عروض كتب فكر مختارات مقالات

الرافعي … نبيُ القَلم

بقلم/ نحوى الجزائري
من جلالةِ القلم أنه لم يكتب الله كتاباً إلا به، ولذلك أقسم به ، و من جلالته أنه يختار أنبياءه ممن أودع فيهم سبحانه سره ، كما أختار الله رسله كذلك القلم اختار و اجتبى من بين خلق الله من اصطفاهم من الكُّتاب حاملي أمانته، ليهب لهم عن طواعية سحر بيانه و قوة مداده ، فلا يُختار كاتبٌ إلا و يضع الله فيه قوة الحجة ، تمام الفكرة ، سحر البيان و فصل المقال و كأنه بذلك صورة لعظمة الخالق غير أنه يترجم صُورَ ما خلقَ و أبدعَ البارئ، فيكون كلامه و بيانه مولود جديد تام الخلقة حسن الصورة غاية الكمال ، إلا انه سوادٌ على أبيض قد ينطق يحس و يشعر فيكسوه طابعه الإلهي.
أجاد الكاتب مصطفى صادق الرافعي و أبدع في “فن المقال ” حيث يعتبر من أفضل الكتاب الذين ابدعوا في هذا الضرب خاصة في كتابه هذا “وحي القلم ” بل تربع الرافعي على عرش المقال و تقلد برأيي لقب سلطان “مملكة المقال” حيث يعتبر كتاب وحي القلم من أفضل و أجمل ما كتبه الرافعي، يتكون من ثلاثة أجزاء هي عبارة عن مجموعة من مقالاته الأدبية ، النقدية بل حتى خواطر و قصص من نسج خيال الرافعي الخصب فهي مستوحاة من الحياة الاجتماعية المعاصرة لفترة عايشها الرافعي و دفعته للكتابة عنها و الإدلاء بدلوه في عديد المواضيع و الأحداث التي أثارت قريحة الرافعي للكتابة و الدفاع أكثر عن الدين ، اللغة ، القيم و المبادئ الاسلامية و حتى عن الشعر العربي الأصيل كما تضمنت و تناولت المقالات عديد القصص المنقولة بعناية عين الرافعي من التاريخ الإسلامي ، نشرت هذه المقالات المجموعة لاحقا في كتاب وحي القلم في العديد من الصحف والمجلات المصرية المشهورة في مطلع القرن الماضي مثل: الرسالة، وجريدة المؤيد والبلاغ والمقتطف والسياسة وغيرها.
اذا أردنا أن نستخلص أهم المجالات والمواضيع التي تطرق إليها الرافعي في ثلاث مجلدات من وحي القلم سيكون ذلك ضربا من الخيال، فلا يمكننا تصنيفها أو حتى تبويبها كونها عصية على الاختصار والحصر في عناوين فرعية لكن تقريبا جاءت على النحو التالي:
الدين و اللغة:
الأسرة الرافعية أسرة علم و دين، تأخذ أبناءها بالتربية الدينية القويمة، وتغرقهم في الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، وبذلك بدأ الرافعي تحصيله العلمي على يد والده الشيخ القاضي، وتثقف من مجالس الأشياخ والعلماء الذين كانوا يختلفون إلى أبيه في مجلسه.
إيمان الرافعي وعصبيته المرغوبة، الحقّة لدينه الإسلام و لعقيدته أمر لا شك فيه كيف لا وهو ابن قاضٍ شرعي كان أول معلم ومرشد له، حيث درس على يديه تعاليم الدين الحنيف وحفظ القرآن، ووعى كثيرا من أخبار السلف، فكان البيت و الأب أول مدرسة فتح الرافعي عليها عينيه، ثم سار في دربه للدفاع بقلمه عن الدين في ظل ظروف وبيئة شهدتها مصر آنذاك، فخاض معاركه المشهورة ضد مفكري وأدباء عصره الذين حاولوا المساس بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية وآدابها، فنجد في كتابه هذا الرد ( و إن كان عبر مقالة صغيرة ) على الدكتور طه حسين – رحمه الله – مُبيناً خطأه على ضوء المنهج العلمي والتاريخي، ورده على دعوة المساواة في الميراث قادها الكتاب سلامة موسى.
حيث يقول دفاعاً عن الدين (…كل أمة ضعُف الدين فيها اختلَّت هندستها الاجتماعية وماج بعضها في بعض؛ فإن من دقيق الحكمة في هذا الدين أنه لم يجعل الغاية الأخيرة من الحياة غاية في هذه الأرض؛ وذلك لتنتظم الغايات الأرضية في الناس فلا يأكل بعضهم بعضًا فيغتني الغني وهو آمن، ويفتقر الفقير وهو قانع …وهذه الأمة الدينية التي يكون واجبها أن تَشرُف وتسود وتعتز، ويكون واجب هذا الواجب فيها ألَّا تسقط ولا تخضع ولا تذِلَّ …وبتلك الأصول العظيمة التي ينشئها الدين الصحيح القوي في النفس، يتهيأ النجاح السياسي للشعب المحافظ عليه المنتصر له؛ إذ يكون من الخلال الطبيعية في زعمائه ورجاله الثبات على النزعة السياسية، والصلابة في الحق، والإيمان بمجد العمل، وتغليب ذلك على الأحوال المادية التي تعترض ذا الرأي؛ لتفتنه عن رأيه ومذهبه؛ من مال، أو جاه، أو منصب..)
و دفاعاً عن اللغة : (أما اللغة فهي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودًا متميزًا قائمًا بخصائصه؛ فهي قومية الفكر، تتحد بها الأمة في صور التفكير وأساليب أخذ المعنى من المادة؛ والدقة في تركيب اللغة دليل على دقة الملكات في أهلها، وعمقها هو عمق الروح ودليل الحسِّ على ميل الأمة إلى التفكير والبحث في الأسباب والعلل، وكثرة مُشتقَّاتها برهان على نزعة الحرية وطموحها؛ فإن روح الاستعباد ضيق لا يتسع، ودأبه١ لزوم الكلمة والكلمات القليلة).
وانظر كيف تفطن الرافعي لأهداف الاستعمار الخسيسة للنيل من شعب بأكمله، وذلك من خلال ضرب لغته العربية إذ يقول: (وما ذَلَّت لغة شعب إلا ذَلَّ، ولا انحطَّت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار؛ ومِن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها؛ فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها؛ فأمرهم من بعدها لأمره تَبَعٌ..)
السياسة و القومية العربية:
الرافعي أيضا ابن مصر وقد عاش في أوج العصر الملكي بمصر، حين بدأت بالظهور قضايا الحرية والعدالة والمساواة، رافضا تقسيم المجتمع لفئات تستعبد كل منها الأخرى، ليقول إن ببلاده شخصيات فوق المعاني عندما تكذب ترتفع قاماتها فوق الفضائل كلها، و أن الشعب أميٌ جاهل لا يستطيع الإدراك و لا يحسن التمييز فكانت الألقاب كالقوانين الشخصية وكل من يحمل لقباً من الحكومة يقول للناس أن الحكومة وضعت الأمر على شفتي، و شغله حال أمته العربية و المصرية، فكتب عن محنة فلسطين وقال أنها محنة الإسلام ككل، و نادى بالأمة و بكى على حالتها النفسية (إن الأمة لن تكون في موضعها إلا إذا وضعت الكلمةَ في موضعها، وإن أول ما يدل على صحة الأخلاق في أمةٍ كلمةُ الصدق فيها، والأمة التي لا يحكمها الصدق لا تكون معها كل مظاهر الحكم إلا كذبًا وهزلًا ومبالغة) و تحسر على وضع مصر التي كبلتها يد الإنجليز والامتيازات التي جسدت طبيعة الخضوع في الشعب وهي معرة ومضرة وظلم وقسوة ولكنها على ذلك طبيعية في طبيعة هذا الشعب اللين المأخذ.
في الصحافة، النقد والأدب:
يعلم الرافعي من يدعون أنفسم أدباء وقد كثروا في زمانه ومنهم من امتهن مهنة الصحافة والنقد وهو لا يفقه فيهما شيئا، يعلمهم الرافعي كيف يكون النقد وكيف تكون الكتابة في الصحافة إذ يقول (وللصحافة العربية شأن عجيب، فهي كلَّما تمَّتْ نقصت، وكلما نقصت تمَّت؛ إذ كان مدار الأمر فيها على اعتبار أكثر مَن يقرءونها أنصاف قُرَّاء أو أنصاف أُمِّيِّين؛ وهي بهذا كالطريقة لتعليم القراءة الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية؛ فتمامها بمراعاة قواعد النقص في القارئ..) ويعيب عليهم الرافعي بعدهم عن اللغة وعن تعلمها والأخذ بها وبآدابها فيقول: (..أصبحوا لا يتثبَّتون ولا يُحقِّقون، وطال عليهم أن ينظروا في العربية، وثقُل عليهم أن يستبطِنوا كتبَها؛ ولو قد تربَّوْا في تلك الأسفار، وبذلك الأسلوب العربي لتمَّت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها وبين ما عسى أن يُنكِره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته وكانوا أحقَّ بها وأهلها … وذلك بعينه هو السر في أن مَن لا يقرون تلك الكتب أول نشأتهم، لا تراهم يكتبون إلا بأسلوب منحطٍّ، ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غثٍّ، ولا يرون في الأدب العربي إلا آراءً مُلْتَوية).
اسقاطات بارعة:
إذا قلنا أن وحي القلم هو صورة أو بورتريه للرافعي فنحن لم نزد على ترجمة ما ينتاب القارئ خلال قراءته لمقالات الرافعي، ذلك أنك تكتشف دون عناء وعن طيب خاطر يظهرها لك أسلوب الرافعي لتتعرف على الرافعي، الكاتب الفذ الصارم الذي لا يخشى قول الحق والدفاع عن دينه ولغته، الناقد المتمكن، العارف باللغة وأسرارها، لكنك أيضأ ستتعرف على الرافعي الطفل، الشاب، الرجل، الشيخ وأيضا العاشق الحالم والمرح والفكاهي، هي مقالات وشت لنا بالكثير عن الوجه الآخر للرافعي في خواطر جمعت الماضي بالحاضر خطت بقلمه النافذ البصيرة، فنرى كيف أنطق قطين وخروفين في قصص قصيرة ذات معنى ومغزى أكبر وأعمق، قصص تحمل إسقاطات مذهلة وعجيبة ربما يتقافز إلى الذهن كتاب ابن المقفع(كليلة ودمنة) ونرى كيف عالج قضايا اجتماعية كنا نجهل حدوثها في زمنه فنقلها لنا بكثير من الحذر ببراعة كاتب وخبرة قاضٍ، و كيف جرت الحكمة على أفواه مجانين نحسبهم أعقل مجانين الرافعي، بل وصاحب نكتة. ✍(قلت: هكذا «النوابغ» فإن رجلًا أديبًا كانت كنيته «أبا العباس» فلما «نبغ» صيرها «أبا العَيْر» (العير هو الخمار ) وفتق له نبوغه أن يجعلها تاريخًا يعرف منها عمره. قالوا فكان يزيد فيها كل سنة حرفًا حتى مات وهي هكذا:أبو العَيْر طَآدْ طِيل طَلِيري بَك بَك بَك..)
فلسفة الحب :
بلغة عذبة تتسرب إلى مسامات الروح و تنتقي أجمل و أعبق عبارات الحب ،كريشة فنان هاربة استعارها الرافعي ليلونّ كتابه بأبهى حلة و يقلد مقالاته بتاج الحب ، و لكن بلغة عفية طاهرة نقية نقاء الحب العذري البعيد عن الماديات و المتسامي عن خبث النوايا ،فالحب عند الرافعي فلسفي فكري بعيد عن المادية و التجسيد، و المرأة كما يصفها هي جمال رباني يقوده للإيمان بالخالق كيف أبدع و صور ، يُظهر الرافعي في كتابه وحي القلم (مقال بعنوان القلب المسكين) يُظهر فيه الرجلَ البادئ الطالب للحب وفي نفس الوقت المتمنع، بينما تظهر المرأة المحبوبة مستلذةً بمشاعر الحب المؤلمة و لكنها لا تبوح، في جدلية ألقى بها الرافعي أمام قراءه تُظهر إشكالية الحب و تعذيب النفس في محاربة شيطان الهوى إذ يقول(..بيننا حب بغير طريقة الحب، فإن طبيعتي الروحانية الكاملة تهوى فيها طبيعتها البشرية الناقصة، فأنا أُمازِجها بروحي فأتألَّم لها، وأتجنَّبها بجسمي فأتألَّم بها ).
الدنيا إمرأة، هذا الاختزال الصريح المعترف بأحقية المرأة في الحب و في أنها تُحب ، اختزال يعيد الرجل لآدميته لكينونته…لجنته، و لا يكون إلا عن طريق التتويج بالحب ( إن الدنيا الآن امرأة! وكان من السرور كأنما نقله الحب إلى رتبة آدم، ونقل صاحبته إلى رتبة حوَّاء، ونقل المسرح إلى رتبة الجنة).
أي قدسية يمنحها الحب ؟! و أي مرتبة يضعنا فيها؟! هل نعود كالبلور شفافين لا مرئيين فتنفد من خلالنا الأشعة النورانية فلا نعود نرى إلا بها و لا نبصر إلا من خلالها و لا نتكلم إلا وحياً ؟!! هل نعود روحانيين، ربانيين ؟! ذاك من تستشفه من خلال قول الرافعي : (أتدري ما نظرة الحب؟ إن في هذا القلب الإنساني شرارة كهربائية متى انقدحت زادت في العين ألحاظًا كشَّافة، وزادت في الحواس أضواء مُدركة؛ فينفذ العاشق بنظره وحواسه جميعًا في حقائق الأشياء، فتكون له على الناس زيادة في الرؤية وزيادة في الإدراك يعمل بها عملًا فيما يراه وما يدركه؛ وبهذه الزيادة الجديدة على النفس تكون للدنيا حالة جديدة في هذه النفس؛ ويأتي السرور جديدًا ويأتي الحزن جديدًا أيضًا؛ فألْفُ قُبْلة يتناولها ألفُ عاشق من ألف حبيب، هي ألف نوع من اللذة ولو كانت كلها في صورة واحدة؛ ولو بكى ألف عاشق من هجر ألف معشوق لكان في كل دمع نوع من الحزن ليس في الآخر!)
يتكئ الرافعي في ثقافته ولغته على التراث العربي الإسلامي، حيث مثلت مكتبة الأب الأستاذ الثالث للرافعي حيث انكبّ عليها انكباب النهم على الطعام والعطِش للماء العذب و المسافر للراحة والأمان ،فكانت أستاذا و معلما و فيها إجتمع الرافعي باستاتذته كالجاحظ و الأصفهاني ، لهذا عاش الرافعي بين الكتب كأنها دنيا أخرى و أناس آخرون و جو و أصحاب و سُمار من عالم آخر و إن كان قد مضى بالنسبة إلينا فإنه حي ينبض بالنسبة له ، لهذا خالطهم و تعلم على يدهم فأصبح يتكلم بلغتهم الرصينة الراقية التي لم تخالطها العامية و لم تشوبها شائبة و يفكر بمنطقهم و يرى رأيهم لهذا كان لا يُرى إلا و في يده كتاب!!
فأحاط خبرا بما لدى الآخرين ومنحت مؤلفاتهم عقله معرفة ، دراية وأخلاقا وأيضا قوة وطاقة يعود بها إلى تراثه أوفر ما يكون نشاطا، وأحد ما يكون بصيرة ، فكانت هذه المؤثرات التي صقلت أسلوبه ولغته، فأول ذلك كتاب الله عز وجل و حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وثانيها ما حفظه من تراث العرب، و بيان فصحائهم، فقد حفظ نهج البلاغة و فصولا من المخصص، وكثرة قراءته في كتب الجاحظ وابن المقفع و أبي الفرج، لهذا تجد قبسا من شعاع و دليلا من نور في تعابير الرافعي يفضي إلى ملكته اللغوية و مخزونه العلمي الوفير، كما تتلمس من خلال وحي القلم أسلوبا خاصا بالرافعي غير أنك تجد آثار الجاحظ و همس كلماته.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0