تاريخ دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات

العلاقات المغربية الاسرائيلية وعلاقتها بالوجود اليهودي بالمغرب

بحث عن العلاقات المغربية الإسرائيلية اعدده الباحث الدكتور يوسف الطويل في جامعة الازهر في عام 2007

العلاقات المغربية الاسرائيلية
وعلاقتها بالوجود اليهودي بالمغرب
(1)

إعداد/ د. يوسف الطويل
مقدمة
مثلت العلاقات المغربية الاسرائيلية السرية والعلنية منها حالة خاصة وفريدة من نوعها في المنطقة العربية حيث أقام المغرب علاقات تعاون وثيقة مع الدولة العبرية منذ مطلع الستينات، وكرس التطبيع الديبلوماسي اثر توقيع اتفاقات أوسلو. إذ وقع وزيرا الخارجية عام 1994 على اتفاق لإقامة علاقات ديبلوماسية وافتتاح مكتبين تمثيليين في الرباط وتل أبيب. وفتح الإتفاق الطريق للقاءات علنية ودورية بين المسؤولين وإقامة تبادل سياحي وتجاري ما انفك يتكثف في السنوات الأخيرة. إلا أن المغرب سبق كل البلدان المغاربية إلى العلاقات العلنية مع الدولة العبرية، اذ استقبل الملك الحسن الثاني بيريز في قصر إيفران أمام عدسات المصورين عام 1985 غير مبال بموجة الإنتقادات الواسعة داخل المغرب وخارجه. وكشف أنه لعب دورا أساسيا في إقناع الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة القدس المحتلة والتوقيع على اتفاقات كامب ديفيد عام 1979.كما ان المغرب امد اسرائيل باكبر عدد من المهاجرين الشرقيون والذين ظلوا يرتبطون بعلاقات حميمه بالعرش المغربي حتى في اصعب الاوقات ولم تنقطع علاقاتهم وزياراتهم للمغرب في ايه لحظه، ووصل كثير منهم الى مناصب عاليه سواء في اسرائيل او في المغرب حيث استخدموا سلطاتهم لتعزيز العلاقات المغربية الاسرائلية.
ولمعرفة الاسباب الحقيقية لهذه العلاقات الخاصه بين اسرائيل والمغرب ووضعها في اطارها الصحيح لا بد من القاء الضوء على الوجود اليهودي في المغرب وجذوره والمراحل التى مر بها سواء في حالات التعايش او الصدام، ثم سنلقي الضوء على نفوذ اليهود ودورهم في السلطه وعلاقتهم بالمستعمر والتى جعلتهم مقربين في اغلب المراحل من الملوك والسلاطين المغاربه مما مكنهم من المساهمه في الهجرة اليهودية واقامه علاقات قديمه مع الحركة الصهيونية ثم اسرائيل، ثم المساهمه بقوه في العملية السلمية بين العرب واسرائيل، يضاف الى ذلك هذه العلاقة الخاصة التى لازالت قائمه بين اليهود المغاربه والعرش المغربي. وعلى الطرف الآخر سنلقى الضوء على مواقف سلاطين وملوك المغرب من اليهود واسباب تعاطفهم معهم سواء كان ذلك بسبب ما عرف في التاريخ المغربي بعهد الولاء والحماية بين اليهود والعرش المغربي، او بسبب التعايش السلمي في اغلب الاوقات بين المسلمين واليهود في المغرب، ثم اثر الحركه الصهيونية على اليهود المغاربه ومدى مشاركتهم في الهجره ودور الاستعمار والعرش المغربي فيها، ثم بداية الاتصالات السرية بين المغرب واسرائيل والتي ادت الى اقامة علاقات دبلوماسية كامله تجمدت سنة 2000 ولكن الزيارات والعلاقات غير الرسمية ظلت مستمره، ولم تنقطع على الاطلاق مشاعر الود المتبادلة بين العرش المغربي واليهود المغاربه سواء في اسرائيل او المغرب.

القدم التاريخي والخصوصية الدينية
يتسم الوجود اليهودي بالمغرب بالقدم، ويرجح عدد من الدراسات أن قدومهم جاء في أعقاب خراب الهيكل الأول في عام 586 ق.م. وتوالت بعد ذلك الهجرات، واستقرت وضعية اليهود بالمغرب منذ الفتح الإسلامي وبالذات بعد قيام حكم الأدارسة بالمغرب حيث سمح إدريس الثاني لهم بالإقامة واكتسبوا وضعية أهل الذمة، وتزامن ذلك مع الاضطهاد الشديد الذي تعرض له اليهود بإسبانيا بعد اعتناق ملك القوط للكاثوليكية وصدور مرسوم في سنة 700م يقضي باستعبادهم، حتى أنهم التحقوا بجيوش الفتح الإسلامي المتوجهة للأندلس من أجل العودة إلى الأندلس . وخلال الحكم الاسلامي في الاندلس عاش اليهود بسلام وهدوء، ولكن بعد انهيار هذا الحكم ظهرت علامات النفي والترحيل والطرد لليهود والمسلمين . ففي عام 1492 اجبر القهر الاسباني كل المقيمين في اسبانيا والذين يعارضون التحول الى المسيحية على النزوح وكان ذلك نهاية للازدهار والابداع اليهودي في ظل الحكم الاسلامي الذى استمر قرونا، حيث كانت شبه الجزيرة الايبيرية مركزا للثقافة والتقاليد اليهودية. وقد اجبر ما يزيد عن 250000 يهودي على الخروج من اسبانيا توجه بعضهم الى اوروبا الغربية والبعض الاخر الى شمال افريقيا ومن ضمنها المغرب حيث استقرت وضعيته هناك وعوملوا كباقي اخوانهم السابقين كأهل ذمه وهي وضعية أطرت سلوك المسلمين إزاءهم، فكان موقفهم قوامه عدم الاعتداء والتعامل في المعروف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لليهود دينية أو قانونية أو وقفية أو قضائية.
والاختلالات التي كانت تطرأ على هذه الوضعية، كانت ترتبط إما بحصول اختلال عام في سير الدولة الإسلامية وحالات الفتن والاضطراب في انتقال السلطة وتغير الدول، أو في حالة تحول اليهود إلى أهل شوكة وغلبة في حالات استفادة بعضهم من الحماية السلطانية أو الحماية القنصلية الأجنبية حيث تختل العلاقة ويبرز عداء بعض اليهود للمسلمين بالمغرب. ولهذا أقر بعض الباحثين اليهود بإيجابية وضع أهل الذمة، حيث يقول “حاييم زعفراني” أن المجموعات اليهودية تمتعت داخل هذا الإطار باستقلال ذاتي كامل إداري وثقافي ووضعت لها نظامها الخاص، وكانت لها محاكمها وماليتها، وكانت تضمن لتابعيها حقهم في التدين والرعاية والتعليم وتطبيق قانون الأحوال الشخصية، بل وحقوقهم المشروعة فيما بينهم، وكان للطائفة سلطة تنظيمية تلزم أفرادها بكل ما يتعلق بالجوانب الضرائبية والمصالح العامة، كما اعتبره وضعا قانونيا متسامحا (استقلال قانوني وإداري كامل) إذا ما قورن بالذي عرفه يهود البلدان المسيحية الأشكناز.

الهوية اليهودية المغربية
يقر اليهود قاطبة بأن المغرب استقبلهم وآواهم بمنطق متسامح،. ولم يكن الاستقرار اليهودي مسألة عابرة بل إن ملاحقة القوى الأجنبية لهم جعلهم يعددون مواطن استقرارهم واختلطوا مع القبائل الأمازيغية بالمغرب في الجبال حتى تهود أفراد من بعض القبائل. ولهذا فقد كان لقدم الاستقرار بالمغرب انعكاسات بالغة على طبيعة اليهودية المغربية، حيث أثرت خصوصية البيئة وتميز الوجود الإسلامي بالمغرب وما أفرزه من تبلور لسياق حضاري مغاير للسياق الحضاري الغربي الذي تبلورت من داخله الظاهرة اليهودية الصهيونية المعاصرة.
فقد اتسمت الهوية اليهودية المغربية بتدينها بل وتشددها في الالتزام الحرفي بالدين اليهودي ومعتقدات التوراة والتلمود، ويمكن هنا الإحالة على دراسات حاييم زعفراني (جاوزت السبعين دراسة عن مختلف أبعاد الهوية اليهودية المغربية وإبراز الطابع الديني لها)، أو دراسات بن “عامي إسشار” والتي ركزت على ظاهرة أولياء وقديسي اليهود المغاربة حيث أحصت وجود 652 وليا ضمنهم 126 مشتركا بين المسلمين واليهود و15 وليا مسلما يقدسه اليهود و90 وليا يهوديا عند المسلمين، ويتنازعون في 36 وليا كل ينسبه إليه. وقد أصدر صامويل «يوسف بنعيم» في 1980 دراسة مفصلة عن مراسيم ما يزيد عن خمسين هيلولة (احتفال ديني يهودي مغربي) مرتبطة بمواسم الأولياء اليهود بالمغرب التي تبرز حالة السعي اليهودي بالمغرب للتماهي مع القديسين وتجديد هذا السعي سنويا. وإلى جانب ذلك فقد حافظت اليهودية المغربية على ارتباطها الشديد بفلسطين ولم تنقطع الهجرة أبدا إلى أرض فلسطين طيلة كل القرون، وكان مصدرها عموما جماعات الطلبة الذين كانوا يرسلون إلى “يشفوت” حواضر الثقافة اليهودية الكبرى في القدس (القدس، طبرية، صفد) أو أولئك الذين غالبا ما كانوا يرحلون أملا في أن يقضوا بقية حياتهم في “الأراضي المقدسة”، بحيث أن اليهود المسافرين القادمين من الغرب إلى حيفا في القرن التاسع عشر، اصطدموا باليهود المغاربة، وقبل بدء الهجرة اليهودية الأوروبية فإن اليهود المغاربيين شكلوا أحد أهم الجماعات بالأرض المقدسة.

علاقة المسلمين باليهود: تسامح أم نزاع
تطرح دراسة التجربة التاريخية لوضعية اليهود المغاربة أطروحتين هما:
1- أطروحة رفض التعايش: توجد العديد من الدراسات الصهيونية والتي تطفح بسيل من التحاليل المرتكزة على أطروحة معاناة اليهود بالمغرب وحالة الذل والهوان التي كانوا يرزحون في ظلها والحاجة المستعجلة للمخلص والذي قدم في مرحلة أولى في شخص الاستعمار ثم في مرحلة ثانية في شخص الكيان الصهيوني وكانت النتيجة في الأولى ولاؤهم وخدمتهم للاستعمار وفي الثانية هجرتهم الشديدة والمكثفة إلى الكيان الصهيوني.
2- أطروحة التعايش: في مقابل هذه الكتابات السابقة كانت هناك كتابات محتشمة تتحدث عن التعايش بغرض الحد من الهجرة إلى فلسطين، إلا أنها بقيت دون صدى. إلا أنه منذ السبعينات نجد حركة البحث دائبة لتقزيم وتهميش المعطيات المضادة لأطروحة التعايش والتسامح، وفي المقابل النفخ في الأحداث والمحطات ذات الخلفية التسامحية..
ما بين الأطروحتين : إن الأطروحة الأولى خضعت للتوظيف السياسي لصالح دمج اليهودية المغربية في المشروع الاستعماري للمغرب وبعده في المشروع الصهيوني. أما الأطروحة الثانية فهي توظف سياسيا لصالح مشروع التسوية ليكون النموذج التاريخي المغربي خلفية لعملية التسوية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى توظف هذه الأطروحة لمصلحة تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية، حيث يقدم مفهوم التعايش كقاعدة فكرية للتأصيل التاريخي والاجتماعي لبرامج التطبيع.

نفوذ يهود المغرب
حاولت بعض الدراسات الحديثة تحليل ظاهرة يهود البلاط وإبراز تجذرها التاريخي ولجوء عموم السلاطين إليهم منذ القرن الثالث عشر، حيث نجد أطروحة “نيكول سرفاتي”، والتي قدمت حالات محددة ليهود البلاط ودورهم في مجال تدبير علاقات المغرب مع الدول الأوروبية، وإلى جانب ذلك دورهم في حماية الطائفة وجلب بعض الامتيازات لها. ومن هذه الحالات جوزيف ميمران والذي كان مستشارا للسلطان المولى إسماعيل طيلة الفترة الممتدة من 1683-1672، وفي نفس الوقت كان رئيس الطائفة اليهودية بالمغرب (شيخ اليهود)، ونفس الشيء بالنسبة لابنه إبراهام ميمران الذي كان هو الآخر دبلوماسيا ومستشارا ومديرا للأعمال التجارية (1722-1683)، ولعب أدوارا في علاقات المغرب مع فرنسا والبرتغال وهولندا .
ويضاف الى هؤلاء بعض اليهود الذين كانت تستعين بهم الدول الاوربية لتسيير علاقاتها في المغرب ومن امثلتهم االيهودي إبراهيم قرقوش الذي عين عام 1862 قنصلاً للولايات المتحدة في إحدى مدن المغرب حيث نجح بفضل علاقته بالسلطان في تسهيل مهمة موسى مونتفيوري أثناء زيارته للمغرب . والمعروف ان مونتفيوري الذي كان مهتما بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا والعالم العربي، فزار روسيا عامي 1846 و1872 لبحث حالتهم مع الحكومة القيصرية، كما زار المـغرب عـام 1863 ورومانيا عام 1867 للغرض نفسه. ويضاف الى هؤلاء كثير من اليهود الذين تولوا مناسب حساسة في المغرب حتى هذه اللحظه وقدموا خدمات كبيره لليهود المغاربه وفي مرحلة لاحقة وسهلوا وجود علاقات مع اسرائيل وساهموا في عمليات الهجره الى اسرائيل.

الاستعمار والجماعه الوظيفية والحماية القنصلية
حاول الاستعمار الغربي في العالم العربي استقطاب أعضاء الأقليات الدينية والإثنية، وتحويلهم إلى جماعات وظيفية عميلة تدين له بالولاء عن طريق التوسع باستخدام نظام الحماية القنصلية، حيث كانت هذه العملية مُكمِّلة للاستعمار الاستيطاني الغربي، حيث نجح الاستعمار نجاحاً كبيراً حتى أن معظم يهود العالم العربي، عند إنشاء الدولة الصهيونية، كانوا قد أصبحوا (ثقافياً واقتصادياً) جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي، وحصلت أعداد كبيرة منهم على الجنسيات الأوربية أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية عميلة، ومن ثم كان من السهل عليهم الهجرة والانضمام إلى الدولة الوظيفية الاستيطانية والقتالية في إسرائيل.
وفي المغرب شكل نظام الحماية القنصلية الخطوة الأولى للتغلغل الاستعماري، ولهذا اعتبره البعض نوعا من الحماية بالتقسيط مهدت لنظام الحماية الاستعماري في 1912. حيث تعود جذوره إلى سنة 1763 وكان يظم أربع طبقات بدءا من المحمي وانتهاءا بالمتجنس، مرورا بالمخالط والسمسار. وقد تكالبت الدول الأجنبية على استغلال نظام الحماية القنصلية لبسط نفوذها متوسلة في ذلك بالعنصر اليهودي في المجتمع المغربي، وعلى سبيل المثال في سنة 1872 كان كل الرعايا الأميركيين بالمغرب يهودا باستثناء أميركيين اثنين. وقد أفرز توسع لجوء المغاربة إليه إلى “ارتفاع عدد المتمردين على السلطة الشرعية حيث مثل اليهود الفئة الرئيسية المنخرطة بكثافة في نظام الحماية وقدمت القوى الأجنبية نفسها بمثابة مخلص لليهود من الاضطهاد والمعاناة والعبودية ومن نظام أهل الذمة.

محمد الخامس
تربع الملك محمد الخامس على العرش في 18 نوفمبر عام 1927، وهو في الثامنة عشرة من عمره، حيث كان المغرب يخضع لنوع من الحماية, جعل اراضيه تحت سيطرة فرنسا واسبانيا حيث اجبر الملك على قبول معاهدة الحماية في 1912، ولكن ما بين 1920 الى 1927 قامت ثورة الريف بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، ثم ظهر أول تنظيم سياسي مغربي، بزعامة كل من علال الفاسي والاوزاني، وهم الذين سيؤسسون لاحقا حزب الاستقلال، وفي الحرب العالمية الثانية، كانت الحركة المعارضة للحماية قد تقوت، حيث دفعت كل هذه الاحداث الى لجوء الاستعمار الفرنسي الى اليهود لخدمه اغراضه مقابل خدمة اغراض الصهيونية العالمية واهدافها ولهذا وخلال فترة الاستعمار الفرنسي سعى المستعمرين إلى ربط أعضاء الجماعات اليهودية في المغرب العربي بالثقافة الفرنسية بغرض عزلهم عن محيطهم العربي وتحويلهم إلى جماعات وظيفية وسيطة تخدم مصالحه في المنطقة.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0