ثقافة عروض كتب قادة وأعلام مختارات مقالات

التعامي: عن كتاب الدكتور احمد يوسف الإنسان والسياسي والمفكر

بقلم/ حسني العطار

لما أعلن الدكتور أحمد يوسف عن قرب صدور كتاب للباحث الدكتور أحمد دلول تحت عنوان (الدكتور أحمد يوسف الإنسان والسياسي والمفكر)، وكان ذلك في شهر إبريل من هذا العالم 2020م، وجدت ترحيبا من غالبية المتابعين تقريبا بهذا الكتاب وخصوصا أن صاحب السيرة شخصية تلقى احتراما وتقديرا من غالب ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.
لكنني وجدت تعليقا لفت نظري في حينه كتب صاحبه يقول، وأنا أنقل نفس كلماته:
(مع احترامي الشديد دكتور لك، اتمنى ان يكون الكتاب صريحاً وواضحاً، قراءتي الشخصية لمسيرة حياتك تقول أن مسيرتك لا تحتوي على تجربة سياسية حقيقية أثمرت فعلاً سياسياً، تنظيمك السياسي التي خدمت عمرك فيه لم تستطيع ان تغير فيه شيء، وتكاد تقول لنا اليوم أنك خارجه ولا علاقة لمساره في شيء ، وهذا قمة الفشل لإنسان أفنى عمره في مشروع وفي نهاية المطاف كان مشروعاُ فاشلاً لم يساهم في انقاذه).
هذا التعليق كتبه أحدهم يوم أعلن الدكتور أحمد يوسف عن اقتراب ظهور كتاب للدكتور أحمد دلول يتحدث فيه عن الدكتور أحمد ومسيرة حياته ومن جوانب متعددة، لكن البعض منا يحب أن يسبق الأحداث فيدلي بدلوه المخروم، دون قاعدة من العلم والمعرفة والاطلاع.
في نفس الوقت تعودنا على خلط الأوراق لأننا لا نملك القدرة على دراسة الحدث جيدا، ولا نملك خلفية معرفية عما نتحدث، ثم نستكثر أن يكون بيننا من يستحق وبجدارة الكتابة عنه، ويغفل هذا وذاك أن شعبنا يمتلك من القدرات والطاقات ما يفتقر لأمثاله مجتمعات مستقرة ولا تعاني 10% مما يعانيه شعبنا.
لماذا لا نستغرب ولا يأخذنا العجب لما نجد عشرة كتب أو أكثر عن راقصة أو لاعب كرة قدم أو طائرة أو سلة، أو مطرب حواري، مايكل جاكسون المغني الأمريكي كتب عنه في حياته أكثر من 130 كتابا، ولم نجد أحدا يستغرب بل تجد رواجا لهذه الكتب حتى أن بعضها تطبع منه مئات الآلاف من النسخ.
وفي نفس الإطار نجد ممثلة (مارلي مورنو) يكتب عنها مئات الكتب، ولا أحد يعترض.
أما في حالتنا فنجد الاستهجان يوم نجد كتابا يصدر يتكلم عن (فلان)، والذي كانت حياته فيها من الحركة والتجارب ومعايشة كثير من الأحداث وعلى اطلاع على كثير من خفايا الأحداث التي حدثت في حياته، وكأننا ارتكبنا جريمة لا تغتفر.
لماذا ننتظر لحظة موت (فلان) حتى نكتب عنه، ما المانع أن نكتب في حياته فنعطيه فرصة ليوضح ويشرح ويبين وينقد ويزيد ويرد ويعترض.
ثم من أي باب يحق لنا أن نحكم على فشل تجربة (فلان) وخصوصا أن الأحداث ما زالت تتلاطم أمواجها العاتية، الوحيد الذي من حقه أن يقول فشلت هو صاحب التجربة وليس غيره، لأنه الأقدر على الحكم.
أنا شخصيا لم أقرأ الكتاب، لكنني من خلال علاقة تزيد عن 50 عاما مع الدكتور أحمد يوسف، تواصلت وتقطعت بحكم السفر والعمل والترحال لي وله من بلد لبلد، وبحكم معرفتي بالظروف العامة المحيطة به أستطيع القول وبكل راحة أن الدكتور أحمد حالة فلسطينية متفردة تستحق منا ومن الباحثين دراستها واستلهام أفكارها والاستفادة من تجاربه وتوظيف علاقاته بما يعود بالنفع علينا جميعا، شعبا وقضية ووطنا.
لكن مشكلتنا أننا نحشر أنفسنا في زاوية ضيقة من المشهد ونعمل على توظيف طاقاتنا لهذا الجزء الذي لا يكاد يشاهده أو يتعرف على ملامحه أحد.
هذا أو هؤلاء الذين يعترضون على توثيق ودراسة هذه الشخصيات المتميزة والممتازة، وأخص بالذكر الدكتور أحمد يوسف أو موسى أبو مرزوق أو خالد مشعل أو غيرهم من التيار الإسلامي، هل هناك من هو في مكانتهم ومنزلتهم العلمية والتنظيمية والعمل الوطني والعلاقات الداخلية والدولية وصاحب رؤية ومستوى ثقافي وانتاج فكري، هل هناك في أي تنظيم من التنظيمات الموجودة على الساحة من يستحق الكتابة عنه ولم نكتب، أين هو القائد والزعيم الذي له كل هذا الكم من الكتب والمؤلفات وبلغات عربية وغير العربية، وأين هو من يملك قاعدة من العلاقات المحترمة مع العالم الداخلي وعلى مستوى العالم الخارجي، أين هو القائد والزعيم من جماعة الانتصار وغيرهم يستطيع أن يتكلم في موضوع أو قضية بشكل محترم لمدة نصف ساعة فقط، دون تخبيص وخروج على الذوق العام.
شخصيا أرى الدكتور أحمد دلول كان موفقا وبشكل كبير في كل شيء، في اختيار الشخصية التي يكتب عنها، وفي منهج الكتابة وطريقة العرض والتحليل والتوظيف، وفي الجوانب التي ركز من خلالها المنظار ليزيد استكشاف الشخصية.
من أعظم انجازات الأمة الإسلامية هذا التراث الضخم الذي خلفوه لنا من سير الأعلام بداية من حياة النبي عليه السلام مرورا بالملايين ممن كان لهم دورا بارزا في الحياة وحركة صناعة الحضارة، هؤلاء الذين نستلهم منهم التجارب والخبرة والاستشراف للمستقبل، والأجيال تتواصل في ظهور النبغاء والمتميزين الذين يملكون القدرات العقلية والنفسية والروحية والجسدية بحيث ينفعون أنفسهم وينفعون شعوبهم والعالم أجمع.
يوم أن يكون لك كتاب واحد تركته خلفك فأنت قدمت خيرا وفيرا لغيرك، فما بالك يوم تقدم عشرات الكتب ومئات المقالات ومئات المحاضرات والندوات واللقاءات، قد لا يلتفت لها الجيل المعاصر لكن لن تستغني عنها الأجيال القادمة، قناعتي أن من يفعل ذلك هو أفضل مليون مرة ممن جعل نفسه قاضيا يحكم بنجاح فلان وفشل الآخر، وليس بناء على معطيات علمية وموضوعية، إنما بناء على الهوى والتبعية والأحقاد.
أعرف مدراء مدارس (ذكور وإناث)، يستحقون منا أن نكتب عن نجاحاتهم والاستفادة من تجاربهم، وأعرف رجال إدارة على مستوى البلديات والمؤسسات والجمعيات يستحقون منا أن نكتب عنهم وعن نجاحاتهم، إن فعلنا ذلك خدمناهم بزيادة الدافعية للعمل والعطاء، وأفدنا غيرهم بالاستفادة من تجاربهم ونجاحاتهم، فلماذا التقصير في الكتابة.
علينا أن نسعد حينما نرى أحدا ناجحا، وحينما نرى أحدا يعطي دون أن يطلب منا مقابل هذا العطاء.
وهذا هو الدكتور أحمد يوسف.
Image may contain: ‎‎احمد يوسف صالح‎‎
Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0