دراسات وأبحاث فكر مختارات مقالات

تاريخ الفلسفة وموقف رورتي العدائي

 

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

تُعرف الفلسفة، في بعض الأحيان، من خلال مجموعة من المشاكل التي تميًزها أو الخاصة بها و تتصف تلك المشاكل بأنها  ثابته ومستمرة.  تؤدي مثل هذه المشاكل إلى جذب انتباه الفلاسفة  في كل عصر، ما لم يتم حلها بشكل حاسم.  يعتبر رورتي، إن هذا الرأي  أفتراض مقبول وشائع  على نطاق واسع في النصوص المعيارية والنموذجية حول تاريخ الفلسفة.[1] ويرى أن هذا النوع  من التاريخ يعكس الفكرة السائدة في مثل هذه النصوص وهي، “أن الفلسفة” اسم  لحقل معرفي، وأنه، في جميع  الأزمنة والأمكنة، يمكن الوصول إلى الأسئلة الأساسية العميقة نفسها.[2]

لكن ليست هذه النصوص المعيارية النموذجية للفلسفة هي المصدر الرئيس لفكرة أن الفلسفة تعالج المشكلات الدائمة أو الثابتة والمستمرة.  بل بالأحرى، تستمد تلك الفكرة قوتها أساسًا من الطريقة التي يناقش بها الفلاسفة أنفسهم وسابقيهم. بأعتبار أن الفلاسفة السابقين واجهوا المشكلات نفسها التي تشكل جوهر المناقشات الحالية ومعالجتها.

نتعامل بهذه الطريقة مع أسلافنا  الفلاسفة حتى يومنا هذا. وكان قد قدم أرسطو وكانط مثل هذا التفسير لأسلافهم الفلاسفة، وكانت تلك التفسيرات مثيرة  للإعجاب ومنهجية وقدمت نموذجين للأجيال المتعاقبة. حتى هيجل، الذي رأى أن الفلسفة تطورت بشكل منهجي ديالكتيكي وأن هناك تقدم في تاريخ الفلسفة، قرأ ضمنيا القضايا الحالية في الماضي. لأنه تصور أن الفلاسفة السابقين طرحوا أسئلة لا يمكن فهم معناها الحقيقي إلا من حيث المشكلات اللاحقة. المشاكل السابقة هي في الواقع نصوص جدلية غير مكتملة من الأسئلة الحقيقية التي عالجها هيجل بنفسه، ويمكن فهمها بشكل كامل وصحيح فقط من حيث هذه الأسئلة.   أنا أزعم أن هذه الطريقة لتمثل المرء لأسلافه طبيعية ومثمرة وفي الوقت نفسه لا مفر منها إلى حد كبير. وإن وصف الفلاسفة السابقين  يعزز بوضوح الانطباع بأنهم قد شاركونا قلقًنا من المشكلات الدائمة.

لكن علينا أن نكون حذرين بشأن ما نستنتجه من هذه الممارسة المتمثلة في تمثيل الفلاسفة السابقين على أنهم عالجوا المشكلات التي تثير الأهتمام حاليًا. قد تعكس هذه الممارسة الطريقة التي نمثل بها وجهات نظر الآخرين أكثر من أي صفة أبدية للمشاكل التي تمت معالجتها. علاوة على ذلك، هناك أسباب مُقنعة لرفض فكرة المشاكل الفلسفية الدائمة. نعم أنه لمن الصحيح أن المشكلات التي عالجها الفلاسفة في العصور المختلفة تشبه بعضها بعضًا من نواحٍ عديدة، لكنها نادراً ما تكون متشابهة تمامًا. كما أكد الكثيرون من جون ديوي إلى ريتشارد رورتي، أن هذه المشكلات تنشأ في سياق مواقف فكرية واجتماعية محددة، وفي مراحل مختلفة من اكتساب المعرفة ذات الصلة الخاصة بها. إن هذه السياقات حاسمة لفهم بقاء أو الأحتفاظ الفكري بالمشاكل الفلسفية التي نواجهها اليوم؛ وإلى هذا الحد، تحدد هذه السياقات جزئياً ما هي تلك المشكلات. فعرض المشاكل بصرف النظر عن تلك السياقات لا يؤدي الاً إلى تشويها حتما. غالبًا ما  نجد هذا التشويه واضحًا في الأوصاف التي قدمها بعض الفلاسفة لأسلافهم. ويكون الأمر أكثر إثارة عندما تتباعد الروايات المعاصرة للفلاسفة السابقين بطرق تعكس الاختلافات الفلسفية بين أولئك الذين يقدمون الروايات.

فيبدو إلى هذا الحد، أنه من المعقول اعتماد نظرة تاريخية  تجاه المشكلات الفلسفية. لأنه في الواقع، حتى في عصر معين، قد تكون المشاكل أقل تشابهًا من ظهورها للوهلة الأولى، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أختلاف السياق الثقافي ذي الصلة بهذه المشكلات. لكن لا تهدد هذه التاريخية بأي حال نموذج الفلسفة الذي ينظر الى الفلسفة أو ودورها يأتي حلاً المشاكل. في الواقع، سيكون من المفاجئ، من وجهة النظر هذه، للنشاط الفلسفي إذا لم تتحول المشاكل أو حتى تتطور تدريجياً. إنه لمن المفترض أن تسفر الجهود المبذولة لحل المشاكل عن نتائج محددة في بعض الأحيان – وحاسمةً في أحيان أخرى، وربما في كثير من الأحيان تؤدي الى  تحسينات في الصوغ وتوضيحات للإفتراضات. وعندما يحدث هذا التقدم، مهما كان متواضعا، فإن المشاكل التي نعالجها ستتغير. إذا رأينا، مع راسل، المشكلات الفلسفية معمرة حقًا، فعلينا أن ننكر، كما قيل، أن مثل هذه المشاكل قابلة لأي حل على الإطلاق.[3]

إذا كانت المشكلات الفلسفية مدفوعة جزئياً في مايتعلق بالسياق الفكري أو الاجتماعي التي تنشأ فيها خاصة، فمن المرجح أن يؤدي التحول في السياق إلى حدوث تحول مماثل في المشكلات التي يتم معالجتها. قد يحدث هذا التغيير حتى عندما لا يُعتقد أن المشاكل السابقة قد تم حلها بشكل مرض. وعندما لاتسترعي الأهتمامات التي دفعتنا إلى طرح أسئلة معينة لم تعد تجذب انتباهنا، ستبدو هذه المشاكل  مصطنعة وغير مُحفزة للأهتمام. إذا استمرت هذه المشاكل في جذب الاهتمام  فستبدو المناقشات حول الحلول المتنافسة عديمة الجدوى وبلا معنى ، والحلول المقترحة مجرد تمارين فكرية. ولن يعكس هذا العمل الفلسفي رغبتنا في تعلم شيء جديد أو تعميق فهمنا للأشياء.

يزعم رورتي أن هذا الوضع يحصل اليوم بالضبط. ويجادل قائلاً إن المشاكل المتعلقة بالعقل والمعرفة والمعنى التي هيمنت على الفلسفة المعاصرة ، بل والمحددة  للفلسفة الحديثة ايضاً  مُستمدة من اهتمامات القرن السابع عشر والثامن عشر التي لم تعد  لها أي تأثير علينا  ولم نعد نعتقد بها. إن المناقشة الفلسفية لهذه المواضيع مصطنعة وهي ليس الاً  محاولات حل المشاكل  التي لا طائل منها ولا معنى لها. فيخلص رورتي الى  أنه بدلاً من الاستمرار في محاكاة  جهود المفكرين السابقين لإيجاد حلول مرضية، يجب علينا بكل بساطة التوقف عن معالجة هذه المشكلات على الإطلاق.ويمكن للقارى أن يجد تفصيلا لموقفه هذا في  الجزء الأول والثاني من كتابه “الفلسفة ومرآة الطبيعة” .

إذا كان رورتي محقًا في أن المشكلات المركزية للفلسفة الحديثة أصبح فارغة أوبلا معنى، فقد نتوقع إعادة صياغة تلك المشكلات في نهاية المطاف، أو حتى استبدالها بأسئلة جديدة تعكس بشكل أفضل أهتمامات اليوم. لقد حدثت مثل هذه التحولات من قبل، ومن الطبيعي أن نفترض أنها ستحدث مرة أخرى.

ومع ذلك ، فإن تاريخية رورتي هي الأكثر تطرفًا أو راديكالية. إذا لاحظ المرء أن هذه السلوكيات المدرسية في فترة ما تفسح المجال مرارًا وتكرارًا لمشاكل صاغها جيل لاحق حديثًا، فقد يتوصل في النهاية إلى مجموعة من المشكلات مثل الظواهر الثقافية العابرة ، وبالتالي يتساءل عن قيمة محاولة حلها. وإذا كانت الاهتمامات الفلسفية تمر فقط عندما تبدو المشاكل بلا جدوى ، وليس لأننا نجد حلولًا مقنعة ، فقد يشك المرء فيما إذا كانت  مثل هذه الحلول ممكنة. وفقًا لذلك ، يرى رورتي أن تجاوز المشكلات التي عفا عليها الزمن اليوم لا يؤدي إلى مشاكل جديدة أكثر حيوية ، بل إلى نهاية الفلسفة ، التي يُنظر إليها على أنها نظام لحل المشاكل. تمتد تحذيراته الإقصائية إلى ما وراء الاهتمامات الحالية للفلسفة لتصل إلى صورة حل المشكلات في الفلسفة نفسها. هناك مساران إقصائيان ممكنان. يمكننا أن نفكر في الفلسفة من منظور عدم حل المشكلات، كما أوصى في (  الجزء الثالث من الفلسفة ومرأة الطبيعة أو، على نحو مكافئ، يمكننا التخلي عن الفلسفة تمامًا والدخول في “ثقافة ما بعد الفلسفية” كما توقع في كتابه،  Consequences of Pragmatism(xxxvii-xliv)  يأمل رورتي، مثل ماركس، أن إدراكنا للنمط الذي حكم مرورنا من مرحلة تاريخية إلى أخرى حتى الآن، سيجعلنا قادرين على التحرر من هذا النمط.[4]

على الرغم من أهدافه الثورية ، فإن موقف رورتي التاريخي يتمتع بقدر معقول من الجاذبية البديهية. يختلف الفلاسفة بشكل كبير حول القضايا المركزية. على الرغم من الدور المركزي للتفكير في النشاط الفلسفي ، نادرًا ما يتم حل هذه الخلافات بالحجة العقلانية. من اللافت للنظر كيف نادرًا ما تؤدي المناقشة مع أي شخص إلى تغيير موقفه في النقاش. تبدو الخلافات غير متأثرة بالحجة أو المحاججة العقلانية  في جميع المجالات عندما تنشأ قضايا ذات أهمية نظرية شاملة.  وأن مثل هذه الخلافات وباء شائع  في الفلسفة. من الصعب أن نتخيل كيف يمكن أن نفهم ونضفي معنى على “تلك الاختلافات المذهلة في الاعتقاد الفلسفي”، كما لاحظ جون ديوي،  التي غالبًا ما “أذهلت المبتدأ وأصبحت لعبة الخبير”.[5]علاوة على ذلك، تحدث مثل هذه الخلافات على جميع مستويات التجريد، مما يترك القليل من الأرضية المشتركة للمتنازعين للرجوع إليها. تدعو هذه الاعتبارات، توافقاً مع رورتي ، إلى أن القضايا نفسها  تكون عديمة الجدوى وفارغة المعنى. وأن صف القضايا بطريقة تاريخية يزيد من هذا الحدس.

أريد أشير هنا الى قضية منهجية مهمة جداً، وهي أنه من المهم التمييز بين رؤية شيء ما  بأعتبار أنه ينتمي إلى تاريخنا ورؤيته في سياق التطورات والتغيرات التاريخية. يمكن أن يؤدي تطبيق المنظور التاريخي أو السياق التاريخي إلى تعزيز فهمنا للأشياء، دون أن يشير على الإطلاق إلى أي نقص في الاهتمام الحالي في القضايا المطروحة. ويمكن للمناقشة التاريخية أن تحيي الاهتمام في موضوع ما. لكن عندما لا تزال القضية تثير الاهتمام الحالي، فإن تاريخها يكون غير مكتمل. لذلك عندما نصف مشكلة من الناحية التاريخية فقط، وكجزء من ماضينا فقط، فإننا نصفها بأنها خالية من الاهتمام الحالي.

وبالعودة الى سياق  نقاشنا  يمكننا ان نقول؛ لكن مثل هذه الاعتبارات العامة لا تكاد تكون مقنعة. فالمناقشات الفلسفية تضيف القليل إلى معرفتنا أو فهمنا إذا قمنا بقياس هذا التقدم من خلال ما إذا كان يتم تحويل أتباع أو مؤيدي موقف ما إلى موقع  وموقف آخر. ولكن من وجهة نظر مدرسة معينة، يلتزم أعضاؤها بموقف لا يزال مستقرًا بشكل معقول ، غالبًا ما تؤدي هذه المناقشات إلى تقدم كبير بشأن القضايا محل النقاش. ولا تختلف الفلسفة عن المجالات الأخرى في هذا الصدد. عادة ما تبدو برامج البحث المتنافسة عقيمة نسبيًا لبعضها البعض،بغض النظر عن المجال أو الحقل. علاوة على ذلك ، فإن القدرة على شرح وتمثل قضية تاريخية فقط، لا تكاد تكون دليلًا موثوقًا لحالتها المعرفية. وإن إضفاء الطابع التاريخي على قضية لا تزال تثيرأهتماماً نشطًا هو أكثر من مجرد وسيلة غير مباشرة لتمني أنها لم تحصل.

لكن لا يبقي رورتي قضيته في حدود هذه الاعتبارات؛ بل أنه بدلاً من ذلك ، يكرس الكثير من كتابة الفلسفة ومرآة الطبيعة لتقديم تفسيرات موسعة حول المناقشات الفلسفية المعاصرة للعقل والمعرفة واللغة، والخلفيات التاريخية التي أدت إليها، من أجل إالكشف عن أن القضايا التي تشغلها هذه النقاشات هي فارغة  في النهاية،. ويكفي النظر في معالجته، في الجزء الأول، لمشكلة العقل والجسم، لأن الحالتين الأخريين تتبعان النمط  والطريقة نفسها في المحاججة.

[1] Richard Rorty, ‘The Historiography of Philosophy: Four Genres’, in Philosophy in History, edited by Richard Rorty, J.B.Schneewind, and Quentin Skinner (Cambridge: Cambridge University Press, 1984): 49-75.

[2] Rorty, ‘The Historiography of Philosophy: Four Genres’,63.

[3] Bertrand Russell, The Problems of Philosophy (London: Oxford University Press, 1912), 155-57

[4] Jonathan Ree, Michael Ayers, and  Adam Westaby, Philosophy and its Past [Hassocks: The Harvester Press, 1978], p. 7

[5] John Dewey, Experience and Nature, Dover Publications Inc.; Reprint edition (25 July 1998), 30.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0