تربية مجتمع مختارات مقالات

هل اكتشف الأستاذ جهاد حسين الخطيئة الأولى؟

بقلم/ د. جهاد حماد

في الصف الرابع الابتدائي وفي الإجازة الشتوية كانت تنهال علينا تلال من الواجبات المدرسية التعيسة المرهقة من جميع المدرسين

وكان التبرير الرسمي من قبل المدرسة هو
“كي لا تلتهوا باللعب في الشوارع وتظلوا مرتبطين بالمدرسة ”

وكان ذلك واحد من أسوأ التبريرات الأكاديمية التي سمعتها في حياتي
فهل يجب أن تكون الفرحة منقوصة ومشوهة حتى نعرف طريق النجاح

ولذلك في الصف الرابع الابتدائي قررت التمرد والتحايل على تلك القوانين الغبية ولكن بطريقتي الخاصة

فمن ضمن ما طلب منا كان حل جميع الأسئلة الواردة في كتاب الرائد للعلوم وهو كتاب خارجي واسع الانتشار في تلك الفترة في قطاع غزة

وأيامها كان لوالدي رحمه الله مكتبة شهيرة ملحقة بمنزلنا في حي البرازيل تبيع الكتب والقرطاسية المدرسية

وفي تجوالي الروتيني بين الكتب اكتشفت أن هناك طبعة قديمة من كتاب الرائد أصغر حجما من الطبعة الموجودة معنا فتوقفت عندها كثيرا

واتخذت القرار التالي:
لن أحل الأسئلة من الطبعة الموجودة مع الطلاب بل سأحل الأسئلة من الطبعة القديمة حيث عدد الأسئلة أقل

وبما أن السير في طريق الاحتيال كالغوص في الرمال المتحركة فقد تماديت في كسلي وقررت عدم حل جميع الأسئلة في هذه النسخة القديمة الصغيرة فقفزت عن الكثير من الأسئلة المرهقة التي تتطلب كتابة كثيرة وتوضيح طويل

كنت أعشق الشتاء في طفولتي واستمر ذلك العشق إلى وقت قريب حيث بدأت أعاني من طنين الأذن وحساسية الصدر وهي أعراض تزداد حدتها معي في الشتاء فأصبحت أتوجس قلقا من معشوقي القديم

كانت الشوارع في مدينة رفح في الثمانينات تتحول إلى سيرك كبير صاخب في عطلة الشتاء

جميع التلاميذ من جميع الاعمار تقريبا يتحلقوا في حلقات كبيرة أو صغيرة للعب البنانير أو الجلول كما كان يحلو للبعض أن يسميها

وفي الاستراحة بين جولات البنانير كنا نلعب كرة القدم حفاة في الشوارع

وفي المساء وتحت أعمدة الكهرباء ذات الضوء الباهت نلعب لعبة الخريطة المعتمدة على التخطيط والذكاء والتنقل في العتمة بين الشوارع والحارات

وككل الأشياء الجميلة في حياتنا فقد انتهت الإجازة بسرعة

وفي آخر ليلة اجتمع على هم فراق الإجازة مع القلق والتوتر خشية اكتشاف حيلتي الوضيعة

وفكرت في التراجع عنها وإكمال حل ما تبقى من الأسئلة لكني صرفت النظر عن الفكرة فحتى لو ظللت ساهرا حتى الفجر لن أستطيع اكمال حل هذا القدر الهائل من الأسئلة

وفي اليوم التالي وفي حصة العلوم كنت في قمة القلق والتوتر عندما دخل الأستاذ جهاد حسين الفصل

كان مدرسا شابا مجتهدا ومحبوبا من قبل الطلاب
وكان يحمل لي معزة خاصة ليس فقط لأني كنت الأول على الصف ولكن لقصة أخرى يصعب نسيانها

ففي إحدى الأيام سألنا الأستاذ جهاد حسين سؤالا عجيبا

” يا أولاد حدا فيكم بيعرف ليش لما الواحد بيتنفس في الشتاء البارد بيطلع الهواء من تمو على شكل سحابة دخان وكأنو بيدخن؟”

كان سؤالا صعبا على طلاب توجيهي فما بلك بطلاب صف رابع ابتدائي
ولكني رفعت يدي بسرعة وبلا تردد طالبا الإجابة على السؤال

“تفضل يا جهاد قول”

فقلت في حماسة
“يا أستاذ مش إحنا إتعلمنا إنو الانسان في الشهيق بيوخذ أكسجين وفي الزفير بيطلع بخار الماء وثاني أكسيد الكربون من الرئتين.
ومش إحنا أخذنا في العلوم إنو بخار الماء الساخن بيتكاثف على الأسطح الباردة.

فاللي بيصير إنو بخار الماء بيطلع من صدورنا في عملية الزفير درجة حرارته 37 درجة مئوية زي حرارة الجسم، يعني بخار دافي ولكن لأنو الهواء في الشتاء بيكون بارد جدا فبخار الماء الدافئ الخارج من صدورنا بيتكاثف على سطح الهواء البارد في الخارج وبيكون سحابة دخان”

ووقف الأستاذ جهاد حسين مذهولا من هذا الجهاد الصغير الفذ

وأنا مازلت مذهولا إلى اليوم
فكيف لطالب صف رابع أن يصل لهذا الاستنتاج العلمي المتناسق بهذه السرعة وبدون أي سابق علم بهذا السؤال

وكلما أتذكر تلك الإجابة أشعر بالأسي على الخلايا العصبية الرائعة في دماغي والتي يبدو أنه أصابها الصدأ وتراكم عليها الغبار مع مرور السنين

في الفراغ ما قبل الحصة حاولت تجنب مشاكسة الأصدقاء في الفصل كالعادة وجلست مستكينا في مقعدي ولكن السادة الزملاء لم يرق لهم هذا السلوك الغريب فتحلقوا حولي وطلبوا مني رؤية الواجب وكيف حللته وكم صفحة من الدفتر استهلك الواجب وأسئلة كثيرة كانت تزيدني ألما على ألم

وكانت دهشتهم عارمة عندما اكتشفوا أني استهلكت نصف كمية الأوراق التي استهلكوها للإجابة
فقلت لهم بصوت حاولت أن يبدو واثقا وقويا
” أنا اكتشفت اليوم إني بأحل من نسخة قديمة غير النسخة اللي معاكم”

وطبعا صدقني الزملاء “إذا جهاد بدوا يكذب ويتلاعب بالواجب مين اللي راح يصدق في كلامه؟”

وجلس الأستاذ جهاد حسين على مقعده خلف طاولته بدأ ينادي علينا طالبا طالبا وبالدور ابتداءا من السطر الأول

وأعتقد أني أيامها كنت أجلس في البنك الثاني في السطر الثالث

وسمعت الكثير من عبارات المديح الجميلة للطلاب المنجزين الواجب بإخلاص كالمنافسين الشرسين لي على زعامة الفصل يوسف العماوي ولؤي ديب

وسمعت أيضا برعب الكثير من صرخات الطلاب الحادة الذين انهالت عليهم العصي لأنهم لم يحلو الواجب أو تلاعبوا به ولم يؤدوه كما ينبغي

وجاءت اللحظة التي لا يجب أن تأتي وترددت في القيام وتسارعت نبضات قلبي حتى خيل إلي أن جيران المدرسة قد سمعوا صوتها قرعها المرتعب
فقال لي الأستاذ جهاد مستعجلا بصوت ودي
“ياللا يا جهاد هات دفترك وتعال”

نكمل لاحقا ان شاء الله

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0