أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

ورد آدم تكتب: سلافا

“سلاڤا”
بقلم/ ورد آدم
كل شيءٍ فيها كان هادئًا ورزينا، خطواتُها، كلماتُها تلفّتها وإيقاع حياتها، حتى طريقة تصفيف شعرها البسيطة والناعمة، كل شيء إلا عينيها، كانتا تشتعلان وتشعّان عندما تراه، أستطيعُ عندئذٍ قراءةَ ألف كلمةٍ وديوانًا من اللهفة فيهما، يصبح سوادُهما براقا وحكّاءً، حتى إذا غابَ وخرج من مبنى الجامعة انطفأتا مجددًا.. وعادت لسكونها الأول لكن بشرودٍ كثيفٍ ووجوم يفوح خسارةً وأسفا..
لم أعرف حتى اسمَ هذا الزميل الشاب الذي كان يحضرُ يوما أو يومين كحدٍ أقصى كل أسبوع، أراه يركضُ بعجلةٍ إلى خزانته يخرجُ قميصه الأبيض يرتديه وهو يعدو ليدخلَ المحاضرة، يربط أزراره العلوية بالعُرى السفلية ثم يهمس في أُذن الطبيب المحاضِر بكلماتٍ لا نسمعها فيهزّ الطبيبُ رأسه آسفًا ويسمح له بالدخول.
كثيرا ما سمعتُ همهماتٍ وثرثرة عن صديقتي، كانت تُجنّني فكرة أن الزميلات كنّ يحاكِمنها على نظرةٍ تشتعل مرةً أو مرتين كل أسبوع وفمُها مغلق موصدٌ لا تنبِس ببنت شفة، لكني كنتُ في ظهرها كَسيف جارحٌ نصلُه وكيف لا أكون، وقد تلقفتني ساعة وصولي إلى السّكن الجامعي وعاملتني بلطفٍ وحُنو منقطع النظير، حتى أنها ابتاعت لي الحلوى أولَ يوم وكأني طفلتها وهي فقيرة الحال كما عرفتُ لاحقا..
سألتها: كيف تكونين في السابعةِ والعشرين من عمرك وما زلتِ في سنتك الجامعية الأولى، فقالت لي: لسُكان المناطق النائية أحوالٌ لا تشبه أحوالكم لا سيما الغارقون بالفقر مثلي، ووصولي إلى حرمِ هذه الجامعة حلمٌ خلته مستحيلَ الوقوع، كلّفني ما الله به عليمٌ من أثمان باهظة.. لكنه وقع فكم أنا محظوظةٌ وسعيدة.
لم أجرؤ يوما على سؤالها عن حياتها الخاصة، أو عن ذلك الطالب الجامعي الذي كان يضبطُ سعادتها وحزنَها على توقيت حضوره وغيابه، كيف أسألها وهي تكبُرني بسنوات كثيرة كنت أتهيب السؤال وأحترم رغبتها بالكتمان، ولم أر من الذوق أن أزيدها حزنا بنقل ثرثرة الطالبات حولها، كل ما عرفته هو أن الشاب من منطقتها النائية نفسها لكنه أصغر منها بأعوام، كان يفوقُها جمالا ووسامة، بدا وكأنه بطلٌ سينمائي، بطوله الفارع، وحضوره الآسر الذي لا يحتاج أسبابا كملابس فخمة أو غيرها، كان مُلفتا ببشرته البيضاء المشرّبة بالحمرة وشعره الكثيف الملون الذي لا يحتاج تصفيفًا ليصير مرحا ولطيفا، بعينيه الخضراوين بلون الزيتون.. كان صامتًا وغامضا وليس له في القسم صديقٌ واحد، يدخل غريبًا ويخرج كما دخل تماما..
بقيتُ ملازمة لها كظلها طيلة أربعة شهور كاملة تصحبني كأختها الصغيرة أو كطفلتها ذهابا وإيابا إلى الجامعة وإلى السوق..وكنت ألتذ باهمتمامها الوفير.
في يوم قالت لي: اقتربت إجازة منتصف العام ولقد التمست أعذارا من الأطباء المشرفين كي أتغيّب شهرا كاملا عن الحضور، وها أنذا أخبرك كي أُجنبك القلق..
أوصتني بنفسي خيرا، وبغرفتنا الدافئة الصغيرة.. رافقتها إلى محطة القطار التي رأيتها لأول مرة في حياتي واشتريت لنا شايًا ساخنا وشطيرتين من الفلافل، جلسنا على مقعد حجري وهممنا بالطعام بانتظار موعد رحلتها..
كان وجودُ الشمس في السّماء يومَها لا يتعدى كونه رسمًا باردا، الهواءُ يعصف من كل اتجاه، يدحرجُ علب المياه الغازية الفارغة والأكوابَ الورقية على جسدِ رصيف المحطة، الأنوفُ حمراء والأصابع مزرقة والرقاب تنكمش وتختبئ تحت ياقات المعاطف الصوفية..
أرجحتُ ساقيّ على مقعد الحجر وسألتها : لم تخبريني عن سبب تغيبك عن الدوام ما الذي يدفعك للغياب أسبوعين ما عدا العطلة، ستضيعين عددا كبيرا من المحاضرات العملية وستجدين صعوبة هائلة في تداركها؟
قضمت لقمة كبيرة وأطلقت نظرها بعيدا عني باتجاه القطار الجاثم على صدر السكة وقالت:
لو تأخرت في مكوثي في القرية سيزيد احتمالُ اجتماعي بهِ هناك، لقد انقضت أربعة شهور دون أن أسمع صوتَه، أنا لا أحلمُ بلقائه في موعدٍ مرتب ولا أملك حق الحديثِ إليه حتى، لكني سأعوّل على الصدف، سأمشي في الطريق الزراعيّ الذي اعتدنا أن نمشي فيه معًا لسنوات في وقت الغروب لعلّ حنينا ما، او دافعا خفيًا يأتي به فأجعل خطواتي تعانق آثارَ خطاه على التراب الرطب، لعله يتنفس في مكانٍ قريب فأضمّ في صدري شيئا من أثره.. لعلي ألتقيهِ صدفة عند الدّكان الوحيد في القرية، أنا أشتري مرهمًا مرطبا لكفيّ الجافتين وقهوةً لأياميَ المرة وهو يشتري الحلوى لعروسِه الصغيرة، عروسه الغبية القبيحةِ ثقيلة الدمّ والفهم التي لم تبلغ السابعةَ عشر بعد.. ولا تعرفُ كيف تحبّ فرخ دجاجةٍ فضلا عن حب رجل.
وربما يجلس في الكرسي الوحيد المتبقي في الباص الأصفر المتهالك فأوبخه بصوت عالٍ أمام الركاب: لقد جلستَ أيها الرجلُ المحترم ببلادةٍ ورعونةٍ دون ان تترك الكرسي للآنسات،
لم تترك الكرسي لآنسةٍ جميلة كنت تعشقها كنتَ تصلي لتحظى بودّها بالتفاتةٍ فقط..
كنتَ تختبئ بين أغصان شجرة التين لتُطل على نافذتها ويهبّ أهلك للبحث عنك ساعاتٍ طوال في أنحاء القرية وانت ذاهلٌ.. معلقةٌ عيناك على نافذة غرفتي.. لكنكَ صرتَ غبيا وقحًا الآن، أصابتك خطيبتك بعدوى الغباء، انت ابنُ أمك، أمك التي أمرتك أن تنفصل عني لأني أكبُرك عمرًا فترَكتني ولو كنتُ قطةً اقتنيتَها لأربع سنوات لقتلكَ فراقُها وتراجعت عنه حفظا لرجولتك..
لكنك الجبانُ الذي يتخلّف عن حضور الدروس اليوم كي لا ينهار أمام ماضيه ويعود إليه نادما باكيا بشوق لم يختبره إنسان قط،
الجبان الذي يعمل ليلا نهارا ليشتري ذهبا لعروسه القبيحة التي تقرّبه وتُبعده بمقدار ما يملكه من مال.. الجبان الذي لوَى منذُ سنواتٍ سلكا نحاسيّا على شكل خاتم أحرقهُ بالنار حتى توهج كوى كتفه به ثم أهدانيه.. وقال لي: الموتُ فقط يفرّق بيني وبينك..
لكنك جبان.. أنت الجبانُ الذي..
كان وجهها مغطىً بالدمع عيناها تهميان وأنفها يسيل، أصابعها خمريةٌ متيبسة مغروزةٌ في الشطيرة، والشايُ انسكب على ركبتها، انتزعتُ من كفيها الطعامَ والشاي وجففتُ وجهها وعانقتُها حتى حان موعدُ رحلتِها.
مشت ببطءٍ وخطىً مُنهكة نحو القطار،
ضاعتْ بجسدها الضئيل الهادئ في موجة الرّكاب الهائلة،
ثم ابتلع الطريقُ الطويل القطارَ واختفى.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0