عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في كتاب ‘معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا’

قراءة في كتاب
‘معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا’ 
للكاتب السوري هاشم صالح

بقلم: صلاح الدين ياسين – المغرب

يعد هذا الكتاب من أبرز الأعمال التي عنيت بدراسة وتفكيك المرتكزات والمنطلقات الأساسية لعصر التنوير الفكري بأوروبا والذي يمكن وصفه بالرحم التي تمخضت عنها الحضارة الأوروبية الحديثة، حيث عرض مؤلفه للإسهامات الفكرية النوعية التي جاد بها فلاسفة التنوير والمعارك الكبرى التي خاضوها ضد أصوليي أوروبا في سبيل انتزاع أمتهم من براثن العصور الوسطى المظلمة ومن ثم دخول غمار عصر الحداثة.

وفي البداية، يفند الكاتب الرؤية التاريخية المغلوطة التي تعمد إلى المماثلة بين عصر التنوير والقرن 18 بفرنسا، إذ يفيد بأن التنوير تعود نشأته إلى القرن 17 بالتزامن مع ظهور العلم الحديث على يد غاليليو وديكارت ونيوتن وكيبلر ولايبنتز، والذي أفضى عمليا إلى تقويض النظرية العلمية التي وضع أسسها قدماء الإغريق وعلى وجه التحديد أرسطو وبطليموس وطاليس، والتي حولتها الكنيسة إلى إحدى مسلماتها اليقينية والمطلقة بعد أن تبنتها في القرن الثالث عشر بفضل الصيغة التوفيقية التي توصل إليها القديس توما الأكويني بين الدين والعلم. وبالتالي فقد شكل ظهور العلم الحديث خلال تلك الفترة تحديا غير مسبوق لهيبة الكنيسة التي كانت تصور نفسها على أنها الجهة الوحيدة القادرة على تفسير نظام الكون مستندة في ذلك إلى النصوص الدينية واللاهوتية:

 

“فعلم الفلك الذي أسسه بطليموس كان يقول بأن الأرض ثابتة، وأن الشمس تدور حولها كما هو واضح للعين المجردة. فنحن نلاحظ أن الشمس تشرق من الشرق صباحا، وتغرب في الغرب مساء، وبالتالي فإن لا مجال للشك في أن الشمس هي التي تتحرك وتدور حول الأرض. ولكننا نعلم أن العلم ينقض ملاحظة الحواس هذه ويثبت العكس: أي أن الأرض هي التي تدور حول الشمس على الرغم من كل المظاهر. وكان لهذه المقولة في زمن غاليليو وقع القنبلة على معاصريه. كانت تعني نقض إحدى العقائد التي لها قداسة العقائد الدينية لأن الكنيسة تبنتها كحقيقة لا تقبل النقاش”.

كما يفيد الكاتب بأن التنوير كان إنكليزيا في البداية قبل أن تهب نسائمه على فرنسا في القرن 18 ومن ثم إلى ألمانيا وباقي أرجاء أوروبا وأيضا أمريكا. فقد اتسمت إنكلترا بخصوصية لا مثيل لها في تلك الحقبة حيث نشأ التنوير الإنكليزي في كنف النظام السياسي والديني والإجتماعي نفسه. فبينما كانت فرنسا ترزح تحت وطأة الأصولية الكاثوليكية المتزمتة المتحالفة مع النظام الملكي الإستبدادي وتضيق الخناق على العقول النيرة، كان الإنكليز ينعمون بتعددية دينية ومذهبية (أو بالأحرى كان ثمة تعايش حذر بين المذاهب الثلاث الرئيسة: الأنجليكانية، الكاثوليكية، البروتستانتية) والتي أفرزت بالمحصلة تعددية سياسية وفكرية، وهذا ما يفسر لنا الإختلاف الكامن بين العلمانية الإنجليزية المعتدلة واللائكية الفرنسية المتطرفة في رفضها للدين.

وفي مجمل القول، فإن عصر التنوير الفكري بزغ أساسا كرد فعل على التعصب الديني الكهنوتي والأصولية الظلامية بوصفها نظاما دوغمائيا مغلقا على ذاته يزعم امتلاكه الحقيقة المطلقة والأزلية، فقد شهدت أوروبا خلال تلك الفترة حروبا وصرعات طاحنة بين المذاهب والطوائف الدينية المتناحرة مع ما رافقها من مذابح وأحداث مروعة أضعفت النسيج الإجتماعي لشعوب أوروبا، كما كانت الكنيسة تمارس وصاية مطلقة على عقول وأرواح الناس. ولذلك فقد نادى فلاسفة التنوير ببلورة إيمان عقلاني حر قائم على التسامح الديني وحرية الضمير والمعتقد، بما مفاده تحويل الإيمان إلى مسألة شخصية مرتبطة بضمير الفرد واعتقاده، فالفرد حر بأن يعتقد ما يشاء أو لا يؤمن على الإطلاق وفق ما يمليه عليه اقتناعه الشخصي دون إكراه أو إجبار من أية سلطة كانت:

“ضمن هذا الإطار نفهم سخط روسو في رسالته الشهيرة إلى فولتير عام 1756: إني ناقم مثلك على تدخل رجال الدين والدولة في ضمائرنا ودواخلنا. فالإيمان هو مسألة شخصية أو ينبغي أن يكون كذلك. ولا يحق لأي مخلوق على وجه الأرض أن يتحكم في دواخلنا وضمائرنا. الله وحده يعلم ما في ذات الصدور وليس البشر… وبالتالي فحرية الضمير والمعتقد أصبحت إحدى السمات الأساسية لذلك العصر المجيد. إنها تمثل الجوهر الحقيقي لروح التنوير.”

وعطفا على ذلك، فقد أعاد مفكرو التنوير صياغة العلاقة بين الدين والأخلاق، بحيث نشأ خلال تلك الحقبة تصور جديد عن الأخلاق العلمانية أو ما يسمى بعلمنة الأخلاق، ذلك أن فلاسفة أوروبا ملكوا الشجاعة الكافية لكي يفصلوا بين الأخلاق والدين في تحد للعقيدة اللاهوتية القروسطية، ومؤدى ذلك أنه ليس ضروريا أن تكون مؤمنا أو متدينا لكي تتحلى بالأخلاق الحميدة. وقد ضرب الفلاسفة مثلا على ذلك بفساد طبقة رجال الدين الذين لم يمنعهم تدينهم من استغلال عامة الناس البؤساء والمعدمين والإستئثار لأنفسهم بالثروات والخيرات. كما أن علمنة الأخلاق تعني من جهة ثانية وجوب معاملة جميع الناس معاملة أخلاقية متساوية وليس فقط بني جلدتنا الذين يشاركوننا ديننا أو طائفتنا.

 

إن ما سبق ذكره لا يعني بأن فلاسفة التنوير كانوا ملاحدة أو معادون للأديان، ذلك أن معظمهم كان يؤمن بوجود إله متعال حكيم بوصفه المهندس الأعظم للكون وواضع قوانين الطبيعة والناموس الكوني، غير أن ذلك لم يمنعهم في الوقت نفسه من إعمال قراءة نقدية في تراثهم الديني والنصوص اللاهوتية من أجل تنقيحها من العناصر اللاعقلانية والمضادة للمنطق (ألوهية المسيح، عقيدة التثليت، الخرافات…). هذا في حين لم يكن يمثل التيار الراديكالي الملحد الذي تبنى نظرة مادية للكون بزعامة “ديدرو”(صاحب الموسوعة الشهيرة) و”دولبارك” سوى أقلية بين تنويريي أوروبا.

إن أعلام التنوير لم يقفوا عند حد تحرير مفهوم الإيمان وتخليصه من شوائبه غير العقلانية، بل وضعوا نصب أعينهم أيضا تحرير فعل المعرفة ذاته من المرجعية اللاهوتية المقدسة وسلطة الماضي ومن ثم تأسيسه على العقل والتجربة المحسوسة، ومن هنا يمكن تفسير نشأة الإبستمولوجيا التي تعني حرفيا علم المعرفة أو نظرية المعرفة (في هذا الصدد ثمة اتجاه يتزعمه ديكارت يجزم بأن العقل الخالص هو مصدر المعرفة الحقة، تقابله في الضفة الأخرى النزعة التجريبية ومن بين روادها جون لوك التي تؤكد بأن المعرفة لا يمكن إدراكها إلا عن طريق الحواس والتجربة ). وما التنوير عند الفيلسوف الألماني كانط إلا القدرة على استخدام عقولنا والتفكير بحرية وباستقلال عن سلطة الآخرين:

“ويرى تودوروف أن أول شيء حرره فلاسفة التنوير هو فعل المعرفة ذاته. ففي العصور السابقة كان يكفي أن تقول قال المسيح كذا، أو قال الإنجيل كذا، أو قال القديسون وأباء الكنيسة كذا، لكي يصدقك الناس دون مناقشة. كانت المعرفة تعتمد على هيبة الأقدمين ورجال الدين. وأما بدءا من عصر التنوير فإن مرجعية المعرفة العليا لم تعد كذلك، وإنما أصبحت العقل والتجربة العملية.”

والحال أنه إذا كان أصوليو أوروبا قد سعوا إلى تأكيد ذاتهم في مواجهة أنوار الحداثة عن طريق الإستنجاد بسلطة الماضي والعقيدة اللاهوتية المترهلة، فإن الحداثة سعت إلى فرض وجودها بالإستناد إلى شرعية الإنجاز والإيمان بفكرة التقدم والوعد بمستقبل أفضل يضمن الرفاه والسعادة للبشرية جمعاء. والواقع أنه لا يمكن الفصل بين التقدم المادي أو الإقتصادي والتقدم الفكري كما يقول فولتير، ذلك أن الأفكار المستنيرة ما تلبث أن تنتشر في سياق تقدم الحياة الصناعية والتجارية (لا يفوتنا التنويه هنا بأن فلاسفة التنوير قدموا عمليا للبورجوازية الصاعدة أيديولوجية تمدها بأسباب وجودها وبقاءها)، هذا في حين أن أخلاقيات الزهد والتعفف والتواكل التي شجعت عليها الكنيسة كانت تتلاءم على وجه الخصوص مع أوضاع التخلف الإجتماعي التي كانت سائدة (فقر، جهل، أمية، أمراض، أوبئة…):

“هناك سمة أخرى لروح التنوير أو الفلسفة لا ينبغي إهمالها هي: أن السعادة الأرضية حلت محل الخلاص الأخروي للمسيحية، أو النجاة في الدار الآخرة كما يقول المسلمون. فالناس ما عادوا قادرين على أن ينتظروا العالم الآخر لكي يستمتعوا بالحياة وأطايبها، وإنما أصبحوا يطالبون بذلك فورا وأثناء الوجود الأرضي. وقد عرف فولتير المواطن الجيد بأنه ذلك الشخص الذي يساهم في إسعاد العالم من حوله. وقد عبر أحد قادة الثورة الأمريكية بنيامين فرانكلين عن ذلك عندما قال: إن أفضل عبادة نقدمها لله هي أن نفعل الخير للبشر…”

 

إن فلاسفة الأنوار لم يناضلوا فقط من أجل تحرير الشعوب الأوروبية وإنما في سبيل خلاص البشرية جمعاء، فقد اعتنقوا الكوسموبوليتية (المواطنة العالمية أو الكونية) كعقيدة ناظمة لأفكارهم ورفضوا تبني النزعة القومية الشوفينية الضيقة التي جلبت الكثير من الويلات على شعوب أوروبا. وهذا ما حذا ببعض مناهضي السياسات الكولونيالية الغربية إلى تحميل فلاسفة التنوير المسؤولية الأخلاقية والمعنوية عن تلك الحملات الإستعمارية لكونهم وفروا غطاء أيديولوجيا لها بزعم السعي إلى تحضير (من حضارة) تلك الشعوب الواقعة تحت نير الإستعمار وتخليصها من أوضاع التخلف والرجعية.

غير أن المؤلف يحذرنا من الإنسياق وراء تلك النظرة اللاتاريخية المجتزأة، ويؤكد في المقابل بأن الحملات الإستعمارية الشرسة التي شنتها دول أوروبا على الشعوب المستضعفة وما رافقها من مجازر ووقائع تاريخية مؤسفة تعد حرفا لفلسفة التنوير عن مسارها الحقيقي وتشويها لروحها وجوهرها، بدليل أن تلك الحملات وإن تشدقت بمبادئ التنوير الكونية فإنها كانت تستبطن أجندة تهدف إلى خدمة المصالح القومية الضيقة لتلك الدول الكولونيالية (نهب موارد وخيرات تلك الدول، تحقيق مصالح جيوسياسية…) وهو ما يتنافى مع التوجه الكوسموبوليتي لتنويريي أوروبا.

وإذا كان فلاسفة أوروبا في القرن 18 قد انصرف همهم الأساسي إلى نقد وهدم العقائد القديمة وتبيان مواطن العجز والفساد الكامنة فيها كمدخل ضروري لولوج عصر الحداثة، فإن تنويريي القرن 19 وفي مقدمتهم “سان سيمون” الذي ينظر إليه على أنه مؤسس العلوم الإنسانية وتلميذه “أوغست كونت” قد اعتبروا بأنه آن الأوان لكي نترك مرحلة النقد والتفكيك خلف ظهورنا وندشن مرحلة البناء والتنظيم من خلال العمل على إرساء أسس نظام اجتماعي واقتصادي جديد قائم على الإيمان الأعمى والمطلق بممكنات وآفاق العلم والصناعة لكي ينهض على أنقاض النظام الإقطاعي الزراعي القديم الذي كان علامة على تخلف أوروبا، ومن هنا يمكن تفسير نشأة الفلسفة الوضعية لرائدها أوغست كونت والذي يعد أيضا مؤسس السوسيولوجيا أو علم الإجتماع الحديث:

“فالفلسفة الوضعية التي رافقت صعود العصر الصناعي في الغرب كانت تعتقد بأن على العلم أن يحل محل الدين كذروة عليا لتشريع المعرفة وكل نشاط بشري على وجه الأرض. وهذه الثقة بالعلم والتكنولوجيا كانت مطلقة في ذلك الوقت. بعدئذ سوف تحصل الصدمات والخيبات، وسوف نكتشف أن العلم ليس كله خيرا وإنما له جوانب سلبية أو ضارة أو مدمرة أحيانا. ولكن في ذلك الوقت، أي في عصر أوغست كونت وأستاذه سان سيمون، ما كانت هذه المسائل تخطر على بال أحد قط. كان العلم يشكل هدفا مطلقا. كانوا يريدون الخروج من المجتمع الزراعي، الإقطاعي، الأصولي، المتخلف، والدخول في العصر الصناعي والتكنولوجي المتقدم.”

والحال أن الدفع بالفلسفة الوضعية المجردة من أي مضمون عاطفي أو وجداني إلى حدودها القصوى هو الذي أفضى إلى حدوث تشوهات في مبادئ التنوير الأصلية وحرفها عن جوهرها، بحيث أمعنت الحضارة الغربية الحديثة في النزعة المادية الإستهلاكية المحضة من دون أن تنطوي على أي مضمون إنساني أو روحي، وهو ما أفضى لاحقا إلى ظهور نظرية ما بعد الحداثة أو نقد الحداثة في منتصف القرن 20 كمحاولة لتصويب وتقويم الإنحرافات التي حصلت في مسار الحداثة وإضفاء بعد أخلاقي وإنساني عليها:

“ولكن ربما كان اختلال التوازن الذي تعانيه هذه الحداثة يعود إلى عدم التساوق بين الجانب الروحي أو الأخلاقي والجانب العلمي والتكنولوجي. فالثاني حقق تقدما كبيرا في حين أن الأول لم يتقدم للأسف الشديد بالمستوى نفسه. بمعنى آخر: فإن الشهوات المادية والإستهلاك الإقتصادي والأنانيات والمتع تغلبت في نهاية المطاف على كل وازع أخلاقي أو ديني.”

 

 

وبالرغم من أن الكاتب يعتبر بأن نقد الحداثة أو بالأحرى الإنحرافات التي شابت مسارها يعد ضرورة تاريخية في الغرب الصناعي لضمان التوازن بين التقدم المادي والجانب القيمي والروحي الذي لا يقل أهمية عن سابقه، فإنه يحذر في الوقت نفسه من نقل نظريات ما بعد الحداثة إلى البيئة العربية لكونها غير مهيأة بعد لاستقبالها واستيعابها، ذلك أن عملية النقد والتفكيك وإعادة التركيب تكون لاحقة للتجربة والممارسة العملية وليس العكس، والحال أن عالمنا العربي والإسلامي لم يدخل بعد غمار التحديث ولازلنا نعيش مرحلة ما قبل الحداثة:

“لذلك قلت أكثر من مرة في مقالاتي السابقة بأن نقد الحداثة أو التنوير يبدو خطرا بالنسبة إلى الجمهور العربي أو الإسلامي الذي هو في أمس الحاجة إلى التنوير. وبالتالي فلا ينبغي نقل نظريات ما بعد الحداثة إلى الساحة العربية قبل نقل نظرية الحداثة نفسها. فقد يتوهم الجمهور الإسلامي أو العربي أن التنوير شيء سلبي بدليل أن فلاسفة أوروبا وأمريكا ينتقدونه، وهو لا يعرف عندئذ بأنهم ينتقدون الشوائب السلبية التي لحقت بتجربته طوال القرنين الماضيين، ولا ينتقدون جوهره أو مضمونه. ولا يريدون بأي شكل العودة إلى ما قبل التنوير والحداثة: أي إلى عصور التزمت والأصولية اللاهوتية القديمة.”

وفي الختام، سنعمل على استنباط أهم التوصيات التي ضمنها الكاتب في مؤلفه هذا والتي تعد بمثابة نبراس تستضيء به الأنتلجنسيا العربية (النخبة المثقفة) في سعيها لإلحاق العالم العربي والإسلامي بركب التنوير والحداثة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

– لقد زرع فلاسفة أوروبا الكبار بأفكارهم النيرة (فولتير، روسو، ديدرو، نيوتن، جون لوك، كانط، هيغل…) بذور الحداثة الغربية، ذلك أن أوروبا الحديثة مدينة بتقدمها ونهضتها لفلاسفة التنوير الذين كان لهم قصب السبق في تحريك جمود القرون الوسطى وشق الطريق لولوج عصر الحداثة في شتى المجالات السياسية والإقتصادية والعلمية والفكرية…. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل بحسب الكاتب على أن التنوير يسبق التحرير، بمعنى أن نهضة الفكر تكون سابقة على التقدم السياسي والمادي الذي لا يأتي من فراغ وإنما يفترض وجود حاضنة فكرية تشكل نواة له. وهذه بمثابة رسالة ضمنية إلى مفكرينا ومثقفينا للنهوض بمسؤوليتهم التاريخية في أفق بلورة مشروع تنويري عربي متكامل وواضح المعالم بما يتناسب مع الحاجة التاريخية لمنطقتنا العربية والرهانات الملحة التي تنتصب أمامنا.

– إن فلاسفة التنوير لم يعيشوا طويلا ليقطفوا ثمار الأعمال والتضحيات التي بذلوها، إذ استغرق نجاح المشروع التنويري في أوروبا حوالي قرنين من الزمن قبل أن تتم بلورته على أرض الواقع ويستبطنه الوعي الجمعي للشعوب، ولكن هؤلاء كانوا يدركون ببصيرتهم النفاذة أن الأجيال اللاحقة ستحصد البذور التي زرعوها بأيديهم ولم يكونوا أنانيين. وبالتالي فإن بيت القصيد هنا هو أن التغيير هو عبارة عن سيرورة مركبة ومتدرجة ويتم تحقيقه عبر مراحل، لذا لا ينبغي استعجال حدوثه أو الركون إلى اليأس إذا ما اعترضته عراقيل ومطبات تعيق تقدمه، فالتاريخ يعلمنا بأن التقدم لا يسير وفق منحنى تصاعدي وإنما تتخلل مسيرته المتعرجة فترات مد وجزر إلى أن يصل إلى بر الأمان.

– لقد عانى فلاسفة أوروبا الأمرين وتمت ملاحقتهم واضطهادهم من قبل الأصوليين الذين بذلوا ما وسعهم من جهد لوقف زحف التنوير والتشبث بالأوضاع السابقة في وقت كان فيه هؤلاء يحظون بتأثير ونفوذ قوي على أذهان وأرواح عامة الناس الذين لم يستوعبوا بسهولة الأفكار المستنيرة. وعليه فإن نجاح مشروع التنوير لا يمكن أن يتم دون بذل تضحيات جسام لأنه ليس من الهين تقويض العقائد المتجذرة زمنيا بين عشية وضحاها. يحيلنا ما سبق إلى التصور العقلاني والحتمي للتاريخ عند هيغل، فهو يرى بأن حتى الأحداث التاريخية المؤسفة والمروعة تحركها غاية عقلانية تفضي في المحصلة إلى تحقيق التقدم، فلولا الحروب الأهلية والصراعات المذهبية والطائفية التي نخرت جسد أوروبا في تلك الحقبة لما تولدت الحاجة إلى ظهور فكر التنوير الذي انتشلها من الظلمات التي كانت تغشاها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0