تاريخ دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات

 يهود المغرب والصهيونية

 يهود المغرب والصهيونية

بقلم/ د. يوسف الطويل
وجد الصهاينة ظروفاً ملائمة في تسامح العرب تجاه الاديان السماوية لنشر دعايتهم داخل البلاد العربية التى كانت خاضعه للاستعمار ، وعندما انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السوسرية سنة 1897 برئاسة تيودور هرتزل, شارك في هذا المؤتمر مجموعة من يهود المغرب العربي الذين قدموا دراسة عن وضعية اخوانهم في المغرب العربي وأفادت هذه الدراسة أن عدد يهود المغرب العربي يبلغ 150,000يهوديا _مائة وخمسون ألف يهودي — وحسب الدراسة فان دورهم سيكون بالغ الأهمية في قيام الدولة العبرية وكانت المهام الموكلة بهم تتمثل في جمع المال للمشروع الصهيوني ونقله الى المنظمة الصهيونية العالمية واقامة تجمعات ومنظمات سياسية, نشطت في جمع المال وتوعية اليهود بأهمية أن تكون لهم دولة, كما كانت هذه المنظمات تضطلع بتوزيع المنشورات والكتب التي تدعو للفكر الصهيوني, كما كانت هذه المنظمات تشارك في أعمال المؤتمرات اليهودية العالمية .
وهكذا بدا اللوبي الصهيوني يرسي دعائمه بالمغرب مع بداية الترويج للصهيونية، حيث ثم بتمويل سخي من طرف ادموند دو رولتشيلد تأسست أولى المؤسسات التعليمية العصرية الخاصة باليهود في المغرب, وذلك لتوفير الشروط “لإنتاج” نخبة يهودية مثقفة تخدم القضية الصهيونية، حيث تهافت عليها عدد من اليهود المغاربه كان على رأسهم آنذاك “اندري شوراقي” الكاتب العام للرابطة الإسرائيلية العالمية الذي اهتم أكثر من غيره بدراسة يهود شمال إفريقيا ومن ضمنهم اليهود المغاربة. وبفضله لعبت الجريدة الصهيونية “نوار” الصادرة آنذاك دور تسميم عقول الشباب اليهودي المغاربة في الفترة الممتدة من منتصف أربعينات إلى فجر خمسينات القرن الماضي في وقت سادت فيه روح التعايش والتسامح والتناغم والتفاهم “العضوي” بين اليهود المغاربة والمسلمين ، حيث كان أعضاء الجماعات اليهودية مندمجين حضارياً في المحيط الثقافي العربي الإسلامي، فكان يهود المغرب مغاربةً أو بربراً لهم نفس فلكلور المغاربة أو البربر ونفس المستوى الثقافي والحضاري، فكانوا يزورون أولياء اليهود، بل هناك حالات كثيرة كان فيها المسلمون واليهود يتبركون بوليّ واحد ويقومون بزيارته.
وليس ادل على تسامح الحكومة المغربية مع اليهود ومعاملتهم بنفس معاملة مواطنيها المسلمين هو ما حدث عندما طلبت حكومة فيشي الموالية للنازي من الحكومة المغربية تسليم أعضاء الجماعات اليهودية للنازي لإبادتهم كما حدث مع أعداد كبيرة من يهود فرنسا. ولكن العاهل المغربي محمد الخامس تصدَّى لهم، وهو ما أدَّى إلى نجاة الجماعة اليهودية من خطر الإبادة . فخلال الاضطهاد النازي لليهود في الحرب العالمية الثانية، رد الملك الراحل محمد الخامس على مطالب حكومة فيشي الفرنسية بخصوص تطبيق قوانين مناهضة لليهود بالقول “انهم أبناؤنا أيضا” ، فصدر ماعرف بقانون فيشي بعد تخفيفه إثر مفاوضات عسيرة بين السلطان محمد الخامس والجنرال نوغيس المقيم العام الفرنسي في أكتوبر/ تشرين الأول 1940، واستطاع السلطان أن يحفظ لليهود أسس الحياة الدينية والمدنية ويقصر استعمال القانون على المجالات السياسية والاقتصادية. وفي الواقع فإن التقاليد الإسلامية تميزت دوما بحماية اليهود، كما أن ملوك المغرب لم يتخلوا عن هذا أبدا .
هجرة اليهود الى اسرائيل في فترة محمد الخامس
يؤكد الخبراء الواقفون على مجرى الامور ان تهجير اليهود من البلاد العربية تم تحت وطأة حملة اضطهاد مصطنعه ومتعمدة بالتواطؤ بين بعض الحكام العرب وزعماء الصهيونية، لان الفترة التي سبقت قيام اسرائيل لم تشهد هجرة يهودية تذكر من البلاد العربية بالرغم من قرب فلسطين من هؤلاء . وتذكر الموسوعة اليهودية (جوديكا) أن تعداد يهود العالم عام 1939 بلغ 16.724.000، منهم .9.480.000 في أوربا. وقد بلغ عدد اليهود في أفريقيا 627.500حيث كانت أكبر جماعة منهم في المغرب إذ بلغت 162 ألفاً. وهنا يشير الاستاذ المسيرى الى ان يهود الدول العربية ومنهم يهود المغرب، لعبوا دور صغير في الهجرة الى فلسطين في تلك الفتره، حيث أنَّنا لا نجد بين العدد 460 ألفاً الذين دخلوا فلسطين بين عامي 1919 و1948 سوى 42 ألفاً قدموا من البلاد العربية والإسلامية، أي 9% من الهجرة العامة والتي شكَّل الإشكناز النسبة الكبرى منها . ولذلك حينما أُعلن قيام الدولة الصهيونية عام 1948 لم تكن دولة يهودية وإنما إشكنازية بالتحديد، ولهذا يرى البعض في ذلك أكبر دليل على انتماء يهود البلاد العربية لبلادهم بسبب الدور الصغير الذي لعبوه في الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين في تلك الفترة.
ولكن وبعد تأسيس دولة اسرائيل عام 1948 وطرد سكانها الاصليين وتهجيرهم وهزيمة الجيوش العربية ودور الاستعمار في دعم الصهيونية ازداد العداء لليهود في كافة البلاد العربية ومنها المغرب حيث اعتبر أي يهودي خامة لصهيوني ومن هذه الفرضية فهو عدو للقضية العربية، فيما حاولت الحكومة و(المعارضة) باستمرار وضع فرق بين الصهاينة واليهود الذين هم رعايا للملك، ولكن وفي أزمنة العاطفة القومية، يحيط الضباب بذلك الفرق ، بما يتبعه من عداء واحداث هنا وهناك استغلته الحركة الصهيونية افضل استغلال لخدمه اهدافها في ظل وجود المستعمر الفرنسي، حيث بدأت عمليات الهجرة الواسعة بعد سنة 1950 حيث وصل عدد يهود المغرب انذاك حسب مصادر مغربية رسمية الى اكثر من 300 الف يهودي وكانوا مقربين من المستعمر الفرنسي ومتحكمين في الكثير من مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية المغربية, وبعد اعلان قيام اسرائيل سنة 1948 بدأت تصلهم رسائل من بن غوريون ومن قادة اسرائيليين آخرين يطالبونهم بالهجرة الى ارض الميعاد ودعمها هناك, وبالفعل وبدعم من المستعمر الفرنسي بدأت هجرة اليهود المغاربة الى اسرائيل على دفعات ( حوالي 20 ألف سنتي 1948 و 1949 و 40 الف ما بين 1952 و 1955) .
وفي تلك الفترة كانت الازمه حاده بين المستعمر الفرنسي والاسباني من جهة والملك والشعب المغربي من جهة اخرى بسبب المطالبه بالاستقلال حيث اعلن السلطان محمد الخامس موقفه المناوئ للحماية اثناء الاحتفال بعيد العرش سنة 1952. وتجاوب معه الشعب على نطاق واسع، فنظمت مظاهرات مساندة لمساعيه، ولهذا قامت فرنسا في 1953 بنفي محمد الخامس والأسرة الملكية إلى مدغشقر. وفي 16 نوفنبر 1955 عاد محمد الخامس والأسرة الملكية من المنفى. وفي 2 مارس 1956 اعترفت الحكومة الفرنسية باستقلال المملكة المغربية في التصريح المشترك الموقع بين محمد الخامس والحكومة الفرنسية. وعند عودة الملك محمد الخامس من المنفى تعهد له قادة الجالية اليهودية بالولاء وقد جدد لهم لدى عودته تأكيداته بحمايته لهم، وإلى ذلك سجل الملك محمد نقطة، أو أضاف مفهوما حينما أدخل يهوديا في أول حكومة مغربية في ديسمبر 1955 قبيل الاستقلال فجاء تعيين د. ليون بنزاكوين وزيرا للبريد والتلغراف، وفي العام التالي، أرسل الملك ولي العهد وقتها الأمير حسن ليمثله في احتفالات يوم كيبور بمعبد في كازابلانكا. وحين تولى الملك الحسن الملك توالى تمثيله في هذه المناسبة نفسها بشقيقه مولاي عبد الله أو وزير الداخلية وفي السنوات الأخيرة بحاكم كازابلانكا .
ولا يخفى على أحد الآن الدور الذي لعبه اللوبي الصهيوني بالمغرب في مفاوضات “ايكس ليبان” المتعلقة بالاستقلال السياسي للمغرب, وهذا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على قوة هدا اللوبي الذي لم يتوقف عن تمتين دعائمه مند أربعينات القرن الماضي, ولازال تأثيره وفعله بارزين للعيان لحد الآن . فقد عمل اللوبي الصهيوني العالمي على خلق صلات بين المغرب وإسرائيل حتى قبل الاستقلال حيث كان الاسرئيليون يتمتعون بتغطية فرنسية لعملية التهجير الواسعة ليهود المغرب وحسب الوثائق الاسرائيلية فقد قام الموساد بتنظيم هجرة حوالي 90 ألف يهودي الى إسرائيل عبر فرنسا بين سنتي 1949 و 1956. وقد انعكست العلاقة القوية بين الاستعمار الفرنسي في المغرب والاسرائيليين من خلال تصريحات ممثل اسرائيل في الولايات المتحدة والتي كانت تدعو لعدم تدخل الامم المتحدة في الشأن المغربي لأنه “شأن فرنسي داخلي” وذلك في ظرفية حاولت فيها الحركة الوطنية المغربية اختراق المسرح الدولي للضغط على الفرنسيين .
علاوة على ذلك فأن بعض المؤرخين والمحللين السياسيين كشفوا عن دور يهود المغرب في تفعيل وتغيير موقف السلطات الفرنسية حول ما وقع بالمغرب في بداية الخمسينات, لاسيما فيما يخص رهان فرنسا- الذي كان خاسرا مسبقا- على تنصيب “بن عرفة” سلطانا على المغرب حيث كان الأولى هو عودة محمد الخامس إلى عرشه بعد ترتيب الأمور معه فيما يخص المستقبل. فقد ساند عدد معقول من المثقفين اليهود حركة الاستقلال وحزب الاستقلال وكان منهم من شارك في هذه المفاوضات مثل فليكس نطاف احد مؤسسي جمعية الصداقات المغربية التي كانت تدعو الى التفاهم بين المسيحيين واليهود والمسلمين وكان، بعضهم ناشطا في الحزب الشيوعي الذي تمّ حظره رسميا عام 1960، فيما كانوا أصلا أعضاء سابقين في الحزب الشيوعي الفرنسي.
ويذهب بعض المؤرخين الى ان قضية اليهود تمت إثارتها في المفاوضات المتعلقة بالاستقلال السياسي, حيث حصل الاتفاق على اعتماد ترتيبات وفق جدول زمني لتسهيل سفر أعداد كبيرة من يهود المغرب إلى إسرائيل في هدوء ودون دعاية و”شوشرة”… هكذا وعلى امتداد أقل من عشر سنوات وصل عدد اليهود المغاربة المهاجرين إلى إسرائيل ما يناهز ثلاثمائة ألف مهاجر في صمت تام ودون “هرج”, كما سمح لليهود الباقين بالبلاد بربط صلات غير مقيدة مع أهاليهم ودويهم الدين فضلوا الهجرة . وبنزوح المهاجرين من شمال افريقيا تغيرت صورة المجتمع الاسرائيلي بالكامل. فقد تزايد اليهود الشرقيون من 15% عام 1948 الى 50% مع الستينات.
وخلال الفترة من 1955 – 1957 تصاعدت ارقام المهاجين بسبب تحسن الحالة الاقتصادية بفضل اتفاقية التعويضات الالمانية وبلغ عدد المهاجرين 160 الف معظمهم من البلاد العربية منهم 70 الف من المغرب. فقد كان مستوى المعيشة في اسرائيل في الخمسينات اعلى بكثير من ذلك الخاص بمعظم الدول العربية في الشرق الاوسط. وعلى ذلك كان في استطاعة الحكومة الاسرائيلية ان تقنع بسهولة يهود كثير من البلاد العربية بالهجرة الى اسرائيل. كما شجعت الحكومة الاسرائيلية الهجرة اليهودية من العراق من خلال رشوة الحكومة العراقية لتجريد اليهود العراقيين من جنسيتهم ومصادرة ممتلكاتهم
وخلال الفترة بين 1958- 1960 حدث هبوط نسبي في عدد المهاجرين اذ بلغ حوالى 75 الف ومن بين الامور التي ساعدت على هذا الهبوط اجراءات الحكومة المغربية بعد الاستقلال بمنع الهجرة . فبعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 و بسبب الوضع في الشرق الاوسط وايضا تشكيل حكومة بزعامة حزب الاستقلال المغربي ذو النزعة القومية اعلن الملك محمد الخامس منع هجرة اليهود الى اسرائيل ولكنه منحهم كافة حقوقهم السياسية والمدنية والاقتصادية ومع هذا استمرت هذه الهجرة سرا لكن تضايق اليهود من محمد الخامس لانه فعلا رفض الكثير من دعوات الصهاينة للسماح لكل اليهود بالهجرة، وفي المقابل، أبعد عدد كبير من اليهود من مواقعهم في الخدمة المدنية. وحينما زار الرئيس جمال عبد الناصر كازابلانكا في يناير 1961، تمّ اعتقال عدد كبير من يهود كازابلانكا خاصة الطلاب منهم، ولهذا قابل وفد برئاسة د. ليون بنزكيون ولي العهد الأمير الحسن الذي القى باللوم على عناصر حزب الاستقلال داخل الشرطة والبوليس في محاولة منهم لإثارة الحكومة ووعد بتدارك الموقف وإصلاحه، وبالفعل، وبعد ذلك بقليل، حدث تغيير كلي في سياسة الهجرة حين توفي الملك ونصب مكانه الحسن الثاني لتبدأ بعد هذا مرحلة جديدة من هجرة اليهود المغاربة الى اسرائيل .في غضون ذلك، استخدمت صحافة المعارضة (الاستقلال واتحاد القوى الشعبية) اتهام تأييد الصهيونية كعصاة مقبولة لضرب الحكومة.
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0