تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

العقل المصري كيف تكون وكيف يتجدد ؟

بناة مصر الحديثة
العقل المصري كيف تكون وكيف يتجدد ؟
د. رفعت السعيد

بقلم/ رشا صالح

المفكر والباحث رهين لأيدلوجيته ومنها ينظر و يحلل ولكن لابد له من بعض الاعتدال في وزن ورؤية الأمور ولكن في هذا الكتاب كان رفعت السعيد اليساري الهوي صاحب نظرة أحادية جعلته ينكر من المفكرين والشخصيات العامة والسياسية ممن كان لهم تأثير في تاريخ مصر الحديث ولكنهم مخالفين لرؤيته الخاصة والأدهي من ذلك ورغم ما يضج به الكتاب من روح مصرية قومية يجعل من المؤثرين في بناء مصر الحديثة رجال من الشوام الذي قدموا إلي مصر في عهد الأسرة العلوية وذكر منهم اليساريون أمثال شبلي شيميل، نقولا حداد، فرح انطون ورفيق جبور منشئ الحزب الشيوعي المصري ولا ننكر أن هؤلاء وغيرهم من الشوام الوافدين كان لهم بعض التأثير في الصحافة والمسرح ولكنهم لم يخرجوا من إطار الدور الذي سمحت لهم به سلطات الإحتلال الإنجليزي وهو إذكاء الروح القومية والسماح بمهاجمة الباب العالي وحرية التعبير وإصدار الصحف بشرط عدم مهاجمته وبذلك كان وجودهم في خدمة الإحتلال ومن منهم خرج عن تلك الشروط كان مصيره الاغتيال وهو رفيق جبور.

ويضع في لائحة مجددي العقل المصري الكواكبي أيضا بسبب كتابه طبائع الاستبداد الذي كتبه في السلطان عبد الحميد ورغم ذلك لم يذكر مصريين مؤثرين فعلا منهم مصطفي كامل الذي أغفل ذكره متعمدا.

وقام رفعت السعيد بتقسيم طبقي للمفكرين والسياسيين وبالطبع أكثرهم كراهية إليه هو سعد زغلول سليل الأعيان والمتسلق اجتماعيا الذي اختارته الأميرة نازلي فاضل من رواد صالونها الأدبي بموافقة كرومر ليكون واجهة للنخبة السياسية المصرية بدليل وجود صورة نازلي في غرفة نومه في بيته المسمي ببيت الأمة حتي الآن وهو لا يخفي اعجابه بكرومر وتنويره المزعوم ومواقف سعد زغلول التي انتقدها السعيد لم تكن لعدم وقوفه وقفة حاسمة ضد الإنجليز ولا للجدالات السياسية عديمة الفائدة بينه وبين الأحزاب الأخرى حتي تظن أن سبيل مواجهة هذه النخبة للاحتلال هو الصراع علي كرسي الوزارة وعدد مقاعد البرلمان بينما الشعب أغلبه يرزح تحت وطأة الفقر والجهل.
بل كان انتقاده لأنه ارستقراطي و أنه ليس ليبراليا لأنه هاجم كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي)و كتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) وهيج الشعب ضدهما والحقيقة أن موقف سعد زغلول كان سياسيا للنكاية في حزبي الأمة والأحرار الدستوريين منافسي حزب الوفد.
ويهاجم ملك حفني ناصف لأنها تنحاز إلي طبقتها الإجتماعية الطبقة البرجوازية رغم أنها كانت لا تهتم بالسياسة ومقالاتها موجهه للفتاة والمرأة المصرية وحتي عندما وجهت حديثها للرجال فكان بسؤال .لما تعزفوا عن الزواج بالمرأة المصرية ؟
كما أنها انتقدت النساء من طبقة الأغنياء لأنهن يتركن أولادهن في رعاية الخادمات ولا يحتشمن بينما الفقيرات تهملن نظافة بناتهن وعلي حد تعبير السعيد أنها بذلك تتحيز لطبقتها الوسطى البرجوازية ولا أحد ينكر أن صحة المجتمعات تعرف بقوة طبقتها الوسطي.
ويستمر السعيد في الرؤية من منظور واحد لدرجة أنه يبدأ برفاعة الطهطاوي لأنه زعيم التجديد وكل من بعده أبنائه ولكنه مضطر إلي عدم ذكر المجددين من شيوخ الأزهر بالترتيب من بعده حتي لا يظن القارئ أن التنوير كان علي يد الأزهر فقط فإذا به يذكر بعض الوافدين الشوام ثم يذكر الإمام محمد عبده بعدهم رغم أن الإمام من كبار المؤثرين سواء علي مستوي السياسة أو الفكر أو الأراء الدينية محل الجدل وله دور في تحرير المرأة حتي أن البعض يري أن قاسم أمين استعان به في كتابة كتبه وربما كان الإمام كتب بعض أجزائه .
في ذكره للمفكرين رائدي عمليات التنوير والتجديد تراه يبرز دور طه حسين وأحمد أمين في مطالبتهما بتجديد اللغة حيث اقترح أمين الكتابة بلغة سهلة قريبة من العامية وإلغاء علامات الإعراب وتسكين أواخر الكلمات أما اقتراح طه حسين فكان أكثر تطرفا بالكتابة مثل النطق تماما وأعتبر ذلك ثورة علي طريق التجديد اللغوي حتي أنه وقع في مقال له بكتابة اسمه هكذا …. طاها حوسين.

وذكر تجديد أمين الخولي بأنه طالب بالتجديد في العقيدة رغم أن ماذكره من أمثلة كانت آراء فقهية.
وبعدها يشجب شيوخ الأزهر الذين عارضوا دعاوي التجديد وتسببوا في معارضة شعبية لمجموعة المثقفين والمفكرين من النخبة حتي أنهم تحت الضغط الشعبي اضطروا للكتابة الدينية حتي يدفعوا عنهم تهمة الكفر والفسق فكتب طه حسين الشيخان وكتب العقاد العبقريات وغيرها وتراجع أغلب المفكرين عن آرائهم.
ويتساءل السعيد في نهاية كتابه لماذا التنوير والتجديد يرتبط بالمحتل ؟بينما التخلف يترتبط بالوطن ؟ ..والإجابة التي غفل عنها تكمن في التعريف الدقيق لمفهوم التجديد والتنوير ،،وهل التجديد يكون في تجديد اللغة وتغيير العقيدة ..وماذا يتبقي لنا من هوية إذا تنصلنا من لغتنا وعقيدتنا وعلي أي أساس من الممكن أن نبني وإلي أي مرجع يمكننا الرجوع إذا ضيعنا الطريق ؟
ضللنا طريق التنوير والتجديد ولذلك لم نصل إلى النهضة بل إلي المزيد من التخبط والاغتراب علي مدي الأجيال اللاحقة والنخبة الفكرية والسياسية كانت أسيرة للغرب مفتونة بمظاهر حضارة لامعة ولم تلتفت إلي وجهها الآخر الملئ بالوحشية في البلاد المسلوبة الإرادة والمستعمرة.
واصرار النخبة علي إنكار الموروث الديني والحضاري واصرارهم علي عدم مواكبة متطلبات الشعب الحقيقة والدخول في جدالات بيزنطية عقيمة خلق هوة بين المثقف والشعب والحصيلة كما ذكر رفعت السعيد في مقدمة الكتاب أن النخبة في مصر كانت علي حد زعمه. (نص ..نص)

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0