سياسة قادة وأعلام مختارات مقالات

الدكتور أحمد يوسف يكتب عن عبد الإله بن كيران

الغربة.. إطلالةٌ على الذكريات (3)

بقلم/ د. أحمد يوسف
صور وحكايات .. عبد الإله بن كيران.. رئيس الوزراء المغربي والقيادي الإسلامي الذي عرفت
في عام 2000، عقدنا مؤتمراً في العاصمة الأمريكية واشنطن بعنوان “أمريكا والإسلام والألفية الثالثة”، وكان من بين المدعوين – آنذاك – النائب عبد الإله بن كيران؛ القيادي في الحركة الإسلامية في المغرب.. لم يكن سبق لي أن التقيته، وإن كنت قد سمعت عنه الكثير من شخصيات إسلامية مغربية، جمعنا معها الكثير من اللقاءات والحوارات في العديد من المؤتمرات التي كنا نعقدها في الغرب، وقد قرأت ما كان متوفراً من كتاباته أو ما كتبه البعض عنه، وكنت حقيقة معجباً به.
البعض في الساحة الإسلامية كان يشهد له بسعة الأفق، والمرونة السياسية والذكاء الألمعي الذي يتمتع به، ونظرته للآخر وانفتاحه عليه.
كنت أسمع كذلك عن خلافه مع إخوانه، بسبب رؤيته التي تدعو لضرورة الانفتاح على الدولة، والتعاطي مع القصر، وتجاوز الموقف التاريخي للحركة الإسلامية الرافض الإقرار للملك بشرعية ومكانة “أمير المؤمنين”.. ربما كلفه هذا الموقف عقداً من الجفاء وغياب التوافق بينه وبين إخوانه في الحركة الإسلامية، إلا أن الأمور والمواقف تغيرت بعد ذلك داخل حركة “التوحيد والإصلاح”؛ الحركة الأوسع انتشاراً وتنظيماً في المغرب بعد رحيل الملك الحسن الثاني (رحمه الله)، وتولي ابنه محمد السادس ملكاً للبلاد، حيث أصدرت الحركة بياناً في 24 يوليو 1999 تعلن فيه تأييدها للملك وللبيعة التي تمت له، ودعوتها له بالتوفيق كأميرٍ للمؤمنين.
بعد هذه النقلة في موقف الإسلاميين تجاه القصر، كانت الخطوة الثانية هي سماح الدولة لهم بالعمل السياسي، وتشكيل حزبٍ باسم “العدالة والتنمية”.
في عام 2010، جاءنا النائب بن كيران زائراً لغزة مع لجان كسر الحصار، حيث استقبلناه في معبر رفح مع إخوانه من المغاربة، وكان لي معه أكثر من لقاء وأكثر من جلسة حوار، حيث ذكرت له بعض ما نعانيه مع إخواننا في الحركة والحكومة، جراء بعض ما نجتهد من مواقف سياسية، تتباين – أحياناً – مع ما يقوله البعض منهم. فقال لي: “يا أخ أحمد.. عليك بالصبر الجميل على إخوانك، فالسياسة فيها مساحات واسعة للاتفاق والاختلاف.. وانا عانيت لعشر سنوات بسبب موقفي المطالب بالانفتاح على القصر، ولكن انظر ما يحدث اليوم.. فعندما قررت الحركة انشاء حزب سياسي لم يجدوا أحداً أفضل منيِّ مناسباً لقيادة هذا الحزب”.
وعندما التقيته في بيته في الرباط عام 2012، كانت نظراته لي وابتسامته تقول الكثير: انظر يا أخ أحمد.. ها أنا الآن رئيس الوزراء.
وهي المرة الأولى التي يقود فيها إسلامي الحكومة في تاريخ المملكة.
للصديق العزيز عبد الإله بن كيران؛ رئيس الوزراء المغربي السابق، اعتز حقيقة بصداقتك، وبتجربة الحركة الإسلامية في المغرب، والتي عرفت الكثير من قياداتها، مثل: د. محمد يتيم والمهندس محمد الحمداوي، ووزير الخارجية ورئيس الحكومة الحالي د. سعد الدين العثماني، ووزير العدل والحريات مصطفى الرميد، ووزير الإعلام مصطفى الخلفي، والوزير عبدالله بها، والنائب المقرئ الإدريسي…الخ. نعم؛ لقد قدَّمتم لنا في فلسطين الكثير من مواقف الدعم والتأييد، ولا ننسى مواقف الشعب المغربي بتأطيراته الإسلامية والقومية المؤازرة لقضيتنا وشعبنا، وقد لمست ذلك خلال أكثر من زيارة قمت فيها لهذا البلد، حيث كان الحرص على جمع الشمل الفلسطيني، وبأمل تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام بين أبناء الوطن الواحد والقضية الواحدة، حيث وجهت الدعوة لأكثر من 20 كادراً قيادياً يمثلون “الكل الفلسطيني” للاجتماع والتحاور في مدينة الصخيرات.
وفي أكتوبر 2011، قمنا في هيئة الوفاق الفلسطيني بزيارة للمغرب في إطار لقاء نظمه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لعرض التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية، لاسيما عبر مسار هيئة الإنصاف والمصالحة ودورها في تسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هناك. كما قمنا بزيارة وكالة بيت مال القدس الشريف، واطلعنا على البرامج التي تنفذها لحماية المدينة المقدسة ودعم صمود سكانها.
ومع كل ما تقدم، إلا أننا كفلسطينيين وكأصحاب قضية وطنية يتم النظر إليها باعتبارها “القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية” لنا عتب كبير على إخواننا في الحركة الإسلامية في المغرب، حيث صُدمنا بالموقف الذي أتخذته المملكة بتطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.. وللأسف، جرى ذلك في ظل حكومة يترأسها القيادي الإسلامي د. سعد الدين العثماني!!
نعم؛ أكدت حركة “التوحيد والإصلاح”؛ الجناح الدعوي لـ”حزب العدالة والتنمية”، الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي، في بيان لها أن “موقف الحركة يرفض ويستنكر كل محاولات التطبيع والاختراق الصهيونية”… وأن “المكتب التنفيذي يعتبر ما أقدم عليه المغرب، الذي يرأس لجنة القدس الشريف، تطوراً مؤسفاً وخطوة مرفوضةً”.
وشهادة للتاريخ فإن “شبيبة العدالة والتنمية” المغربية قد أكدت هي الأخرى على موقفها المبدئي الرافض للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
في الحقيقة، إن ما كان ينتظره الشارع الإسلامي والفلسطينيين من إخوانهم الإسلاميين في المغرب هو الانسحاب -على الأقل- من الحكومة، وتسجيل موقف للتاريخ يُحسب لهم، بدل نبرة الاستخذاء والهوان التي ظهرت على بيان الحزب ولسان قياداته.
إن اتفاقات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي الغاصب تُعدُّ -من وجهة نظرنا كإسلاميين- طعنةً للقضية الفلسطينية، وخذلانٍ كبير للشعب الفلسطيني ومقدساته، وتخلٍّ صريح عن الأقصى، الذي تُنتهك حُرماته وتهود جوانبه وأركانه.
كنت أنتظر أن أسمع موقفَ عبد الإله بنكيران من هذا الأمر، لكنَّ نبرة جوابه الحزين لكل من سأله عن التطبيع: ليس لدي ما أقوله لكم!!
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0