ثقافة قادة وأعلام مختارات مقالات

البروفيسور نجم الدين أربكان

الغربة.. إطلالةٌ على الذكريات (1)
صور وحكايات .. البروفيسور نجم الدين أربكان

بقلم/ د. احمد يوسف
الأب الروحي للحركة الإسلامية في تركيا
تعود بداية معرفتي بالسيد نجم الدين أربكان إلى عام 1970، عندما ذهبت للدراسة الجامعية في تركيا، حيث كنت ألتقي بعض أتباعه في المسجد المجاور لمكان إقامتي في حي (يوكارا أيرنجي) في العاصمة أنقرة. كنت شاباً ملتزماً ومرتبطاً تنظيمياً بالحركة الإسلامية، وكان حرصي التعرف إلى الإسلاميين هناك. لم تكن المهمة سهلة، حيث كانت حركة “ميللي قروش”؛ أي الرأي الوطني، التي أسسها أربكان في العام 1969 هي حركة إسلامية سرية، وكانت أنشطة أتباعه تجري بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية، التي تتربص بكل من تشكل تحركاته أو انتماءاته خروجاً عن النهج العلماني الذي أقامه كمال أتاتورك؛ مؤسس الجمهورية التركية عام 1923، بعدما قام بهدم نظام الخلافة الإسلامية وإلغائها عام 1924.
لم ألتقِ أربكان في تلك الفترة التي مكثتها للدراسة هناك، والتي لم تتجاوز الستة شهور، عدت بعدها إلى قطاع غزة ثم من هناك إلى مصر، حيث أنهيت دراسة البكالوريوس في كلية الهندسة في جامعة الأزهر بالقاهرة.
لم أسمع كثيراً عن أربكان خلال فترة وجودي في القاهرة أو الإمارات، ولكن بعد سفري لأمريكا وانخراطي في الأنشطة الإسلامية هناك، بدأت تصل مسامعنا في الثمانينيات بعض الأخبار عن أربكان ونشاطه الدعوي والسياسي وصراعه مع العسكر وسدنة العلمانية في بلاده .
في الثمانينيات، أخذت مساحة العمل الإسلامي في أمريكا بالتوسع كثيراً، من حيث حجم الأنشطة التي كنا نقيمها فيها كإسلاميين، فغدت أمريكا هي محطَّ رحال القيادات الإسلامية من جميع بلدان الشرق الأوسط، وخاصة في أوقات المؤتمرات الكبيرة التي كنا نعقدها خلال فترة إجازة عيد الميلاد نهاية شهر ديسمبر من كل عام.
كان السيد أربكان حاضر الذكر على ألسنة بعض هؤلاء القادة المدعوين للمؤتمرات، وقد أصبح أحد رموز العمل الإسلامي؛ بل هو الأهم بين من يمارسون العمل السياسي منهم. وقد كانت تصلنا أخبار ما يتعرض له من اعتقال لإجهاض تجربته الفاعلة في السياسة والعمل الدعوي.
في بداية التسعينيات، جاء السيد أربكان إلى أمريكا زائراً كأحد قيادات “حزب الرفاه” الإسلامي، وكان مصطحباً معه د. عبد الله غل؛ الخبير الاقتصادي، والذي يتحدث بأكثر من لغة من بينها العربية والإنجليزية، ولديه خبرة بالغرب كونه درس في بريطانيا، والذي أصبح في أغسطس 2007م رئيساً للجمهورية التركية.
في النصف الأول من عقد التسعينيات، كان اللقاء الأول مع السيد أربكان في المجلس الإسلامي الأمريكي (AMC)، الذي كان يترأسه د. عبد الرحمن العمودي، حيث أشرف على ترتيب برنامج زيارته للعاصمة الأمريكية. طلبت لقاءه، واستضفناه في حوار بمركز الدراسات الذي كنت مديراً له، وجمعتنا جلسة تحدثنا فيها طويلاً، وكانت فرصة لي للحديث عن فترة إقامتي في تركيا في مطلع السبعينيات، والسؤال عن أحوال بعض الأصدقاء الذين عرفتهم هناك.. كانت هذه الزيارة للمؤسسة التي أديرها هي بداية المعرفة الحقيقية بهذا الداعية الإسلامي؛ صاحب الرؤية والعمق في فهم الرسالة الإسلامية، والذي كان يتمتع بعلاقات إسلامية واسعة في أوروبا وآسيا، وكان أحد رموز التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.
في يونيو 1996، أصبح أربكان أول رئيس وزراء إسلامي يصل للحكم عبر الفوز في الانتخابات. ولكنه تعرض لضغوطات من قبل العسكر قدَّم على إثرها استقالته وترك الحكم. وبعد حالة من التفاؤل والأمل عشناها كإسلاميين بنجاح المشروع الإسلامي السياسي في تركيا، عاودنا الشعور بالإحباط والخيبة بعد ذلك الانقلاب.
تلقينا رسالة من السيد أربكان برغبته في أن يلتقي بعدد من قيادات العمل الإسلامي في أمريكا للتشاور معهم في بعض المسائل الخاصة بقرار المؤسسة العسكرية منعه من العمل السياسي. ذهبنا أربعة من الشخصيات القيادية إلى هناك، حيث التقيناه في مقر إقامته أو منتجعه الصيفي في مدينة (إدرميت) على بحر إيجة، حيث مكثنا يوماً كاملاً معه ومع بعض رجاله المخلصين من القيادات والنواب.
لقد حدثنا الرجل بمرارة عن المؤامرة التي تحاك ضده لإبعاده عن العمل السياسي، بدعوى خروجه عن العلمانية ونهج أتاتورك في إدارة شئون الدولة، وأن الإسلام هو المستهدف حقيقة في تركيا، حيث إن العسكر يزعجهم هذا التنامي السريع للحركية الإسلامية التي يمثلها، وبالتالي تأتي هذه التحركات التي يقوم بها الجيش والمحكمة الدستورية المتواطئة معه، وقيامها من حين لآخر بحل الأحزاب التي يشكلها، بهدف وقف مسيرته الإسلامية والسياسية في البلاد. وقد طلب رأينا فيما يتوجب عمله لفضح هذه المخططات التي يقوم بها العلمانيون لإجهاض التجربة الديمقراطية في بلاده، والتعريف بحركته ورؤيته للنهوض بتركيا الحديثة، والتي يحاول العلمانيون – عن قصد – التحريض ضده وتشويه صورته عبر وسائل الإعلام واتهامه بالغلوِّ والتطرف !!
كان أربكان (رحمه الله) يعرف بأن العسكر في بلاده لا يتجرؤون على القيام بأي تحركات انقلابية أو ما يمكن أن يمس استقرار البلاد بدون الرجوع لأمريكا؛ حليفهم الاستراتيجي، لذلك كان أربكان معنياً بعمل إعلامي في الغرب لشرح وجهة نظره في كل ما يجري في بلاده من تعدي على الديمقراطية وعدم احترام للحقوق الإنسانية، وكانت مهمتنا كوفد هي مساعدته في هذه المهمة. وفعلاً؛ بعد عودتنا إلى أمريكا باشرنا العمل كلّ في مجال تخصصه للتعريف بالسيد أربكان وحزبه، الذي يتعرض للاضطهاد من قبل العسكر، وتحت حماية سدنة العلمانية في تركيا تُستباح كل القيم الديمقراطية وتداس الحقوق الإنسانية.
قمت بكتابة دراسة باللغة الإنجليزية تحت عنوان “صراع الإسلامية والعلمانية في تركيا: تجربة نجم الدين أربكان”، وتعمدنا إرسالها إلى كل الشخصيات النافذة ومراكز البحث والدراسات والأكاديميين في العاصمة الأمريكية واشنطن، مؤملين أن تؤتي أكلها ولو بعد حين، بحيث يتوقف العسكر وبضغط أمريكي عن محاولاتهم تعطيل المسيرة الديمقراطية في البلاد بدعوى حماية العلمانية!!
في عام 2001، قامت جماعة من الإسلاميين بالانشقاق عن الحركة الأم وتشكيل حزب سياسي باسم “العدالة والتنمية”، حيث ابتعدوا في توجهات الحزب عن الشعارات الإسلامية وتبنوا نهجاً ديمقراطياً لا يصطدم مع العلمانية ويحترم مبادئ الدولة المدنية وقيمها الإنسانية، وقد أسهم هذا في توقيف العسكر لفترة طويلة عن ممارسة سياسة الانقلابات.
في عام 2001، ذهبت إلى السعودية للحج بدعوة ملكية مغطاة بكامل مصاريفها.. شددنا الرحال إلى هناك، وكانت إقامتنا في مكة في قصر السلام، حيث كانت فرصة للقاء برئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان، الذي كان هو أيضاً ضمن ضيوف الملك فهد (رحمه الله). جلسنا ما وسعنا الوقت للحديث، وقد وجدت الرجل على قناعاته ورؤيته الاستراتيجية التي عرفت عنه، وهي أن فرصة الإسلام في الحكم ما تزال قائمة، برغم مما ترسمه الماسونية العالمية من مخططات لإجهاضها.
توفي د. نجم الدين أربكان يوم الأحد 27 فبراير 2011 في أحد مستشفيات أنقرة عن عمر ناهز 84 عاماً، وقد تمَّ دفنه في مقبرة “مركز أفندي” في استانبول. وقد شيَّعه ملايين الأتراك وصلوا عليه، ومن ورائهم المسلمون في جميع أصقاع العالم، وذلك بمشاركة الرئيس عبد الله جول، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، الذي قطع زيارة رسمية لأوروبا لحضور جنازة “المعلم- الخوجة”، والمؤسس للحركة الإسلامية الحديثة في تركيا، وكذلك رفيق دربه رجائي قوطان، إلى جانب زعماء إسلاميين منهم: المرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين؛ محمد مهدي عاكف (رحمه الله)، ورئيس حركة النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي، وممثلون عن حركة حماس، وزعماء إسلاميون جاءوا من كل فجٍّ عميق، والكثير من العلماء والقيادات الإسلامية في العالم.
وفي أول زيارة لي بعد وفاته إلى تركيا منتصف عام 2011، قمت بزيارة لقبره، حيث قرأنا بعض آيات من القرآن الكريم، والدعاء له بأن يتغمده الله برحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.
نعم؛ رحل نجم الدين أربكان (الخوجة؛ أي الأستاذ باللغة التركية) إلى ربه، والتحق (رحمه الله) بالرفيق الأعلى، ولكنَّ فكرته لم ترحل، وحقق له تلامذته ومريديه -الذين اختلف بعضهم معه- كلَّ ما كان يتطلع إليه (رحمه الله).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0