عروض كتب مختارات مقالات

عرض كتاب فتوح مصر وأخبارها

كتاب كل يوم جمعة

مع مؤرخي مصر الإسلامية (1/4) فتوح مصر

بقلم/ وسام محمد
عودة للتاريخ، ولكن هذه المرة الرحلة مع مؤرخي مصر الإسلامية، في محاولة لاستكشاف أهم مصادر تاريخ مصر الإسلامية وأهم مؤرخيها ومناهجهم؛ ولما كان هذا هو هدف الرحلة، فكان لابد أن نبدأ مع (ابن عبد الحكم) وكتابه (فتوح مصر)، والذي يكاد أن يكون أول ما دُونَ باللغة العربية حول تاريخ مصر في العهد الإسلامي، كما أن من دونه كان مصري المولد والمقام والوفاة.
قسم المؤلف كتابه سبعة أقسام، كل قسم أوقفه على موضوع مستقل، وإن كنت أرى أن الكتاب في واقع الحال كتابين، تاريخي وشرعي، فأما التاريخي ويغطي تاريخ مصر منذ أقدم العصور وحتى سنة 246هـ، ويشمل الأقسام الخمسة من تقسيم المؤلف، ويشتمل الشرعي على القسمين الأخيرين.
القسم الأول، يخصصه لتاريخ مصر قبل الإسلام، بادئ بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بقبط مصر، وفضائل مصر، ثم ينتقل إلى ما وقف عليه من تاريخ مصر في هذه الفترة، والعرض التاريخي في هذا القسم يعتمد على ما هو متداول بين المؤرخين المسلمين في هذه الفترة من روايات، ومنها الكثير من اختراعات القصاص أو الإسرائيليات المختلقة؛ ثم ينتقل إلى القسم الثاني والذي يخصصه لفتح مصر، ويبدأه برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للمقوقس، ثم ذكر اتصال عمرو بن العاص بمصر في جاهليته، وسعيه في فتح مصر، ثم ما كان من حوادث فتح مصر، مناقشًا ما إذا كان فتح مصر صلحًا أم عنوة؛ ثم يأتي القسم الثالث وموضوعه التنظيم الإداري الذي اتخذه عمرو في مصر؛ أما القسم الرابع، فيعود فيه المؤلف إلى معالجة مسائل الفتح، ويتناول أعمال اعتبرها مكملة لفتح مصر في النوبة وغرب مصر؛ ومن هذا القسم إلى القسم الخامس، راصدًا تحول مصر لقاعدة للفتح في شمال أفريقيا، إلى أن ينتهي بفتح الأندلس.
القسم السادس والسابع، أقرب إلى مرجع شرعي للمصريين، حيث يرصد في القسم السادس سير قضاة مصر وقضاءاتهم الهامة، بينما يرصد في القسم السابع رواه الأحاديث ممن نزل مصر من الصحابة وتابعيهم، والأحاديث التي نقلت عنهم.
بمراجعة اسانيد ابن عبد الحكم في كتابه (فتوح مصر) نجد أنه قد اعتمد على عدة رواة، مثل (يزيد بن أبي حبيب) و(عبد الله بن لهيعة) و(يحي بن بكير)؛ وهؤلاء الرواة قد اشتهروا بتتبعهم للروايات المتعلقة بفتح مصر وعنايتهم بها؛ كما أن ابن عبد الحكم، وهو تلميذ أهم مدرسة حديثية في زمانه، مدرسة الإمام مالك، يستخدم مناهج علم الحديث لتخليص الروايات التي بلغته من أكاذيب ومبالغات القصاص، مفتشًا عن الروايات الدقيقة ليثبتها، ومع ذلك فهو يقدم عملًا تأريخيًا، وليس مجموعة حديثية، معتبرًا الدوافع والأسباب والنتائج في تناوله الأحداث، مستخدمًا تصنيفًا موضوعيًا للحوادث التاريخية وليس حوليًا على ما جرت عليه عادة المؤرخ المسلم في هذا الزمان، وهذا الأمر وحده كفيل بأن يضع ابن عبد الحكم بين المقدمين من المؤرخين؛ كما يجب الإشارة إلى محاولة التماس فائدة تاريخية من الأثار المتناثرة في مصر، وهذا المحاولة التي لم تسفر عن نجاحًا وإن كانت تحسب له.
مؤلف الكتاب (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم) يكاد يكون أول مسلم مصري يؤرخ لمصر الإسلامية. والمؤلف أحد أبناء أسرة من أهم الاسر العلمية التي عاشت في مصر بين القرنين الثاني والثالث الهجري، وساهمت في تشكيل هوية مصر الثقافية في ذلك الوقت، بل أزعم أن أثرهم لا يزال مستمرًا لليوم، وهذه الأسرة، (بني عبد الحكم)، اسرة عربية نزحت إلى مصر، واستوطنت (الفسطاط) عاصمة مصر يومئذ، وكان عميد الأسرة، والد المؤلف، عبد الله بن عبد الحكم، تلميذًا لإمام أهل المدينة (مالك بن أنس)، ووصفه علماء الرجال والطبقات بأنه (عقل مذهب مالك، وفرع على أصوله)، كما أخذ عن عالم مصر (الليث بن سعد)، وعندما نزل (الشافعي) مصر، حل ضيفًا على ابن عبد الحكم، ثم لم يلبس أن آلت لـ (عبد الله بن عبد الحكم) رئاسة المالكية في مصر، وظلت رئاسة المذهب في أسرته بعده، وكان مؤلفنا وأخوته الثلاثة من أعلام المدرسة المالكية في مصر، وعندما شن المأمون حملة الإرهاب الفكري التي عرفت تاريخيًا باسم فتنة خلق القرآن، رفض بنو عبد الحكم الانصياع لإرهاب المأمون، مما جر عليهم المتاعب، فجردوا من وظائفهم وصودرت أموالهم وتعرضوا للسجن والتنكيل، حتى انتهت هذه الحقبة، ولكنهم خرجوا منها منهكين، فاعتزلوا الحياة العامة، وانكفئوا على البحث العلمي والتدريس.
على الرغم أن الكتاب كان معروف ومحفوظ في المكتبات وخزان الكتب العامة والخاصة، إلا أنه تأخر طباعته حتى عام 1922، حيث قام على تحقيقه وطباعته المستشرق الأمريكي تشارلز توري، وقد صدرت طبعته برعاية منشورات جامعة يل الأمريكية؛ وقد أشار توري على غلاف طبعته أنه حقق الكتاب على النسخ المخطوطة المحفوظة لندن وباريس وليدن، ولكن مع ذلك جاءت النسخة مليئة بالتصحيف والتحريف؛ والعجيب أن هذه النسخة بالذات هي التي اعتمد عليها معظم من أعاد نشر الكتاب من الناشرين العرب. وقد قام الأديب والمحقق محمد صبيح بتنقيح نسخة توري ونشرها معنونه (فتوح مصر وأخبارها)، وهذه النسخة أعيد نشرها ضمن سلسلة صفحات من تاريخ مصر الصادرة عن مكتبة مدبولي القاهرية ؛ كما قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية بطباعة الكتاب في مجلدين بتحقيق عبد المنعم عامر معنونه (فتوح مصر والمغرب)، والأولى أجود.
مودتي.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0