلسفية وأودعها خزانة معبد أرتميس في إفسُس، ولكن الأرجح أنه قد ألف رسالة واحدة عنوانها (عن الطبيعة)، ولم تبلغنا كاملة إنما وصلنا منها فقرات متفرقة، جمعها بعض العلماء وأحصوها نحو مائة وثلاثين فقرة، وبناء على هذا الفقرات، وتعليقات أفلاطون وأرسطو، فإنه يمكن أن نتصور فلسفته.
بصورة عامة، صاغ هيراقليطس أفكاره مستخدمًا عبارات غامضة، وكان هذا هو طابعه، حتى أنه قد لقب فيما بعد بألقاب مثل (الرجل الملغز) و(هيراقليطس الغامض)؛ ويبدو أنه كان مولعًا بهذا الأسلوب الغامض، ومتأثرًا بالنبوءات التي اشتهر بها كهنة هذه الأيام وهي النبوءات التي وصفها نفسه بأنه «كلام يحمل تلميحًا لا تصريحًا»، ويقول سقراط معلقًا على كتاباته الغامضة «ما فهمته منها ممتاز، وما لم أفهمه قد يكون ممتاز أيضًا، فقط من يغوص في البحر يمكن أن يصل إلى القاع»؛ وقد منح هيراقليطس من أعجبوا به من الفلاسفة اللاحقين، مثل هيجل ونيتشة وجيل دولوز، بهذا الغموض الذي أضفاه عمدًا على كتاباته، الفرصة لهم أن يسقطوا ما شاءوا من أفكارهم على أقواله الغامضة والمتناقضة أحيانًا، ولذلك يجب التوقف والحذر عند التعامل مع ينسبه أمثال هؤلاء لهيراقليطس.
ولعل هيراقليطس رأى في نفسه أنه يعيد بناء الفلسفة، وزعم أنه علم نفسه بنفسه، ولم يعتمد على تعاليم من قبله، ولعله كان صادقًا إذ لم يُذكر أنه تتلمذ على فيلسوف سابق عليه، أما ما ذكره ديوجينس ليَارتيوس أن هيراقليطس كان يستمع في شبابه إلى زينوفانس، فلا يستقيم مع حقيقة أن زينوفانس قد غادر أيونيا قبل مولد هيراقليطس، ومع ذلك لا يمكن أن نزعم أن هيراقليطس قد بدأ الفلسفة من عدم، فسوف نرى إلى جانب ما أتى به من أفكار أصيلة، أفكار أخرى تتشابه مع أفكار من سبقوه من فلاسفة.
الواحد والكثرة
واحدة من أشهر العبارات التي تنسب إلى هيراقليطس قوله «ليس بوسعك أن تنزل النهر نفسه مرتين، فكل مرة سوف يحيط بك ماء مختلف»، وقد أشار شراح العبارة إلى أن مقصود هيراقليطس منها هو أن كل شيء في العالم حولنا يتغير باستمرار، وهي فكرة يمكن أن نجد جذورها لدى من سبقوه من الملطيين، وقد عبر انكسيمندر عن فكرة التغيير بوضوح من خلال ما اسماه بمبدأ التبادل، بحيث تتصارع الأضداد، ويفرض أحد الضدين نفسه، قبل أن ينقلب الحال؛ ولكن هيراقليطس يرى هذا الكون الذي يقوم على صراع الأضداد كونًا فوضوي، وقد ينتهي به الحال إلى الدمار؛ وفي المقابل أعتبر العالم واحد وانه يتغير من خلال تغير مظاهره، وهو ما يمكن أن نفهمه بوضوح من تلك العبارة المنسوبة إليه والتي يقول فيها «الخير والشر كلًا واحدًا»، فالواقع عنده واحد، ولكنه كثير في آن واحد.
النار وحدة بناء العالم
وعلى خطى من سبقوه من فلاسفة ميلطه، يحاول هيراقليطس أن يفسر بنية هذا العالم، فيقترح أن تكون النار – وليس الماء أو الأيبرون أو الهواء – وحدة بناء هذا العالم، أو مبدأه الأول؛ ولم يكن اختياره للنار اعتباطًا، إذا رأى هيراقليطس النار تتغذى على مختلف المواد وتنمو من هذه المواد على اختلافها، وهو ما رأى أنه يتوافق مع نظريته حول تغير العالم من خلال فكرة الواحد والكثرة، فالنار واحد، ولكنها تحتوي فيها كثرة من المواد المختلفة؛ ومن ثم راح يفسر بنية العالم مستندًا إلى فكرته أن النار هو وحدة بناء العالم، فزعم بأن النار إذا تكثفت نشأ عنها الماء الذي يستحيل ترابًا بالتجمد، وأسمي هذا بالمسار الهابط للتغير، تمييزًا له عما اسماه المسار الصاعد للتغير، والذي فيها يسيل من التراب الماء، ثم يتحول إلى بخار يتفكك ليصبحًا نارًا؛ وقال بأن العالم كله يتغير تبعًا لهذين المسارين، وبصورة معقدة ومتزامنة معبرًا عن ذلك بقوله «النار تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار»، وهو ما رأى فيه البعض إرهاصًا بالقانون الأول للديناميكا الحرارية أو قانون بقاء الطاقة، ولكن هيراقليطس اسمى تصوره هذا اسم (التناغم الكوني الخفي).
وحدة الوجود
كانت فكرة هيراقليطس أن الكون واحد، وإنما يتغير بتغير الأشكال التي يبدو عليها، لابد أن تنتهي به إلى وحدة الوجود، ولذلك تجده يضفي على واحده صفات الألوهية من منظوره، فهو عقل كلي شامل ومطلق الحكمة، وهو نفسه القانون الذي ينظم العالم، وهو نفسه العالم، وهو مجردًا أيضًا، ومعبرًا عن ذلك بعبارة مثل «الواحد حكيم ولا يرغب أن يُدعى زيوس»، ويصبح عقل الإنسان في مفهومه هو صورة من صور عقل الواحد في لحظة ما، ويصبح الهدف من حياة الإنسان أن يرتقي إلى عقل الواحد من خلال التآلف مع القانون الذي ينظم الكون، معتبرًا أن الإنسان في هذا العالم، نائم يحلم بعالمه الخاص، وأن تحرره من الحلم يعني يقظته، وهي ما يحدث فقط في حين الموت، حيث يستطيع أن يرتقي للعالم النقي للعقل الواحد، والذي أطلق عليه هيراقليطس اسم اللوجوس أو الكلمة.
الإرث المضطرب
فيما بعد سوف يتبنى كثير من الفلاسفة أفكار هيراقليطس، وسوف يكون أول المتتلمذين عليه الفلاسفة الرواقيين، الذين تبنوا مفهومه عن النار كمبدأ للكون، وقد طوروا نظرية أسميت بنظرية الحريق العام، إذ زعموا أن النار والتي لا تزال تتغذى على كل شيء سوف ينتهي بها الحال إلى ابتلاع الكون كله، وهو ما يسمى بالحريق العام، ثم ينبثق عالم جديد من النار ينمو حتى يكون مصيره مصير سابقه، ولكن هذه النظرية والتي نسبت فيما بعد خطأ لهيراقليطس، تتناقض مع تصور هيراقليطس لعالم بلا بداية ولا نهاية يعبر عنه قائلًا « هذا العالم كان منذ الأبد وإلى الأزل، والنار تشتعل بقدر وتخبو بقدر».
من ناحية أخرى، أدى قول هيراقليطس بوحدة الوجود، إلى اعتباره أن كل الأحوال سواء كانت متشابهة أو مختلفة هي في جوهرها واحدة، وهوه ما فهم منه الإباحيين إسقاط معايير الخير والشر، مستندين على قوله «كل شيء عن الله حسن والناس جعلت منه خيرًا وشرًا».
ولاحقًا سوف نجد أفكار هيراقليطس تؤثر في كثير من الفلاسفة في مختلف الأزمنة والمجتمعات، فأفكاره عن وحدة الوجود سوف تجد لها صدى لدى بعض صوفية المسلمين، كما أن بعض من كبار الفلاسفة سوف يتبنون أفكاره، فنجد هيجل مثلًا يعلن أنه «ما من فكره له – يعني لهيراقليطس – إلا وقد تبنيتها في منطقي»؛ كما أن البعض سوف يحاول البحث في جذور أفكاره، ويربطون بينها وبين الزرادشتية التي انتشرت في إمبراطورية الفرس، الإمبراطورية التي يعيش في ظلها، مستندين إلى خطابات متبادلة بين هيراقليطس وعاهل الفرس وراعي الزرادشتية دارا الكبير، وإن كانت هذه الرسائل منحول وغير ثابتة.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0