ثقافة سياسة قادة وأعلام مختارات مقالات

صور ٌوحكايات.. الرئيس محمد خاتمي

الغُربة.. إطلالةٌ على الذكريات (2)
صور ٌوحكايات.. الرئيس محمد خاتمي

عِلمٌ ومكانة وتواضع وأدب

بقلم/ د. احمد يوسف
التقيت الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في حياتي ثلاث مرات، اثنتين في نيويورك وواحدة في طهران، والأمر الذي لفت نظري في لقاءات نيويورك هو تواضع الرجل، وتقديره لكل الحاضرين.. دخل الرجل القاعة التي كنا ننتظره فيها بالفندق المجاورة لمقر الأمم المتحدة في حي مانهاتن الشهير، فمرَّ يُسلِّم على الجميع، ويمازح كل واحد منهم ويسأله عن جنسيته باللغة العربية.. كنا حوالي ثلاثين ضيفاً، نمثل جاليتنا العربية والإسلامية في أمريكا.
عندما ذهب الرجل إلى المقعد المخصص له، وجد أن ترتيبات المكان أعطته تميزاً وأفضلية عن الآخرين، فطلب من رجل البرتوكول تغيير ديكور الجلسة، بحيث يصبح كرسيه وموقع مجلسه كالآخرين. لفتة بسيطة في شكلها العام، ولكنها كانت عظيمة الدلالة في أبعادها، وكانت درساً لكل من حضر، فالكراسي لا تصنع تميزاً لشخص مهما بلغت مكانته، إنما يصنعه علمه وأدبه واحترام الناس له.
بعد كلمته الرائعة، التي أمتعنا فيها ببحر علمه الواسع، من حيث فصاحته وسعة اطلاعه ووعيه في علوم الدين والسياسة، انتقلنا إلى قاعة أخرى لتناول طعام الغداء، وجلس كلُّ واحدٍ فينا إلى حيث وجد صديقاً يريد أن يتجاذب معه أطراف الحديث، ودخل الرئيس خاتمي بعد دقائق إلى قاعة الطعام، ونظر في الأماكن إلى أن وقع بصره على طاولة فيها متسع لشخص أو شخصين، فاستأذن وجلس بينهم.
نظر كلُّ واحدٍ فينا باتجاه الآخر، وقلنا بهذه النظرات الكثيرَ من الكلام.
لم ينسَ الرئيس تقديم هدية لكل واحد منا جلبها معه من إيران وهي علبة جميلة تحتوي على كمية من “الرطب المجفف”، وهو يختلف عن التمر، ولم يسبق لي أن رأيت مثله من قبل.
وفي طهران عندما التقيناه عام 1998، خلال مؤتمر حضرته وفود إسلامية من دول مختلفة، كان الرجل كعادته حريصاً أن يُسلِّم على جميع من التقاه، ولم نشهد على سلوكه تلك “النعرة أو الفشخرة” التي تشهدها عند بعض أصحاب الكراسي والمقامات، حيث يتعمد البعض منهم أن يضع بينه وبين الناس حاجزاً، ويعطي لنفسه من الوجاهة أكبر من حجم علمه، متكئاً على موقعٍ أوصله إليه الكرسي، ظانَّاً بأن هذه المظاهر تصنع منه عظيماً، وتمنحه احتراماً بين الناس!!
تذكرت هذه المشاهد، وأنا أرقب في أحد اللقاءات كيف ينظر البعض عندنا إلى مقامه من خلال الكرسي أو الطاولة التي يجلس عليها، ويظن أن هذه المواقع تصنع لإنسان قيمة أو تمنحه قدراً فوق الآخرين.
للأسف، لا قياداتنا تقدم النموذج، ولا توطن في ثقافتنا المُثل؛ لأن الكثيرين منهم قدَّمتهم حناجرهم أو تقدموا في مواقعهم من خلال مسح الجوخ والكولسات التنظيمية، التي آخر شيء فيها اعتبارات الإنجاز والكفاءة والتميز أو الجدارة.

جالت هذه الأفكار في خاطري لكثرة مشاهدتي لأناس يرون أن “الكرسي” هو مسطرة القياس عنوان المكانة والمقام، وإذا لم يتقدم الصفوف ويأخذ صدارة المجلس، فإنه يعتبر أن ذلك إهانةً لكبريائه، وإساءة لما يراه في نفسه من أفضلية على الآخرين.
نعم؛ قد يكون هذا السلوك الذي أظهره الرئيس خاتمي واحترمناه عليه قد سبقته إليه الكثير من الشخصيات الإسلامية في عصور المسلمين الغابرة، وبالتالي هو لم يأتِ بجديد، ولكن الحقيقة أننا في هذا الزمان افتقدنا هذا المَثل، وأُصبنا بخيبة كبيرة من سلوكيات البعض، ممن هم قدَّمتهم الكولسات ومعايير التكريم الخاطئة فغدو رموزاً وقيادات إسلامية!! لذلك، وجدت نفسي استدعي هذا المثال المعاصر للرئيس خاتمي لتذكير الإسلاميين بما كانت عليه سلوكيات زعماء وقادة سابقين. نَعم؛ في تاريخنا الإسلامي وعبر عصوره الزاهرة هناك الكثير من القامات التي قدَّمت أمثلةً سبقت نموذج الرئيس خاتمي، ولكنَّ هذه صورة لواقع شاهدته ولم أقرأ عنه.. لذا، هو أَرسخ من ناحية المعنى والقيمة في ذاكرة الحضور وأقوى أثراً.
باختصار.. الكرسي -يا سادة يا كرام- لا يؤخر ولا يقدم، والذي يرفع قدر المرء – عند الله وبين الناسِ – هو عِلمُ الرجل وأدبه، ومحبة الخلق له واحترامهم لسلوكياته وتقديرهم لمواقفه.
كان الرئيس خاتمي أحد أعلام التيار الإصلاحي في إيران، وكان في عهده الكثير من المحاولات لإصلاح “ذات البين” بين كيانات الأمة، لكنَّ حجم “الخلاف والتنافس” كان أكبر من قدرة الرجل وحده على صناعة التغيير والإصلاح الذي كان يتطلع إليه.
* صور إضافية لبعض مشاهد الذكريات مع شخصيات التقيتها هناك في طهران.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0