فكر قادة وأعلام مختارات مقالات

خرابيش فلسفة (5) مدرسة ميلطه والفلاسفة الأُوَل

خرابيش فلسفة (5) مدرسة ميلطه والفلاسفة الأُوَل

بقلم/ د. وسام الدين محمد
مع ابتداء القرن السادس قبل الميلاد، كان إقليم أيونيا أكثر الأقاليم التي سكنها اليونان ثراء وحضارة، ومع الثراء والحضارة لابد أن يكون هناك الفراغ والدعة، وإذا توفر الفراغ والدعة، سقط الناس في فخ الابتذال والانحطاط، أو سمو إلى سماء الفكر والعلم، وقد ضرب يونان أيونيا بسهمهم في الابتذال وفي الفكر؛ وكانت مدينة ميلطه الأيونية، المدينة الأوفر حظًا في كل شيء، وفيها ظهر النفر الذين سوف يعتبرون الفلاسفة الأوائل، وسوف يطلق عليهم اسم الفلاسفة الميلطيين أو مدرسة ميلطه أو المدرسة الأيونية، لأنهم جميعًا كان من ساكني ميلطه الأيونية، كما عرفوا أيضًا بالفلاسفة الطبيعيين لأنهم تساءلوا حول طبيعة هذا العالم الذي يحيط بهم، نفس السؤال الذي حاول أيونيون سابقون مثل هوميروس وهيزيود أن يجيبوا عليه.
كان هذا النفر من يونانيي ميلطه متصلين بالحضارات القديمة في مصر وبلاد ما بين النهرين والساحل الفينيقي، وقد أهتموا بالهندسة والفلك والجغرافيا، ومارسوا التجارة والسفر، وعلى الرغم من شهرتهم اليوم، إلا إنه لم يصلنا عنهم أثار مكتوبة، وما وصلنا عنهم كان شذرات في كتابات أرسطو وأفلاطون وهيرودوت وبلوتارك وغيرهم من الفلاسفة والمؤرخين القدامى.

طاليس أبو الفلسفة اليونانية
عاش طاليس في مدينة ميلطه الأيونية بين 626 ق.م و548 ق.م، وكان ابن لأبوين فينيقيين؛ وإذا أزحنا هالة المبالغات التي أضافها الناس على شخصيته منذ زمانه إلى اليوم، وجدنا أمامنا شخصًا ذكيًا موهوب، كان يكسب عيشه من تجارة زيت الزيتون كما أعلمنا بلوتارك، وقد حملته تجارته على السفر إلى مصر وبلاد ما بين النهرين والساحل الفينيقي، وإلى جانب المكاسب التجارية حصل طاليس معارف هذه البلدان، فتعلم الرياضيات وعلوم المساحة من مصر، والفلك من البابليين؛ وعندما عاد مليطه اشتهر بين قومه بمقدرته العلمية والفنية، ونُسبَ إليه أنه استطاع التنبؤ بدقة بالكسوف الشمسي عام 585 ق.م، ولكن هيرودوت أشار إلى أن طاليس اعتمد في تنبؤه بالكسوف على جداول الزيج البابلية التي اطلع عليها؛ وقد اعتبره اليونان أحد حكمائهم السبعة الذين يحفظون أقوالهم، إلا أن المفارقة أنه قد عرف بتشتت ذهنه حتى وصفه أفلاطون بأنه «الرجل الذي يستطيع أن يرى ما في السماء ويعجز عن أن يرى ما تحت قدميه» إشارة لقصة وفاته المزعومة إذا كان يمشي مأخوذًا بالأجرام السماوية فسقط في حفرة ودق عنقه.
فيما بعد أعتبره أرسطو أنه أول من تفلسف من أبناء اليونان، ولكن أثاره الفلسفية لا تزيد عن عبارتين، الأولى يقول فيها «الماء هو المبدأ الأول لكل شيء»، إذا كان يرى أن العالم كله قد صنع من مادة واحدة، هي التي يطلق عليها المبدأ الأول، وقادته ملاحظاته إلى أن يعتبر أن الماء هو ذلك المبدأ الأول، فالماء يتبدل من حالة إلى أخرى، فإذا سخن تبخر وتصاعد بخارًا، وإذ برد تجمد واستحال ثلجًا صلبًا، وجميع الكائنات الحية تحتاج الماء، فالماء كما لاحظ موجودة في كل شيء وضروري للحياة وقادرة على الحركة والتغير، ولذلك فلابد أن يكون هو المبدأ الأول؛ وقد ذهب بلوتارك إلى أن طاليس قد أخذ قوله بأولية الماء عن المصريين بالذات، ولعل بلوتارك مصيب في ملاحظته تلك، فلقد نُقلَ عن طاليس أنه كان يذهب إلى أن العالم، وقد نشأ من الماء، فهو يبدو مثل قرص يطفو قائمًا على قاعدته فوق هذا الماء، وإن لم يفسر من أين أتى جاء هذا الماء؛ وهو يكاد يقابل تصور كهنة أون للعالم، إذ اعتقدوا أن العالم نشأ كيابسة أسموها بنبن، نشأت من محيط من ماء بدائي كوني أسموه نو.
أما العبارة الثانية المنسوبة إليه فهي قوله إن «هذا العالم مليء بالآلهة»، وهي عبارة غامضة قد حيرت من تناولوا طاليس وأفكاره، فظن أرسطو أن طاليس يعني بكلمة الآلهة النفوس الحية، فطاليس يعني أن هذا العالم مليء بالنفوس الحية، أي أن جميع الكائنات، سواء تلك الحية أو التي نعتقد أنها غير حية، لها نفوس وارواح، وسوف نعود إلى هذه الفكرة مرة أخرى فيما بعد.

أناكسيمندر وعالمه الغامض والمدهش
كان أناكسيمندر معاصرًا لطاليس، فقد عاش في ميلطة بين 610 ق.م و546 ق.م، وقد اشتغل بالرياضيات والهندسة والمساحة، وزعم اليونان أنه أول من رسم خريطة للعالم وأول من أخترع الساعة الشمسية، ولكن هيرودوت شك أنه قد نقل خريطته ومزولته عن البابليين؛ ولقد حاول أناكسيمندر أن يجيب عن السؤال الذي طرحه طاليس حول المبدأ الأول الذي نشأ عنه العالم، ولكن أناكسيمندر أجاب عنه بطريقة مختلفة، فمبدأ العالم عند أناكسيمندر هو ما يطلق عليه اسم أوبيرون، وهو اللفظ الذي ترجم إلى اللغات الحديثة بـ (اللانهائي) وإن كان في اللغة اليونانية القديمة أقرب لأن يكون اللامقيد أو اللامعين، ولا نعرف عن تصور أناكسيمندر حول شكل هذا الأوبيرون أو الحيز الذي يشغله من الفضاء، ولكنه اعتقد بأنه سرمدي لا بداية له ولا نهاية له، ولاحقًا سوف يذهب أرسطو إلى الأوبيرون عند أناكسيمندر هو تعبير عن الإله كلي القدرة.
ولم يكتف أناكسيمندر بمحاولة تفسير أصل العالم فحسب، ولكن حاول أن يفسر أيضًا طبيعة القوى التي تحكمه، حيث زعم أن هذه القوى توجد مقترنة في أزواج، الحرارة والبرودة، الرطوبة والجفاف، وأحيانًا ما يهيمن أحد القرنين، ثم يتغلب القرن الآخر عليه ويتسلم الهيمنة، ويظلا يتبادلا الهيمنة وفقًا لما اسماه مبدأ التبادل، مبدأ تولد الشيء من ضده، واعتبر هذا المبدأ القانون الطبيعي للعالم؛ وقد اعتبر الحرارة والبرودة هي أول الأزواج ظهورًا، بعدما انفصلا عن البيضة الكونية الأصلية المكونة من الأوبيرونات.
ومثل طاليس، حاول أن يقدم أناكسيمندر تصور عن شكل العالم، فذهب إلى العالم أسطوانة ارتفاعها لا يزيد عن ثلث قطره قاعدتها الدائرية، محاطة بحلقات نارية محجوبة عن الأرض، وتبدو من خلال فتحاتها الأجرام السماوية، وعندما تنسد هذه الفتحات فإننا نشهد ظاهرتي الكسوف والخسوف، وتبعًا لمبدأ التبادل الذي صاغه، قال أناكسيمندر بعوالم متعاقبة، حيث يفني العالم، ويحل محله عالم آخر.
وقد اسيئ استخدام أفكار أناكسيمندر في العصر الحالي، حيث سمح غموض هذه الأفكار بتفسيرها حسب هوى من يفسرها، فأعتبر أنصار المادية الجدلية أن مبدأ التبادل هو صيغة أخرى لماديتهم الجدلية، أما التطوريون فقد تعلقوا بواحدة من أفكار أناكسيمندر والتي تتعلق بنشأة الإنسان إذ أعتقد أن الإنسان قد نشأ من كائنات سابقة عليه عاشت في الماء، أما مفهوم الأوبيرون ونشأة العالم من بيضة فقد منح أنصار نظرية الانفجار الكبير أصلًا تاريخيًا لأفكارهم؛ ويجب أن نفهم أن أناكسيمندر لم يكن جدليًا أو تطوريًا أو من أنصار الانفجار الكبير، ولكن من قرأوه هكذا هم من كانوا كذلك، فهم يقرأون أفكارهم فيه.

أنكسيمنز آخر الميلطيون
وبعد نحو جيل من أناكسيمندر، أتى أنكسيمنز، والذي عاش بين 585 ق.م و526 ق.م؛ وكانت أفكاره أقرب إلى أفكار طاليس منها إلى أفكار أناكسيمندر، إذ اعتقد أن الأرض مسطحة تطفو في الهواء، تحيط بها حلقة مثبت إليها الأجرام السماوية، كما أعتقد أن الهواء هو أصل مادة العالم، إذ قال بأن الهواء في حالته المستقرة غير منظور وغير ملموس، ولكنه إذ تحرك تكاثف ليتحول إلى رياح والتي بدورها تتحول إلى سحاب ثم ماء ويتكاثف الماء نفسه مكونًا الوحل ثم الحجارة؛ أما تخلل الهواء فيحوله إلى نار. ولا ينبغي اعتبار أفكار أنكسيمنز رجعية لقوله بأن العالم مبني مادته الأساسية الهواء مضاهيًا قول طاليس بأن العالم مادته الأساسية الماء، إذ أن أنكسيمنز قد مضي إلى أبعد مما ذهب طاليس، إذ اقترح أنكسيمنز تجربة بسيطة للبرهنة على رأيه بشأن أولية الهواء، فأقترح أن ينفخ أحدهم في قبضة يده بشفتين مزمومتين ثم مفتوح الفم، حيث سوف يشعر في البداية بالبرودة ثم بالحرارة، محتجًا بأن هناك علاقة بكثافة الهواء ودرجة الحرارة؛ ولكن أنكسيمنز لم يتجاوز حدود اقتراح التجربة، فلم يحاول أن يقوم بقياسات أو يضع صيغة رياضية لنتائج تجربته.
* * *
حقًا كانت أفكار المدرسة الملطية حول العلم وبنيته جديدة في معظمها على اليونان، ولكنها كانت تنضوي على بعض معالم الموروث اليوناني، فقد اعتبر الملطيون الثلاثة أن المادة الأصلية للعالم يجب تكون أصل الحياة، وليست مجرد المادة التي بني منها العالم، ولذلك اعتبروا أن كافة الكائنات حية بشكل ما، وهذا هو احد تفسيرات عبارة طاليس السابقة الذكر، «هذا العالم مليء بالآلهة»، إذ يعني طاليس أن هذا العالم مليء بالنفوس الحية، بينما أعتبر أنكسيمنز أن الهواء مادة إلهية وتتشكل منها أرواح الموجودات، وكان اعتقادهم بأن المادة الأساسية للعالم يجب أن تكون ضرورية للحياة هو السبب الذي جعلهم رواد من دعوا فيما بعد بأنصار المادة الحية، هؤلاء الذين قالوا بأن للمادة حياة تسكنها، وهذا الاعتقاد كان موجود بين الشعوب الآرية البدائية الأولى التي انحدر منها اليونان، وإليه يرُجع اعتقادهم بالتناسخ والذي لا يزال شائع بين الهنود، وكذلك ايمانهم بالطوطم.
كذلك لم يكن الميلطيون فلاسفة أو علماء بالمعنى المستخدم اليوم، ولكن تفردهم عمن سبقهم من اليونان سببه أنهم لم يركنوا إلى التفسير القصصي أو السردي أو الخرافي للعالم، ذلك الذي صاغه شعرًا هوميروس وهيزيود من خرافات اليونان الشائعة، فإن القبول بالتفسير القصصي، وليس لمحتوى هذا التفسير أهمية عندنا، يعني بالضرورة التسليم بهذا التفسير، فالعلاقة بين القاص ومتلقي القصة هي علاقة تصديق المتلقي ضمني لما يرويه القاص، فلا أحد يسأل نجيب محفوظ لماذا أرسلت سنية السمري وهي من طبقة السادة لسليمان الناجي فتوة الحرافيش تحثه على زواجها! القارئ يصدقه القاص فحسب وتمضي القصة؛ ولكن الميلطيون، تركوا قصص هوميروس وهيزيود جانبًا، وقرروا أن يبحثوا كيف بني هذا العالم، وما هو شكله، وكيف يعمل، وساروا في طريقهم هذا مستنيرين بما يتوفر لهم من حجج وأدلة، وهذا ما يجعلنا نعتبرهم أول الفلاسفة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0