سياسة مختارات مقالات

هل كان اغتيال زاده فخ لإيران؟

 

بقلم/ د. محمد مشتهى

العقل الإيراني يُشتَهر بأنه يعمل كما حياكة السِّجاد، جميع المسؤولين الإيرانيين يصرحون بأن الرد على اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده قادم، وبعضهم وصفه بالرد الذكي، وهو ما يعني اختيار الزمان والمكان والهدف والأدوات المناسبة، وبمعنى آخر تفويت الفرص على الأعداء بتجاوز أي فخ في حال كان هذا الفخ بالفعل موجود….لكن هناك سؤال مهم: هل حقق العدو الصهيوني هدفه من وراء الاغتيال؟

كل اغتيال يقوم به العدو الصهيوني يكون له أهداف، هناك أهداف معلنة وأهداف غير معلنة وأهداف مقصودة وأهداف غير مقصودة وأهداف مباشرة وأهداف غير مباشرة، والاغتيال لشخصية مهمة ومركزية لا يتم في يوم وليلة، بل يتم التخطيط والاعداد له منذ فترة، والعالم النووي فخري زاده تم ذكر اسمه على لسان نتنياهو والاعلان على أنه هدف للعدو منذ عامين على أقل تقدير، بمعنى أنه يتم التخطيط لاغتياله منذ عامين، لكن لماذا تم الاغتيال الآن؟

العدو يختار الوقت المناسب للاغتيال، وهذه المرحلة هي بالنسبة للعدو مناسبة بدليل أنه نفذ الاغتيال فيها، فالفترة الانتقالية الأمريكية هي فرصة وتعتبر فترة مثالية بالنسبة للعدو للعمل بدون تبعات، على الأقل بدون التبعات المباشرة للاغتيال، خصوصا في ظل وجود ترامب المهزوم والمهان والجريح، هذا بالإضافة لعرقلة البرنامج النووي الذي تحدث عنه الكثير من المحللين، لكن لنذهب سويا للتساؤل، هل كان الاغتيال نفسه هو الهدف للعدو؟ أم كان الاغتيال فخ لإيران؟ أم كان الاغتيال هدف وفخ بنفس الوقت؟

تصفية زادة تعتبر هدف، عرقلة السلاح النووي هدف آخر، افتعال حرب بين ايران وأمريكا أيضا هدف، التحليل وتوقع الأهداف من وراء الاغتيال مهم وجيد، لكن دائما مطلوب التركيز على الهدف الذي تم تحقيقه، العدو الآن حقق هدف وهو الاغتيال، بعد ذلك سواء كان هدفه عرقلة البرنامج النووي أو جر ايران لحرب مع أمريكا هذه تبقى أهداف ثانوية وأهداف محتملة أو متوقع حدوثها لكنها ليست أكيدة.

حتى موضوع رد إيران أو عدم ردها ليس هو الأساس بالنسبة للكثيرين، لماذا؟

إيران ليست تنظيم، أي بمعنى تلقت ضربة من العدو فتضغط على زر الرد مباشرة، إيران دولة كبيرة ولها حسابات بمستوى دولة، إيران ممكن تُضحي بالكثير بهدف تحقيق استراتيجياتها، وفي كثير من الأحيان ممكن ألا ترد مقابل أن يكون لها حضور إقليمي وبرنامج نووي، أي أن حسابات إيران تختلف عن حسابات التنظيمات، وعقلية الأحزاب لا تنسجم مع عقليتها، لذلك بعض التنظيمات تتمنى أن ترد ايران على جريمة الاغتيال اليوم قبل غدا، هم بذلك يطالبون ايران من منطلق عقلهم التنظيمي، لكن الدول عادة لا تستجيب الا لعقلها هي.

الحروب، لماذا وكيف تُخاض؟

“إسرائيل” عندما اجتاحت جنوب لبنان على أثر محاولة اغتيال لسفيرها في لندن، ورغم أن محاولة الاغتيال لم تنجح الا أنها احتلت جزء من جنوب لبنان، فالدول العسكرية النووية القوية لا تطلب الاذن من أحد عندما تشن الحروب، الاذن والذرائع للدول المُعربِدة ليس مقياس وهي ليست بحاجة لها عندما تشن حروب على الضعفاء، وفي المقابل تلك الدول تعمل حساباتها عندما تريد أن تخوض حرب مع دولة قوية مثل ايران، فمثلا بعض المحللين من محور المقاومة اعتبروا سحب الجنود الأمريكيين من أفغانستان وأماكن أخرى هو مقدمة حرب وليس من أجل السلام، وقد تم سحبهم كي لا يصبحوا هؤلاء الجنود أهدافا سهلة لإيران عند نشوب الحرب، لذلك الدول التي تريد خوض الحرب تعمل حساب لميزان قوتها هي وميزان لقوة خصمها، ولا تعمل حساب لكل الرغبات والأمنيات، وعندما احتلت أمريكا العراق لم تأخذ اذن من أحد، لذلك الدول القوية عندما تأخذ قرارات الحرب والسلام هي لا تحتاج لذرائع أو حتى أذونات.

لذلك قرار الحرب ضد إيران ليس بحاجة الى ذريعة، وانما هو بحاجة الى حسابات قوة، وهو بحاجة الى قرار محسوب لأنه ممكن أن يجر المنطقة كلها الى الحرب، بحاجة الى حساب من الطرفين، ولو أن “إسرائيل” وأمريكا مدركتين بأن ايران لا تمتلك قدرة ردع ورد عنيف لما صبروا لحظة على تدمير ايران ولن ينتظروا حتى لصناعة الذرائع، حسابات القوة والضعف هي التي تجعل من الدول أن تستخدم قوتها لمواجهة خصومها، لذلك اغتيال زاده كان هدف وليس لاستدراج ايران لحرب، وفي التحليل لا يجوز اعتبار تفويت فرصة استدراج ايران لحرب على أنها رد على اغتيال العالم النووي.

فلسفة الاغتيالات

عندما يُقدم العدو على اغتيال عالم نووي أو سياسي أو عسكري، ماذا يعني الاغتيال؟

عندما يغتال العدو رجل سياسي مثلا، لماذا يغتال رجل سياسي يبلغ من العمر 70 عام؟ وربما يعاني من أمراض مزمنة وربما يكون تقاعد وجلس في بيته ودوره السياسي هامشي وليس مركزي، أي أن القرار السياسي ليس بيده، اذن لماذا تغتاله؟ هنا الاغتيال يكون بالمعنى الردعي، أي أن الاغتيال عبارة عن رسالة من العدو بأن كل من يسير على طريق هذا السياسي ويفكر مثله سيتم قتله، وتلك الرسائل ليس بالضرورة تحقيقها، لأنه في كثير من الأحيان تزداد الشعوب تمسكا وعنادا واصرارا على تحقيق ذات الطريق. عندما تعلن “إسرائيل” بأنها اختطفت وحاكمت ثم اغتالت رجل ألماني عمره 90 عاما، ويكون هذا الشخص قد ساهم في محرقة اليهود، لماذا تقتله “إسرائيل” بينما لو تركت هذا الرجل فانه سيموت بسبب الأمراض وكِبر سنه؟ لكن العدو يريد إرسال رسائل ليس للرجل الذي قتله ولكن لغيره من الأحياء، وهذه هي فلسفة الاغتيالات.

العالم النووي زاده بغض النظر عن قيمته العلمية والتي بكل تأكيد له وزنه العلمي، اغتياله كان رسالة لكل العلماء، ومن المؤكد أن الهدف من وراء اغتيال العالم زاده ومن قبله من العلماء قد فشل ولم يحقق النتائج، لأن الاغتيال عند المبدئيين يزيدهم إصرارا وعطاء، “فإسرائيل” اغتالت علماء كُثر لكن لا يزال العلماء من بعدهم يسيرون بذات الطريق ويتقدمون أكثر فأكثر.

قاسم سليماني الذي اغتالته أمريكا هو عند إيران بوزن علماء ذرة وليس عالم واحد، له حضور في المنطقة يوازي قنابل نووية وليس قنبلة نووية، يوازيهم بعقله واصراره وعطاءه ومبدئيته، قاسم سليماني كان درة التاج بالنسبة للإيرانيين، والكل شاهد كيف خامنئي بكي عليه، والكل شاهد الملايين في جنازته، إيران صحيح خسرت قاسم سليماني وخسرت عالم نووي، والعدو كسب واستثمر وجود خلل أمني لدى خصمه، لذلك من المهم وضع الفكرة كما هي كي يتم استنفار العقل، ثم ان إيران ابتداء هل هي قادرة لأن تخوض حرب وهي لا تريد ذلك؟! قادرة تقصف العدو الصهيوني وهي لا تريد ذلك؟! قادرة تقتل علماء صهيونيين ولا تفعل؟! وهذا الكلام ليس موجها لإيران تحديدا ولكن هي اضاءة للنظر الى الدول كيف تتعاطى مع الأحداث، ولو خاضت دولة حربا دون حسابات نتيجة اغتيال عالم من علمائها، فإنها ربما تصبح كل الدولة في مهب الريح وستخسر عشرات العلماء والجنرالات والساسة في تلك الحرب، لذلك الدول تخوض صراعها بالطريقة التي ترتئيها هي وليس بما يرتئيه غيرها.

في النهاية هناك هدفان للاغتيال، هدف أكيد وهدف محتمل، الهدف الأكيد كلنا رأيناه وهو اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده، والهدف المحتمل هو جر ايران لحرب، وجر ايران الى حرب يبقى هدف محتمل حتى لو كانت نسبته 99%، لكن الهدف الأكيد والذي نسبته 100% هو الذي تم وهو اغتيال زاده، وهذا يذكرنا ببعض المحللين الذين يضعون هدفا محتملا من وراء دعم ايران للفصائل الفلسطينية ثم يذهبون بالقول بأن الهدف من وراء الدعم هو تشييع الناس، فينسون الهدف الأكيد وهو الدعم المالي والعسكري للفصائل ويتمسكون بالهدف المحتمل وهو تشيع الناس، لذلك من المهم جدا عدم تركيب الأهداف المحتملة على الأهداف الأكيدة حتى لا تصبح النظرة عرجاء والسياسة غير مبصرة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0