ثقافة عروض كتب مختارات مقالات

ثلاثية: الكاتب، الناشر والقارئ …

بقلم/ نجوى الجزائري

لن تتناول أسطري هذه عبقرية كارلوس زافون في فن السرد ، و لن تتناول أيضا تلك الحبكة المتقنة و التشويق المريع لروايته هذه (لعبة الملاك) ، و لن أتحدث أيضا عن شخصيات الرواية المرسومة بعناية، لا و لا عن السياق الزمنكاني للرواية و شوارع برشلونة التى لاحت الحرب الأهلية في أفق سمائها الضبابية فهذه زوايا تناولها العديد من القراء ، سأتحدث عن زاوية إلتقاط أخرى ربما تدور عليها الرواية بشكل خفي و جلي معاً أردت تسليط الضوء عليها لأنها ما أثارت انتباهي أكثر….

ثلاثية: الكاتب، الناشر والقارئ …

الكتاب الأول…الحب الأول، كثيراً ما تتشابه أحاسيسُ الكاتب بأول كتاب خطه مع مشاعر حبه الأول، مشاعر قلق ،ترقب وشغف كلها أحاسيس تختلط في جنبات الكاتب، ربما يبوح بها وربما لا، لكنها تظهر رغم مداراته إياها، بل ونجد الكاتب يطلق على كتابه الأول لقب مولودي الأول، وهذا لا يعد مبالغة من طرفه بل نجد الكاتب قد كابد مخاضاً عسيرا أو حتى ولادة قيصرية من أجل وضع مولوده وإخراجه إلى النور، ثم لا يهدأ له بال حتى يراه طفلا محبوبا بين يدي قراءه، فماذا نتوقع أن يكون شعوره عند إمساكه بالنسخة الأولى من كتابه؟ ربما مع حفل توقيع، مع أول صدى لدى القراء يزداد معه تسارع النبض، تقول إيزابيل الليندي عن الهوس بالكتابة:(أحتاج أن أروي قصة، إنه هاجس، فكل قصةٍ هي بذرة في داخلي، تبدأ في النمو والنمو حتى تصبح كالجنين، ويجب عليّ أن أتعامل معها عاجلاً أو آجلاً).

لكارلوس زافون في روايته هذه “لعبة الملاك ” بعدٌ آخر أو زاوية أخرى لهذا الشغف بالكتابة إذ يقول على لسان بطله (دافيد مارتين) هذا الكاتب المغمور الذي كانت أكبر آماله من وراء الكتابة هو طبقٌ ساخن آخر النهار !!! (الكاتب لا ينسى أول مرة يحصل فيها على نقود أو ثناء مقابل قصة ألفها، لا ينسى أبدًا أول مرة يشعر فيها بسم الغرور العذب يسري في دمائه؛ فيحسب أنه قادر على إخفاء انعدام موهبته عن الجميع، وأن حلمه الأدبي سيؤمن له سقفًا فوق رأسه، وطبقًا ساخنًا في آخر النهار، وأشد ما يرغب فيه على الإطلاق: أن يرى اسمه مطبوعًا على غلاف ورقي بائس، سيعمر أكثر منه بلا شك، الكاتب محكوم بعدم نسيان تلك اللحظة، لأنها تتلاشى في أوانها يصبح لروحه ثمن ما)… سقف الآمال يرتفع من مجرد وجبة ساخنة آخر النهار إلى تخليد اسمه، فلا يمكن أن ينكر أي كاتب أن الحلم الذي يراوده دائما هو تخليد اسمه، فهو حلم يؤرقه كثيرا مهما كان وزنه وشهرته، يقول” أمبيرتو إيكو “(…حين يقول لك أحد الكتّاب بأنه لا يكترث بمصير كتبه، تأكد أنه ببساطة يكذب، وأنه يقول ذلك فقط ليُرضي غرور الصحفي الذي يسأله) تذكرت هنا قصة صديقة لي أرادت أن تشتغل بالصحافة فإلتحقت بإحدى الصحف المحلية و بدأت تجتهد في جلب المعلومات و كتابة المقالات لكن المقالات لم تظهر يوماً باسمها! بل بإسم آخر أو حتى إسم مستعار ، لعنة الإسم المستعار تطال الكثير و الكثير من الكتاب و طاردت أيضا بطل زافون (مارتين ) ، رغم لعنة الإسم المستعار يبقى الكاتب ينشد الخلود و والاستمرارية، فكل كائن بشري يحلم بالخلود وينشد إكسير الحياة، البقاء على قيد الحياة مدى الحياة، إنه شيء غريزي أن نصبو إلى الأبدية إلى المالانهاية، لهذا قد نتفهم- و لابد من ذلك- أن نتفهم الرغبة الجامحة للكاتب الذي يصبو إلى الشهرة، الخلود، الأبدية، أن يذكره الناس على مدى قرون وقرون، أن لا يموت اسمه، أن لا يكون نسياً منسياً بأي ثمن وبأي وسيلة، يقوده ذلك لنجاحات تلو النجاحات، للعبقرية، للاكتشاف وللطفرة التي تميز شخصا ما عن شخص آخر يجعله ببساطة عبقريا، مخترعا ، مجددا، عالميا وخالدا.

#قِسْمَةٌ ضِيزَى!!!

يقول إميل سيوران (الرغبة في الشهرة هي الرغبة في أن يموت المرء مكروها ولا يموت منسيا) إذا وقع الكاتب أسير شهوة الشهرة خاصة إذا كان كاتباً مبتدء فاقرأ على الأدب السلام، سيكون حتما عرضة للاستغلال من طرف الجميع، نفسه الطامحة للشهرة والأبدية، الناشر الذي يفرض أدباً خاصا ولوناً معينا وحتى رضوخه لميولات القراء وأهواءهم المتقلبة، لذلك يقع الكُّتاب ضحية هذه القسمة غير العادلة كما يراها الروائي السوداني طارق الطيب إذ يقول (القِسمة هكذا، المال للناشر والمَحبة للكاتب، الناشر يعيش من النشر والكاتب يعيش من عمل آخر) كارلوس زافون في روايته هذه جعل الكاتب الشاب (دافيد مارتين ) يقع تحت رحمة ناشر غير عادي، ناشر بنزوات خاصة وبشروط مبهمة غامضة غموض موضوع الرواية التي طالبه بكتابتها وبشاعة سلسلة جرائم القتل التي قاد ضحيته الأولى (دييغو مالارسكا) لارتكابها، وصولاً لرغبته في إحداث #دين-جديد للبشرية وفق هوس هذا الناشر الغامض والخالد، من جملة ما يؤمن به هذا الناشر يقول زافون (البقاء على قيد الحياة هذا ما ترتكز عليه طبيعتنا، الإيمان إجابتنا الوحيدة على مسائل وجودية يصعب تفسيرها: الفراغ الأخلاقي الذي نلمسه في الكون، حتمية الموت، ألغاز أصل الأشياء أو مغزى وجودنا وغيابنا، إنها مسائل بدائية وبسيطة للغاية لكن حدودنا نفسها تمنعنا من الإجابة عنها بوضوح، و لهذا السبب نسعى إلى الإنجاب و التكاثر ،كردة فعل دفاعية كإجابة عاطفية إنها محض بيولوجيا).

#قوة الفن:
رغم إضفاء زافون لطابع البوليسية و التشويق في روايته ” لعبة الملاك ” إلا أننا نجدها لا تخلو من حوارات فلسفية لاهوتية إن صح التعبير و تظهر خاصة في حوارات (مارتين ) مع صاحب دار النشر ،فحتى العنوان (لعبة الملاك ) يوحي بشيء من الرمزية يتساءل القارئ في نهايتها أهي لعبة الملاك (كشارة يضعها الناشر وساما على صدره) أم لعبة و لعنة شيطان ؟ من يدخل بيت البرج يقع تحت لعنة الكتابة من أجل المال و الشهرة ،ليتكشف بعدها أنه ضحية ناشر ملحد ينوي اختراع دين جديد عبر سلسلة جرائم قتل ، يقول صاحب الدار في حواره مع مارتين (… من المستحيل إجراء حوار عقلاني حول المعتقدات و المفاهيم مع شخص لم يكتسبها عن طريق العقل ، و هذا ينطبق على كلامنا حول الله و العرق و الأمجاد الوطنية ،لذا أنا محتاج لما هو أقوى من أي بيان بلاغي بسيط، أنا محتاج لقوة الفن و الإخراج، نحن ندعي أننا نفهم الأغاني لكن الموسيقى وحدها ما يجعل من كلماتها مفهومة ) ، قوة الفن إن امتلكها مجنون أو مهووس بدين جديد يضع العالم تحت رحمته، ربما وقعنا كلنا تحت رحمة دين جديد ليس بالضرورة أن يكون عبر الفن كما يقول زافون ربما عن طريق التكنولوجيا التي تتسارع اختراعاتها و ليس بالضرورة أن يكون دين بطقوس كالصلاة المعهودة، هو دين بطقوس أخرى، إله آخر معبود و ثواب و عقاب آخر ربما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0