أسرة وطفل اجتماع مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

عالَمٌ ضَريرٌ

عالَمٌ ضَريرٌ

بقلم/ عبد الله لحلوح

على رصيف شارعٍ واسعٍ من شوارع المدينة المشهورة، والمعروفة بمحلاتها ذات العلامات التجارية الكبيرة والصغيرة، في وسط السوق تقريبًا، تجلس الطفلة الجميلة الشقراء بعينيها الزرقاوين المتعبتين من الحياة، تراقب المارة، وربما استهوتها أحذية بعضهم، حيث كان حذاؤها ممزقًا بعض الشيء، وعيناها لا ترتفعان كثيرًا إلى الوجوه، فربَّما قرأت حيواتِ الآخرين من أحذيتهم الثمينة والمُلمَّعَة جيدًا.
بصوتِها الناعم الممزوجِ ببحةٍ لذيذة، كانت تنادي المارَّةَ، وتدللُ على بضاعتها الكاسدة:” الكمّامة بشيقل” صوتٌ يرنُّ في الآذان، بل إنه يقتحمُ القلوبَ دون استئذان، وتحملُ جملتُها الخجولةُ آلافَ المعاني، ومئات القصص التي تكتظُّ بها بيوتنا الصغيرة.
تجاوزتُها مُسرعًا كعادتي عندما أسير في شوارع المدينة، فغالبًا ما أكون في مهمَّةٍ ما، حيث لا أتسكَّعُ في الشوارعِ إلا قليلًا، لشراء بعضِ الحاجياتِ التي تُسنَدُ إليَّ أحيانًا مهمّةُ شرائها، بِحُكْمِ أنَّها في طريقي، ولن يُكلِّفَني ذلك كثيرًا من الوقت، ظلَّ الصوتُ يرنُّ في قلبي، وتلك الشقراءُ الصغيرةُ المتكوِّمةُ على الرصيف تلاحقُني صورتُها، وأمثالها كثيراتٌ، وكثيرون هم أولئكَ الذين يبتغون فضلًا من الله على الشوارع، فبعضُهم يستعطي (الرايح والجاي) وبعضهم يبيع ما لا يُباع، نساءٌ يفترشنَ الأرضَ، ويحملنَ أطفالًا لا أدري كيف تتفقُ طراوةُ أعمارهم مع خشونةِ أولئكَ النسوة اللواتي يحفظنَ أدعيةً من القاموس، ويتعربشنَ بها الناسَ؛ علَّ قلبَ واحدٍ منهم يرقُّ، وتنطلي عليه الخدعة، فيُسقطُ في يدِ إحداهنَّ بعض الشواقل. أما بطلةُ الرصيف تلك، فهي ابنةُ الصفِّ الثامن، بِزِيِّ المدرسةِ الحكوميِّ، وبخصلاتِ شعرها الذهبية، وبوجهِها المليح، تختلفُ كلِّيًّا عن الأُخريات، طفلةٌ تودِّعُ طفولتَها، وتستقبلُ مراهقَتَها على الرصيف، تختبرُ العالمَ الجديد، وتحاولُ أنْ تفصِّلَهُ على طريقتها، فربَّما فكَّرَت بشراءِ حذاءٍ جديد، أو فستانًا يتناسبُ مع الجسمِ الذي ستبدأُ عما قريبٍ ملامحه بالتغيِّر، أو ربّما فكَّرَت بشيءٍ آخر. لكنَّها بالتأكيد كانت تفكِّرُ بالعالم العلوي والسُّفليِّ، وتقاسي تجربةَ المقارنة، فقد مرَّ من أمامها آلافُ الأطفال في عمرها، وبالتأكيد أنها رأت بنات صفِّها أو مَنْ هُنَّ في عمرها من طالبات المدارس، يعبرن الشارع من أمامها، واحدة تضع هاتفها الجديد على أذنها، تتصلُ بأمِّها؛ لتخبرها بأنها ستتناول الغداء في المطعم مع رفيقاتها، وأُخرى تخبرُ أُمّها بأنَّها ستتأخرُ قليلًا، فهي ستذهبُ إلى النادي، وثالثةٌ يُطارِحُها عشيقٌ غِرٌّ تلطيشاتٍ غزليةً على طريقةِ شعراءِ المعلقاتِ، كلّ هذا ستراهُ طفلتي الجميلة في الشارع، وهي متسمرةٌ في ركنها، ليس بين يديها سوى كيسٍ تضعُ فيه كمّاماتها، وحقيبتها المدرسية التي اتخذتها مقعدًا يرفعُها قليلًا عن الرصيف.
عُدتُ إليها بعد أن أنهيتُ مَهمَّةً تسويقيةً خفيفة، وكانت ما تزالُ مكانها، الصوتُ ذاته، والنبرةُ ذاتها، أما الوجهُ فكان أكثرَ جمالًا، وخصلات شعرها تزدادُ لمعانًا وعزًّا، والبضاعةُ الزرقاءُ في كيسها الصغير كما هي: أعطِني كمّامة عمّو، فأسرعتْ أناملُها إلى ( بُقْجَتِها) وأخرجَتْ واحدةً، وناولتني إياها، فوضعتُها في ( بُقجَتي) التي كان فيها بعض المشتريات الصغيرة، وتجرَّأْتُ وسألتُها: بأيّ صف أنتِ يا عمّو؟ – في الصفِّ الثامن.
في أيّ مدرسة؟
– في مدرسةِ … لقد أخبرتني باسمِ مدرستِها على استحياء، وكنتُ أظنُّها لن تفعل.
– ليش بتبيعي كمامات؟
بابا ضرير، وما بقدر يوفِّر كل إشي للبيت، فأنا حبّيت أساعده. لم أردَّ على هذه الجملة، بل لم أدرِ ما الذي كان ينبغي عليَّ أنْ أقوله، فدفعتُ لها ثمنَ كمّامتها كما يستحقُّ صوتُها الأخّاذ، وأحسستُ أنَّ العالمَ كلَّهُ ضرير. وقلتُ في نفسي: يا لخيبتِنا ولعجزنا! الكمامة بشيقل، وعيناكِ بكل مال الدنيا.
تُرى كم شخصية مرموقة مرَّت من أمام تلك الفتاة؟ وكم هي العيون التي شاهدت ذلك الشقار المتكوِّم على الرصيف؟ هل بِتنا بعيدين كلَّ هذا البعد عن إنسانيتنا؟

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0