تنمية سياسة صحة عامة وطب مجتمع مختارات مقالات

ذوو الإعاقة بين النزاع المسلح والأزمات

بقلم/ ربا الأطرش

يمكن اعتبار نظرة المجتمع تجاه ذوي الإعاقة “دونيّة”، حيث النبذ والعنف والتنمر والإهمال هي الحالات التي تتسيّد الموقف إزاءه، علاوة على عنف ليس أقل وطأة كالتعامل في إطار الشفقة والعطف، وهي في مضمونها تمييز ينبع من تلك النظرة المجتمعية.
لكن نظرة المجتمع هذه، بالإضافة إلى المراجعة الجامعة للأخطاء ونقد الذات، أدت في وقت لاحق إلى تقييم ذوي الإعاقة بشكل علمي وبعيد عن التمييز مع مراعاة التمايز فيما بينهم وبين الآخرين، بحيث يتم استخدام عبارات مثل “ذوي الإعاقة”، للإشارة إلى الأفراد الذين لديهم عاهة بدنية أو ذهنية أو نفسية موروثة أو مكتسبة، تلك التي تحول دون ممارستهم حيواتهم المتعددة بشكل طبيعي على قدم المساواة مع أقرانهم الآخرين.

#المساواة_والمواطنة :
“المساواة” هي الكلمة الرئيسية في هذه المقاربة الجديدة لمسألة “ذوي الإعاقة”، حيث أخذت المؤسسات الدولية على عاتقها العمل على خلق بيئة اجتماعية سليمة، يمكن فيها لذوي الإعاقة أن يتمتعوا بحقوقهم كبشر، كمواطنين، ومواجهة جميع أشكال التمييز على أساس الإعاقة من عدمها.
ويأتي في هذا السياق، العهدان الدوليان لحقوق الإنسان الصادران في العام 1966 وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تبعه إعلان خاص بحقوق المعوقين العام 1975، وكذلك إبرام اتفاقية حقوق المعاقين العام 2006، فقد حرصت تلك المواثيق جميعاً على تحديد وحماية الحقوق التي يتمتع بها الفرد المصاب بعاهة أو إعاقة وخلق بيئة مناسبة له، تمكنه من أن لعب دورٍ فاعلٍ في المجتمع، وحتى أن يبدع في كافة المجالات التي تستهويه.

المساواة وحدها غير كافية :
وتم اعتماد تسمية “ذوي الاحتياجات الخاصة” كمصطلح للإشارة ليس إلى المعوقين فحسب، بل إلى شريحة أوسع من الناس، تتضمن من لديهم إعاقة أو حتى من ليست لديهم إعاقة لكنهم بحاجة إلى دعم وعناية محددة، مثل المبدعين في أي من المجالات العلمية أو الفنية أو ما شابه.
وعرّف بعض المختصين هذه الشريحة على أنهم: أفراد يعانون نتيجة عوامل وراثية أو بيئية مكتسبة، من قصور في القدرة على تعلم أو اكتساب خبرات أو مهارات أو القيام بأعمال يقوم بها الفرد العادي السليم المماثل لهم في السن والخلفية الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ولذلك، تصبح له احتياجات خاصة، يتحتّم على المجتمع أن يصونها ويوفيها له، إضافة إلى احتياجات الفرد العادي.. من هنا نرى أن مبدأ المساواة من زاوية الفهم ميكانيكية للأمور، ليس هو المطلوب؛ نظراً لوجود احتياجات خاصة على الدولة والمجتمع أو حتى على المجتمع الدولي توفيرها لهذه الشريحة من الناس؛ لتمكينها من ممارسة دورها على مختلف مستويات الحياة الاجتماعية وتفجير طاقاتها الخلاقة والمبدعة. وقد رأينا الكثيرين من ذوي الإعاقة الذين أبدعوا في مجالات عدة مثل الفنون والعلوم والرياضة مثل العالم الإنجليزي الراحل ستيفن هوكينز.

سوريا ليست استثناءً:
حرص المشرّع السوري، وانسجاماً مع القوانين الدولية، على سنّ قوانين وتشريعات عصرية لحماية حقوق ذوي الإعاقة أو ذوي الاحتياجات الخاصة. وقد سهرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على تطبيق العديد من القوانين التي حرصت على تقديم التسهيلات لذوي الإعاقة، والتي تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، منح الأولوية للتوظيف في بعض المهن الإدارية، التي لا تعتمد على المجهود العضلي للأشخاص الذين لديهم إعاقات جسدية، لا تحول دون تمكنهم من أداء الأعمال المكتبية بشكل طبيعي.
كما حرصت الوزارات المعنية على تأمين التأهيل اللازم لذوي الاحتياجات الخاصة من المصابين بنوع معين من الإعاقة؛ كالصم والبكم والمكفوفين، بحيث افتتحت مدارس خاصة لتدريبهم وتأهيلهم، ليتمكنوا من تجاوز العقبات التي وضعتها إعاقتهم في طريق تحصيلهم العلمي، وليصبحوا مواطنين منتجين قادرين على التفاعل مع محيطهم الاجتماعي.
ويضاف إلى ذلك، افتتاح بعض المراكز المتخصصة بتأهيل الأطفال المصابين بمتلازمة داون أو الذين يعانون من حالات توحد.
وتساهم مؤسسات المجتمع الأهلي في عدة مدن كبرى في سوريا بتقديم العون في هذا المجال، إلا أن الملاحظ في عدّة مناطق نامية، أنه لم يكن هناك عمل مؤسسي بالقدر المطلوب؛ نظراً لحاجة عدّة مناطق سورية إلى عمل تنموي مؤسساتي، بما في ذلك تأمين البنى التحتية، وخصوصاً في المناطق الشمالية الشرقية والمناطق الريفية في مختلف المحافظات.
ورغم بذل مؤسسات الدولة السورية جهوداً كبيرة في تقديم الدعم لهذه الفئة من الناس، إلا أنه لا تزال هناك حاجة ماسة لتنمية وتطوير البيئة الاجتماعية عموماً في المناطق المذكورة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجاباً بشكل مباشر على وضع مختلف فئات المجتمع هناك، ولا سيما على الوضع الاجتماعي لذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة.. ومن المهم التركيز على الوضع الاجتماعي والمعيشي لذوي الإعاقة، الذي يرتبط مباشرة بجودة الحياة في البيئة المحيطة به ومدى تطورها أو تخلّفها.

تداعيات الصراع:
في ظروف الكوارث والنزاعات المسلحة وتعثر عجلة الحياة الطبيعية، يصبح عمل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في تقديم الدعم اللازم أمراً في غاية الصعوبة، ناهيك عن صعوبة إجراء إحصائيات دقيقة.
إلا أن تقريراً من إعداد ستيفن تومسن، والتابع لمعهد الدراسات والتطوير في العام 2017، أشار إلى أنه قبل بدء النزاع المسلح في سوريا، كانت البيانات الخاصة بالإعاقة محدودة بسبب قلة البحث المتخصص في هذا المجال والوصمة الاجتماعي السلبية، وفق ما أشارت مؤسسة سعيد في العام 2009، وبعد جمع البيانات الدقيقة حول الإعاقة والإعاقة في الحالات الطارئة الأكثر صعوبة وتعقيداً وفق تقرير “سنيكر” للعام 2014، تم الإشارة إلى أن نسبة الإعاقة في المجتمع السوري كانت 1% في العام 1981 وانخفضت إلى 8ر0 في العام 1993، حسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية في العام 2011.
وفي العام 1993 كان لافتاً أن النسب كانت متقاربة في الريف والمناطق الحضرية، في حين فاق عدد الرجال من ذوي الإعاقة (1%) عدد النساء (6ر0%)، بينما ترتفع نسب الإعاقة لمن يزيد أعمارهم عن 65 عاماً لتصل إلى ما نسبته 9ر1%، وفق تقرير لـ (USAID) في العام 2017.

وفي العام 2009، قدّر عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا بنحو 2 مليون شخص، منهم أكثر من 700 ألف طفل، بحيث ارتفعت نسبة الإعاقة إلى 10% من السكان، حسب مؤسسة سعيد في العام 2009، وكان مخططاً إجراء مسح شامل حول الإعاقة في سوريا ينتهي العام 2012، حسب “سوريا تايمز”، لكن لم يتضح إذا ما تم الانتهاء منه من عدمه.
وفي العام 2012 أفادت إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية أن 4638 شخصاً من ذوي الإعاقة مسجلين في 59 مؤسسة رعاية اجتماعية، منها 27 مؤسسة حكومية، موزعين ما بين مصابين بالعمى والصمم والشلل الدماغي والإعاقة الجسدية.
ومن اللافت، وحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية في العام 2016، الإشارة إلى إصابة ثلاثين ألف شخص شهرياً بسبب الصراع في سوريا، سيعاني الكثير منهم من إعاقات مدى الحياة، وأن 30% من حالات الصدمات ستؤدي إلى إعاقات دائمة تتطلب رعاية تأهيلية طويلة الأمد، في حين أشارت المنظمة ذاتها في العام 2017 إلى أن واحداً من كل خمسة سوريين يعاني من مشاكل نفسية متوسطة، فيما يتعرض واحداً من كل ثلاثين سورياً لخطر تطوير احتياجات صحية نفسية حادة أو حادة جداً.
ويجب على الدولة والمجتمع السوري مواجهة هذه الصعوبات في مجال دعم الأفراد ذوي الإعاقة، خاصة أن المعطيات المتاحة اليوم، غير دقيقة؛ نظراً لكونها مقدّمة من قبل جهات إعلامية غير بعيدة عن التسييس، ما يصعّب مهمّتي كل من مؤسسات الدولة السورية والمنظمات الدولية المعنيّة من جهة أخرى.
وقد أشارت بعض المعطيات الإعلاميّة أن تعداد ذوي الإعاقة، وصل خلال السنوات الأخيرة إلى ما يقارب 3 ملايين شخص. وتذكر بعض التقارير الإعلامية، المستندة إلى مصادر حكومية، أن تعداد من شملهم التصنيف الوطني للإعاقة يناهز 200 ألف شخص مع الإشارة إلى أن التعداد الحقيقي المتوقع هو أكبر من ذلك بكثير.
كما أشارت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها العام 2017، إلى أنه حسب اختصاصيين عاملين في قطاع التربية والتعليم، تمثل فئة أصحاب الإعاقة بين الأطفال حوالي 10٪ من طلاب المدارس، حيث تعمل المؤسسات التربوية على تقديم الدعم اللازم لهم لدمجهم مع أقرانهم وتأهيلهم. لكن تدهور الوضع المعيشي العام، الناتج عشر سنوات من الحرب وتدمير البنى التحتية للاقتصاد السوري وتوقف الكثير من المؤسسات عن العمل، وكذلك العقوبات والحصار الدولي والإقليمي، أدى بشكل عام إلى تدهور الوضع الاجتماعي العام، ما من شأنه ينعكس بشكل تلقائي على أوضاع الفئات الأضعف في المجتمع كالنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة من مختلف هذه الفئات.
وتقع مسؤولية إعالة الأسر على شخص أو إثنين عادة، ولكن في هذه الظروف الراهنة، أدى الدمار الكبير في البنية التحتية الصناعية والزراعية والتجارية والطرقية والخدمية، إلى تعطل الكثير من المعيلين عن العمل. كما أن تدمير المناطق السكنية ضمن نحو 60٪ من المناطق التي كانت مأهولة سابقاً، أدى إلى أزمة هجرة، ما اكم على العديد من الأسر، أعباء ماديّة تضاف إلى عوامل أخرى كالبطالة. لقد زاد تعقيد مهمّة تأمين بيئة اجتماعية واقتصادية مناسبة للأسر التي يوجد فيها أفراد ذوو إعاقة واحتياجات خاصة.
كما أن ظروف المواجهات المسلحة، ساهمت في تزايد عدد المعاقين؛ جراء الإصابة خلال المواجهات أو أثناء تعرض منطقة ما للقصف.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النسبة الأكبر ممن أصيبوا بإعاقات من هذا النوع هم من الرجال في سن العمل (18-45 سنة)، حسب التقرير سابق الذكر (منظمة الصحة العالمية 2017).

الاقتصاد والإعاقة:
إن العبء الاقتصادي الذي حملته ظروف سنة 2020 على سوريا عموماً، والأسرة السورية بشكل خاص، كان ثقيلاً. فقد عانت سوريا، شأنها شأن كل دول العالم، وطأة انتشار جائحة كوفيد-19، التي أدت إلى توقف عجلة الاقتصاد العالمي وتوقف حركة الاستيراد والتصدير. كما دخلت عدة حزم جديدة من العقوبات الغربيّة ضد سوريا، حيز التنفيذ في ما يسمى بقانون قيصر، الذي أدى بدوره إلى تفاقم الوضع الاقتصادي المتدهور؛ جراء الحرب والظرف المرتبط بانتشار جائحة كورونا. لقد أفضى تشديد العقوبات المفروضة على البلاد إلى حرمانها من استيراد المتطلبات الأساسية؛ كالأدوية والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية كالقمح وغيره من المواد الحيوية، مما شكل تحدياً مؤلماً الاقتصاد المحلي، انعكس بشكل مباشر على الوضع المعيشي للسكان في البلاد، وعقّد مسألة تأمين بيئة اجتماعية مناسبة لرعاية ودعم ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة ضمن المعايير والشروط التي حددتها القوانين الدولية والمحلية، المعنيّة بحماية حقوق ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة. وبات من الضروري في خضم الوضع الراهن أن نشير إلى أهمية عودة الاستقرار ووقف مخاطر نشوب مواجهات مسلحة وضرورة إيجاد حل للأزمة التي تعاني منها سوريا.

لقد مسّ ضرر العقوبات الفئات الأكثر ضعفاً وحيلة في المجتمع السوري من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، وبخاصة في المناطق الطرفية أو التي تعاني هشاشة الاستقرار، مما يصعبّ على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، المحلية والعربية والإقليمية والدولية، مهمة توفير حد معقول من الحياة اللائقة لهذه الفئة التي كان لها مظالم ومطالب؛ حتى في أيام السلم والازدهار. فكيف يكون حالهم الآن؟

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0