عروض كتب مختارات مقالات

أن تترجم لوحة فنية إلى رواية

أن تترجم لوحة فنية إلى رواية…

بقلم/ نجوى الجزائري

يقول ألان دو بوتون ( للفن غرض رئيس و هو تعويضنا عن الشعور بالنقص النفسي، وإسكات هواجس عدم الكمال، فالفن أداة معقدة تملك إمكانية توسيع قدراتنا، وتعزيزنا بقدرات أكبر من التي منحتنا إياها الطبيعة) ، بالإضافة إلى ما قاله دو بوتون فإن الروائية دونا تارت من خلال روايتها هته (طائر الحسون) تمنح الفن ، مختصراً في شكل لوحة فنية و هي لوحة طائر الحسون، تمنحه بعداً نفسيا آخر ، بعدا متعلقا بحالة فقد مريرة ، بعداً ربما لا يفهمه إلا من عانى من حالة فقد عزيز ، فماذا يمكننا أن نحمل كذكرى عن هذا الفقيد ، ربما يحتفظ البعض بالكثير من الصور ، بهدايا وصلت منه ، ببعض أشياءه الشخصية و لكن أن تحمل لوحةً فنية لرسام شهير قضى نحبه في ظروف غامضة فهو الشيء المربك و الموجع حقاً رغم كونه شبه مستحيل!.

بدايةً تتناول الرواية قصة الفتى النيويوركي، ثيو ديكر ، ذو الثلاثة عشرة عاماً،فبينما ثيو و والدته يقومان بجولة في متحف في نيويورك ، يقع حادث تفجير إرهابي ينجو ثيو بينما يُودي بحياة أمه، يلجأ ثيو بعدها للعيش لدى أسرة ثرية من بارك آفينيو لأنه صديق ابنها ، يعود بعدها والده للظهور فيأخذه معه إلى صحراء لاس فيغاس، بيئة جديدة و صديق جديد ، يعيش ثيو بين صراع فقد أمه و شعوره بالمسؤولية و بين تجارب مرحلة المراهقة( السرقة و المخدرات) قبل خروجه من المتحف يأخذ ثيو معه لوحة الحسون يعتقد أنها ذكرى من أمه لأنها كانت شغوفة بتلك اللوحة، فتكبر معه اللوحة و تعيش معه تقلبات حياته.

الفقد…
يقول محمود درويش (الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء ) ربما الألم الذي يعانيه الشخص المحتضر يلقي بظلاله الكئيبة على أحبابه، نفس الألم كأنما تصعد روحك في السماء مع زفرات موت الشخص الأقرب إلى قلبك ، تقول الكاتبة على لسان (ثيو) (كانت هناك و لم تكن هناك ، كان جزء منها موجودا و لكنه غير مرئي، الجزء غير المرئي هو الجزء الهام ، كان هذا شيئا لم أفهمه من قبل ، و عندما حاولت أن أقول هذا بصوت مرتفع ،خرجت كلماتي مشوشة …لابد من أن يكون الجزءان معا لا يستطيع المرء الحصول على جزء من غير الأخر) ماذا يمثل فقد الأم لصبي في الثالثة عشر من العمر في ظل غياب الأب؟ ببساطة يفقد السعادة ،حلاوة العيش… يفقد الحياة، يقول ثيو (لو لم تمت أمي لسارت الأمور سيرا أحسن، لكنها كانت عندما كنت طفلا ،و مع أنني اتحمل المسؤولية كاملة عن كل ما جرى لي منذ ذلك الوقت فإنني، عندما فقدتها فقدت رؤية أية علامة تهديني أية علامة يمكن أن ترشدني إلى مكان أمي … إلى حياة أكثر سعادة إلى حياة أكثر انسجام و حلاوة….إلى حياة أكثر حياة ) الوالدين نجمين مضيئين في سماءنا نهتدي بهما في ظلمات الحياة ، أنهم يجعلون حياتنا أكثر ترابطا و انسجاما، عائلة كاملة ،حياة متوازنة هادئة غير مضطربة، فماذا إن فقدنا أحد قطبي التوازن؟ ببساطة تختل الحياة.

فن التفاصيل:
تقول دونا تارت عن شغف الرسامين الهولنديين بالتفاصيل (لقد كانوا راغبين في الوصول بالتفاصيل إلى أقصى حد ممكن لأن هنالك معنى حتى في أصغر الأشياء، كلما رأيت ذبابات أو حشرات في لوحة الطبيعة الصامتة _بتلة زهرة ذابلة، أو بقعة سوداء على تفاحة _ فعليك أن تعرف أن الرسام ينقل إليك رسالة سرية يقول لك أن الأشياء الحية لا تدوم كل شيء مؤقت كل شيء عابر ،الموت في الحياة ، لوحات الطبيعة الميتة) ربما ما يرهق القراء أكثر في رواية تفوق الألف صفحة هو كثرة التفاصيل، لكن في هذه الرواية فإن الأمر محسوم لصالح دونا تارت أكيد، فأنت تلمس إبداع هذه الروائية في قدرتها العجيبة على إتقان فن الوصف ،قدرة على رسم ، قراءة و تركيب شخصياتها ،مراحل حياة ثيو الطفولة، المراهقة بآفاتها بصخبها بجنونها ، أيضا ببراعة فائقة النظير أتقنت الكاتبة سرد و وصف المشاهد المؤثرة و الأكثر صعوبة ( حادثة الإنفجار و آثاره النفسية التي صاحبت ثيو خلال حياته و لم يتمكن من التخلص منها ، فاجعة موت الأم، نشوة تعاطي المخدرات أول مرة ،مشاعر الحب الصادق ، الصداقة….) بقدرة عجيبة على التعبير عما يخالج النفس البشرية في حوارات ثيو مع نفسه في عزلته و كأنك تقرأ للعبقري دوستويفسكي، أما مشغل و متجر هوبي فله كلام آخر يتسائل القارئ إن كان حقاً من خيال الروائية أم أنها بنت صنعة في فن التشكيل و الصقل، نوع الخشب، تاريخ القطع الأثرية، نوع الغراء المستعمل للصق قوائم طاولة تعود للقرن السابع عشر ، يقول إيكو (لكي تروي قصة يجب عليك أولا أن تشّيد عالما و تؤثثه) و نجحت دونا تارت بكل تأكيد في تشييد هذا العالم ، حتى في تفصيلها لمشاعر الموت و الفناء تقول (لا رحمة للبشر العالقين في بيولوجيا اجسادهم: نعيش برهة ،و نبعث قليلا هنا و هناك ،ثم نموت ، ثم نتفسخ في الأرض مثل القمامة ،يهلكنا الزمن ،كلنا خلال وقت قصير…).

الإحساس بالفن:
يقول الكاتب الروسي ايفان تورقنيف ( يريني الرسم بلمحة واحدة ماقد ينشر على عشرة صفحات من كتاب)
في رواية الحسون تحاول دونا تارت إيصال مفهوم آخر عن الفن و اللوحات ، مفهوم خليط بين الحب و الحزن بين رغبة إمتلاك الشيء و المسؤولية الإنسانية إتجاه شيء مشترك مثل اللوحات الفنية التي لا يجوز سرقتها أو احتكارها لأنها ملك مشاع و لأنها رسمت لتعرض لا لشيء آخر ، يقول ثيو (كان إخراج اللوحة و إمساكها و النظر إليها، أمورٌ لا يجوز فعلها بخفة، بل إن فعل مد يدي إليها كان يمنحني إحساساً بأنني أكبر و أعلو و أنبعث، و في لحظة غريبة ما عندما أكون قد نظرت إليها زمنا كافيا …يبدو لي الحّيز الذي يفصلني عنها قد اختفى كله …أنظر إلى اللوحة فتكون هي الحقيقة لا أنا) اللوحة هي لطائر الحسون ،هذا العصفور الصغير بحجم الكف ، بألوانه الزاهية التي تمتع نظر أي شخص ،كما أن الحسون يعتبر رمزٌ من رُموز الصبر والتحمُّل، الخُصوبة والمُثابرة ، فشغفه ببزور الأشواك البريَّة جعل منه رمزًا من رُموز المسيحيَّة في بعض البُلدان الأوروپيَّة، نظرًا لِأنَّ تلك الأشواك صُنع منها الإكليل الذي وُضع على رأس يسوع المسيح عندما كان أسيرًا يُعذَّب عند الرومان، وفق المُعتقد المسيحي، كما كان صبر الحساسين على الوقوف على سوق الأشواك يعكسُ صبر المسيح على الآلام جرَّاء الإكليل.
يقول ألان دو بوتون (كلما زادت صعوبة حياتنا، كلما زادت قدرة الزهور على تحريك مشاعرنا، إن الدموع هي استجابة لجمال الصور وليس للحزن فيها ، ويالجمال هذا) ربما نتشارك في النظر للوحة فنية و ربما نتشارك في حبها لكن قد يختلف وقع و استجابة كل منا لما نراه، ربما يكون في لا وعينا مشاعر مظطربة تحول دون استقبالنا للجمال أو بصفة أدق نعبر عنه بمشاعر مختلفة قد أفرح و قد تحزن و قد يذرف آخر دموع سخية لومضة ما استقطبت خياله من خلال اللوحة ، لهذا لجأ بعض الأطباء للتداوي بالفن عموما و بمنح المريض فرصة للتعبير عن ألمه من خلال رسمة ما ، و كمثال عن أثر الجمال الذي تتركه فينا لوحة ما تقول دونا تارت (يكاد يكون موسيقيا، حلاوة داخلية لا تفسير لها إلا ذلك التناغم العميق الذي يجعلّ الدم يجري سريعا مثلما يحدث عندما يخفق قلبك واثقا متقدا خلال وجودك مع شخص تشعر بأنك تحبه و بأنك آمن معه …)

لماذا كاريل فابريتيوس؟ و لماذا لوحة طائر الحسون؟
لوحة طائر الحَسُّون هي لوحةٌ لِلفنان (كاريل فابريتيوس) أحد أهم فناني الرسم الهولندي في العصر الذهبي، يظهر فيها طائر حسّون مُقيّد بِسلسلة، مُوقعة ومُؤرّخة بتاريخ 1654، توفي فابريتيوس عن عمر 32 عامًا، وكان سبب الوفاة الانفجار الذي وقع في مدينة دلفت في الثاني عشر من أكتوبر عام 1654 ،حيث انفجر مستودع للبارود أدى إلى تدمير جزء من المدينة وقُتل أكثر من مئة شخص، وجُرح الآلاف، وكان من بين الذين ماتوا الرسام فابريستيوس الذي كان في مرسمه آنذاك، كما تم تدمير معظم لوحاته، ولم يسلم إلا القليل من أعماله، دونا تارت في روايتها جعلت الأم المولعة بالفن و اللوحات الفنية تموت جراء إنفحار قنبلة بينما تزور هي و إبنها ثيو متحف في نيويورك، ينجو ثيو و يأخذ عن غير سبق و تخطيط لوحة طائر الحسون التي كان يتأملها هو و أمه لحظة الإنفجار، يأخذها (أو ينقذها في نظره )كان الأمر أشبه بإعادة تكرار الحادثة للوحة ، للطائر ربما ، هذا الطائر الصغير بحجم الكف، بألوانه الزاهية، بالأصفر الفاقع النابض بالحياة و الحركة ، بعينيين صغيرتين ثاقبتين تنظر بإتجاهك تماما تتأملك هي كذلك مثلما تتأمل أنت اللوحة ، ثم تكتشف تفصيل آخر أن الطائر مقيد بسلسلة دقيقة تمنعه من التحليق عالياً ،فتعود سريعاً لعيون الطائر، الآن تراه حزين ،حانق لأنك قيدته سلبته حريته ، كذلك كان ثيو بعد التفجير و بعد موت أمه طائر صغير مقيد بفقد و فراغ موت الأم و تداعيات ذلك على حياة مظطربة عاشها بعد ذلك.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0