أدب و تراث ثقافة فنون مختارات مقالات نصوص أدبية

“صامتٌ لو تكلَّما … لَفَظَ النارَ والدَّما”

بقلم/ أ. هبة أبو ندى
كانَ بليغَ الكلامِ في صمته، فكيفَ يكونُ في موته؟
أبلغَ وأشدَّ حزنًا من الماءِ والطرق، اليوم يمثل حاتم علي المشهد الأخير ويترجل على صهوة حزنه بسلام وصمت كما كانَ دائمًا ويتركُ هذهِ الشاشة جائعة للمزيد من الأعمال الفنية الحقيقية التي أصبحت نادرة في وسطِ هذهِ الخلاعة والمجون والتفاهة.
موت حاتم علي لا يمرُّ عاديًّا كأيِّ مخرجٍ فذ، بل يمرُّ جارحًا ونازِفًا كأطرافِ الأقدامِ التي سارت لجوءا في مسلسله الخالد التغريبة الفلسطينية.
والسبب ليسَ فقط ذكاءهُ واحترافيته في أعماله، بل عملهُ على قضايانا الأساسية المركزية في الأمة، كانَ حارسَ الجرح وعرَّابَ النكبة على الشاشة وهذا ما جعَلهُ شهيدَ نكبتنا وقتيلَ مأساتِنا التي تُنسى على الشاشاتِ
العربية كأنَّها لم تكن!
ونحنُ اليوم إذ نشيِّع حاتم علي فنحنُ نشيعُ معهُ بعضَ آمالِنا في إعلامٍ يحتضنُ قضيتنا، وننعي معهُ مأسينا، وننكسُ أعلامَ ذاكرِتنا.
نعلمُ أنَّ هذهِ الأمَّة حيَّة إذ تذكُر في فلسطين في موتِ من حملَها في حياته وتعودُ القضية الفلسطينية للظهور فجأةً على كلِّ مواقع التواصل الاجتماعي لأنَّ (حاتم علي) مات.
طوال هذا العام طبَّل المطبلون، وطبَّع المطبِّعون، ورقصَ الراقصون، وتهوَّدوا وتصهينوا وتعبَّدوا وسبحوا بمحراب الاحتلال، فإذ برجلٍ صامتٍ يموت بيصبحونَ أمامَ موتهِ لا شيء، تعود فلسطين للمقدمة ناصعة، قوية، تعودُ نفسَها كأنَّهم عودُ كبريت كانَ يتآمرُ على الشمس!
القضية التي تستطيعُ أن تتجدد بموت أحدهِم، ما سيكونُ مصيرها لو تجددت بحياة الآلاف والملايين.
حربنا ليست مع الموت يا حاتم علي، حربنا مع النسيان، ونحنُ لا ننسى.
وهكذا يُذكرُ العظماء بما فعلوهُ للقضايا العظيمة.
“يُحكى أن عود كبريت كانَ يتآمرُ على الشمس، فضحكت عليهِ النافذة”
الوداع يا نافذتنا الضوئية، تشيعكَ قلوبُنا ودعاؤنا، وكلُّ الصامتين في كلامهم مثلك.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0