مختارات مقالات نصوص أدبية

إلى حبيبي حيث هو.. الرسالة الثانية من الأرض الغريبة

بقلم/ هدى بارود

مساء الخير يا أبي..

عشرون يوما مضت منذ غادرت غزة ووصلت هذه البلاد الواسعة. عشرون يوما وأنا أحاول جاهدة أن أنجو من سحر الطبيعة الأخاذ، أداري قلبي خشية أن أستبدل حب البحر بحب تلك الأشجار الصفراء الطويلة، أقول في نفسي وأنا أمسح وجهي بماء الصنبور الحلوة “والله غزة كانت ميتها حلوة زمان”، أخفي ابتسامتي البلهاء وأنا أراقب الطيور تملأ السماء وأقول “كان زمان أبوي ياخذنا عند البحر نشوف النورس والسمان ونلحقهم”.
في هذه البلاد ركضت خلف بناتي نلحق جميعنا بسرب بط أخذ شكل سهم، قلت للبنات مُقلدة نيلز “هيا بِنا إلى الجنوب”، وعندما تعبت قدماي تذكرت أن آخرة مرة ركضت فيها بفرح كانت وأنا بالرابعة عشر من عمري، كبرت بعد ذلك وصار عيبا أن أركض. في هذه البلاد نركض ونغني بصوت عال ويبتسم المارة، ولا يلتفت أحد ليخبرنا أن ذلك عيبا.
حاولت قدر استطاعتي يا حبيبي أن أوازن بين مشاعري فلا أستوحش مكاني الجديد أو أنسى مكاني الأول، قلت لنفسي كثرا “زرتِ عددا من الدول قبلا يا هدى ولم تشعري بهذه المقارنة، فلمَ الآن!”. لم أجد اجابة، لا وجه شبه بين هنا وغزة، حتى في المشاعر لا تشابه.
غادرت غزة ولي فيها أم وقبر أب، وجئت هنا أحمل ثلاث نبتات وقلبي، قطعت الطريق الطويل وأمامي الكثير بعد.

إلى حبيبي حيث هو.
الرسالة الثانية من الأرض الغريبة.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0