أدب و تراث قادة وأعلام مختارات مقالات

في ذكرى رحيل محمود عبد الوهاب

في ذكرى رحيل محمود عبد الوهاب …
ساحر الكلمات

 

بقلم/ علي حسين

مشوار طويل شقه الحكاء محمود عبد الوهاب بالإصرار والمثابرة والاهم بالمعرفة حتي حقق ما اعتقد أنها أحلامه وما تيقنا نحن محبيه انها احلام الكبار عبر قصص كتبت بحرارة الحس والقلب، من دون التفلسف الذي يفسد على القص حيويته، من دون النفخ الفارغ في جلد اللغة.
هكذا كنت اشعر كل مرة وانا اقرأ احدى قصص محمود عبد الوهاب، قصص خطتها ريشة رسام لا يغمض له جفن، فهو يقظ ابدا، يتسقط الكلمات بالعين فيوقد منها صورا تتناثر منها المعاني في كل صوب ، قصص تنتعش بروعة المستحيل، وهذا سر من اسرار العشق وهو عند محمود عبد الوهاب عشق دائم، ساخر من نفسه، لا يبالغ ولا يهول، اسير المفارقات المستمرة التي انتهت بموت حزين على سرير احد مستشفيات البصرة، هذا الموت الذي طالما تحاشى ان يكتب عنه لانه حسب قوله: “يبعث على الكآبة والمخاوف، والمفارقة المثيرة : إنــــــــــك لو قـــــــلتَ لـرجـــــل في الخمسين من عمره: إنك لم تكن موجوداً قبل أكثر من خمسين عاماً، لن يمتعض منك ولكنك لو قلت له: إنك بعد خمسين عاماً لن تكون موجوداً، فسينتابه، في تلك اللحظة، القلق والاضطراب وكأنه يمسك بكلتا يديه الفارقَ بين العدم الذي لم يكن فيه موجوداً والخوف من زوال وجوده الذي افترضته أنت ”
ظل الموت هاجس محمود عبد الوهاب يبحث عنه في الكتب والاساطير، شغلته المفردة فراح يسأل عن جذورها، عن هذا الغريب الذي يترصد الاحياء في كل لحظة مكشرا انيابه مثل ذئب قاس وشرس وظل يردد مع الجواهري :
منْ منكـمُ رغم الحياة وعبئها
لم يحتسبْ للمـوت ألـفَ حسابِ
أنا أبغض الموت اللئيم وطيفه
بُغضي طيوفَ مُخـاتلٍ نصّـابِ
ذئبٌ ترصّدني وفـوق نيوبهِ
دمُ إخوتي وأقاربي وصحابــي
ولانه يحب الحياة فهو يسخر من الأموات في الحياة ويقول لبعض الذين اعتزلوا الحياة: لو وضعت شهادة وفاة بجوارهم سيصبحون أمواتا رسميا.. وعندما تسأله: لماذا تعيش معهم يقول: أنا المشترك وضعا والمختلف صقعا.
في قصته ” نعي ” التي نشرت في مجلة الاداب عام 1994 يكشف لنا عن الصدمة التي يحدثها خبر الموت :” وقع بصره ، مرة اخرى على خبر الوفاة في مربعه الصغير المحدود من الجريدة ، وتذكر انه كثيرا ما كان يشكو منه ” .
*
يتصل تكوين محمود عبد الوهاب بقراءاته منذ صباه الباكر، التي مكنته من الاطلاع على كل ما هو جديد في عالم الأدب، تلك البيئة التي ميزته عن أقرانه من معاصريه الذين امتهنوا حرفة الأدب. فقد كان لها من الأثر في فكره ووجدانه ما لم يكن للآخرين من بيئاتهم التي ينتمون إليها: “قراءة عامة من دونما اختيار. كنت ابحث عن ذاتي خارجها، مثل طفل يكسر لعبته ويطيل التحديق إلى داخلها المحشو بالقطن والأسلاك، بحثا عشوائيا عن الصفير الرتيب، الذي يأتيه بلا انقطاع كلما ضغط على جسد لعبته بيديه، وكان كل ذلك حلما تعويضيا عن جدب الحياة. مباهج القراءة تجعل من القارئ شخصا مختلفا. فالقراءة عامل تغيير. والكتاب مثل النهر “لا ندخل فيه مرتين”، لكن تلك المباهج كالكهف المكتنز، لا يفتح بابه إلا بكلمة سر، وكلمة السر هنا، قدرة القارئ على التعلم، وإدراك ما يقرأ. بعد فقد بصره، كان بورخس يبكي وهو يصغي إلى ما تقرأ له أمه، كانت تسأله: لماذا تبكي، وكان بورخس يجيب: ابكي لأنني أفهم ” .
وسنشاهد محمود عبد الوهاب وسط مكتبته حيث يتزاحم العالم في بقعة صغيرة من منضدة الكتابة : سارتر ، بومارشيه ، وسقراط ذلك الجدلي الذي اتعبه ، وكلود سيمون ، وفؤاد التكرلي ، ودوريس ليسنغ ، وشارلي شابلن تبرز صورته من مذكراته ، ومن على كرسيه ذو المسندين كان يبدأ كل يوم حياة جدية يحاور فيها كازنتزاكي وهنري ميلر وسومرست موم وعشرت غيرهم :” تلك الوحدة التي تحملني إلى نوع خاص من الكتب وإلى نوع خاص من القراءة تنفتح على علاقة الأدباء والفنانين ومجالسهم وسيرهم بعفوية الإنسان وسماحته ، مثل هذه الكـتب تنساب متعتها إلى داخلي . أتوقف لحظات عن القراءة ، أتأمل بلذة وندم معا الخسارات والمباهج التي اكتنفت حياتي . أتذكر أن ” إزنشتاين ” المخرج السوفيتي الكبير قال في محاضرة له : لن يستطيع أحد أن يُرجع الزمن إلى الوراء غير السينمائيين ”
تستهويه لعبة السينما فيحاول ان ينقلها الى القصة في كتابة ما يسمى القصة / المشهد :” أحاول أن أشكـّل الفعل القصصي في عملية مرئية . لا أرغب في الحكي عما يحدث في القصة وكأنني أروي حكاية جدة . حتى ما يسمى بالاسترجاع في القصة لا ارغب فيه . . إنني ممن يرغب في الانحياز إلى محمول اللغة السينمائية : الفكرة بالصورة . أستطيع أن أزعم إنني مولع بالسينما تلقيا على صعيدي المشاهدة والقراءة ” .
قصص محمود عبد الوهاب كتبت بلغة الحياة بلا تعال عليها، وبموسيقى أشبه بفوضى أصوات البشر. ولم يكن ذلك غريبا على رجل اخلص لادبه منذ ان كتب اول قصة ( خاتم ذهب صغير ) وهي القصة التي اعاد نشرها في مجموعته ” رائحة الشتاء الصادرة عام 1997 وهي مجموعتة الاولى والاخيرة . وقد كتب على غلافها الأخير: ” بين (خاتم ذهب صغير) ــ أول قصة ظهرت لي في صحيفة بغدادية، و( طقس العاشق ) آخر قصة كتبتها عام 1997 ــ إرتحالات في رؤى سردية متحولة وجدت نفسي في نهايتها بعيدا عن الدهشة الأولى بأول حلم قصصي انبثقت منه الشخصية الأولى والمشهد الأول، وقريبا من استبصار مغاير ارتقت تقنيتي به إلى مرصدي الأخير بين قصص هذه المجموعة. أتذكر انني سودت مئات الصفحات في سنوات تلك الارتحالات حتى وجدت نسختي المنقاة هنا ” .
لقد قوبلت هذه المجموعة بترحيب نقدي واضح وتم تناولها وفق أكثر من مقال واعتبرها البعض أشبه بشريط سينمائي تتعدد اللقطات فيه لكن الكاميرا واحدة هي عين حكاء متبصر اسمه محمود عبد الوهاب يتقن طريقة التوليف التي برع فيها نتيجة مراجعاته ودراساته السينمائية .
في رائحة الشتاء استطاع محمود عبد الوهاب أن ينفذ إلى مواقع عليا في فضاء القصة العربية ، حيث ظل قاصا بارزا دفعت النقد العراقي الى ان يبرز اسمه بامتياز ليس في قلة ما نشر خلال ما يقرب من نصف قرن من الكتابة والعطاء الفني المتميز، ولا في دقته في كتابة قصته ، دقة يستدعيها الفن الرفيع، ولا هو في تفرد موضوعاته التي لم يختلط فيها مع غيره من القصاصين، ولا خالط سواه في رؤيته لها، أو في رؤية الحياة والإنسان من خلالها، بل هو فضلا عن هذا كله، في هذه الروح المتجددة والمتواصلة مع عصرها، الملتقطة لهواجس زمنها والمعبرة عن هذا كله، في قصة لها من المقومات الفنية والموضوعية ما استوقفت به دارسيها ونقادها.
نقرأ قصص محمود عبد الوهاب لنحدق في ذواتنا الممزقة بالغيابات والاسى والذكريات، ، لندرك اننا نعيش في قلب الحياة
في كل مرة ارى فيها محمود عبد الوهاب عندما كان يزور صحيفة المدى حيث كان من ابرز كتابها ، وأستمع لكلماته انتبه الى انني أنصت الى ينابيع تتدفق من غابات البصرة، إلى أيام في الطفولة سرها مازال غير مكتشف، الى ايام مضت في غرف هادئة كتيمة، الى صباحات جوار البحر، الى البحر ذاته.
قال فوكنر عن همنغواي” من الصعب ان يلجأ الى القاموس في كل كلمه يكتبها، انه يكتب كما يأكل”، ومحمودعبد الوهاب كان يكتب كما يعيش في طرقات المدن، في حدائقها، في مقاهيها، أشبه بطائر يغني كلمات ترتبط بنبض الارض وضمير الناس.
*
ظل محمود عبد الوهاب طوال رحلته الثقافية يمثل طرازا من الكتاب الذين وهبوا حياتهم للقراءة والتأمل والفعل الثقافي مؤمنا بأن لا شيء في الحياة أعلى قيمة من الكلمة وقد لخص هو بنفسه افكاره في كلمات موجزة ” التصالح التام مع الواقع يعني إلغاءً للعقل النقدي، فليس الواقع دائماً هو المثال المكتمل أو النموذج في عقل المبدع أو المثقف، غالباً ما يأتي الواقع فجّاً، لولا الأحلام والفنون التي تعمل على بناء واقع آخر مفترض. عقل المبدع مسكون دائماً بمثال يوتوبي، التناقض قائم بين واقعين، الواقع الوقائعي، والواقع الحلمي لدى المبدع. ، أنّ معظم ما أكتبه من قصص قد لا يحمل مصالحة تامة مع الواقع، هذا صحيح، لكن معظم ما أكتبه على علاقة مغايرة للواقع، تقوم على التعرف على الواقع أولاً وعلى فهمه ثانياً، ثم كتابة نص تخييلي جمالي، يحمل أنساق الواقع لكنه لا يماثله. أما عن دور ثقافة الآخر في منجز الكاتب، فلابدّ من أن تلعب الثقافة الأجنبية دوراً في تطوير منجز الكاتب، بعيداً عن الاستنساخ الذي يخيط نصاً على غرار نص مستورد”
سحر الكتابة هو الوصف الذي يمكن ان نطلقه على تجربة الراحل والذي يكشف لنا مدى قدرته على إيصال الفكرة بأسلوب مشوق قادر على إيجاد القابلية عند القارئ لتقبل آرائه وأفكاره دون عناء، مقدما لنا نموذجا للقاص والكاتب المتميز،في منجز باللغة المحكمة البعيدة عن الاسراف، مستندا الى ادواته في الدهشة والبساطة. حيث سكنت نصوصه في هم الناس، لذلك أجاد في خلق مرويات تراقب ما يجري وتمسك، بجدارة، بؤر الاحداث. وطيلة حياته التي تجاوزت الثمانين كان عبد الوهاب مشغولا بالسؤال الانساني، يلاحق، مجتهدا، مصادر الحياة في مجتمعاتنا، ولهذا تراه في اغلب نصوصه يحاول حمايتها والبحث عن مناخات ايجابية لنموها.
قال الروائي كازنتزاكي لزوجته في أيامه الأخيرة وعيناه الفاحمتان المدورتان غارقتان في الظلمة ومليئتان بالدموع: “أحسّ كأنني سأفعل ما تحدّث عنه برجسون: الذهاب الى ناصية الشارع ومدّ يدي للتسول من العابرين: زكاة يا إخوان، ربعَ ساعة من كل منكم.. ما يكفي فقط لإنهاء عملي وبعدها فليأتِ شيرون، ناقل أرواح الموتى”.
ظل محمود عبد الوهاب يردد : ياللحياة من مهنة شاقة .. لكنه شقاء الابداع والوعي والفعل الثقافي ، وهي المهنة التي جعلته يعيش وحيدا ويموت وحيدا ، لتتحق نبؤة الغجرية التي حاصرت مجموعة من الشباب كانوا يجلسون في مقهى على كورنيش البصــرة ، في ذلك المساء قالت الغجرية لبدر شاكر السياب : تموت صغيراً في أرض غريبة ، ولمهدي عيسى الصقر أراك تحت نجم آخر ، ، ولسعدي يوسف ستتقاذفك البلاد الغريبة ، وتنبأت للبريكان بمصير فاجع ، ونظرت في وجه محمود عبد الوهاب لتقول له باسمة : ستعيش حياتك بلا رفيقة درب
ظل محمود عبد الوهاب يردد مقولة تولستوي : السعادة ذات طعم واحد ، لكنّ الشقاء متنوع الطعوم . أتساءل كلّما ضاقت بي العزلة في شقّتي ، واجتاحني استيحاش مرير مما حولي يحملني مهزوماً بالمزاج المكتئب إلى فضاء الشارع الفسيح الذي أجد فيه خلاصي ، بين حركة المارة ونداءات الباعة والصباح المتكسّر على ذيول واجهات الدكاكين ، أتساءل، أأنا اجتماعيّ بالطبع كما يقول فلاسفة الاجتماع أم أنا اجتماعيّ بالضرورة كما يقول الماركسيون ؟ أستدرك، وأقول : أنا اجتماعيّ بالضرورة ، تلك الضرورة التي تأخذني إلى الشارع اليومي المزدحم الضاجّ ، وتضعني في خانة لمكتب صديق ، أو علــى تخت مقهى شعبي ضاجّ ، أو على كرســـي مجاور لمطعم تتجاوز رائحة شوائه رصيف المارة ، شواءَ ودخاناً ورائحة نافرة . هكذا يبدأ يومي ، أنا المسكون بوحدته ، تلك الوحدة التي تحملني إلى نوع خاص من الكتب ” .
كل ماقدمه لنا محمود عبد الوهاب هو الحقيقة كما كان يراها . لكن الحقيقة كما يراها قاص ومثقف مثله ، لا علاقة كبيرة لها بالحقيقة التي نلتقي بها في الحياة اليومية .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0