أدب و تراث مختارات مقالات

تقديس الماضي وعبادته

تقديس الماضي وعبادته
جمال أبو غيدا “تلاع الريح”

بقلم/ أ.د. عادل الأسطه

يصدر جمال أبو غيدا ” تلاع الريح الديماس ” بمقولة ( فريدريك نيتشة ) الآتية:

“تزداد حدة توقير التراث شدة على الدوام، فكلما تباعد الزمن عن مصدر هذا التراث ، كلما (؟) ازداد الارباك الناتج عن تحديد هذا المصدر. في الوقت الذي تتنامى فيه شدة توقير التراث من جيل إلى جيل . إلى أن يصبح هذا التراث في النهاية مقدسا وباعثا على الرعب. ولا يبدأ الإيمان في الحقيقة إلا عندما نشك بكل تلك الحقائق التي آمنا بها في يوم ما “.
وليس الاقتباس هذا من ( نيتشة ) مجرد زينة أو استعراض عضلات ، فمما لا شك فيه أنه يمهد لما تريد الرواية أن تقوله.
مرة كتب محمود درويش ، يوم كان ماركسيا ، الآتي:
” من يشتري تاريخ أجدادي بيوم حرية ؟ ”
فنحن نعيش في الماضي لدرجة أننا صرنا عبيدا له وأسرى . إنه المثال الذي نتخذه مقياسا نقيس عليه ونضبط إيقاع خطواتنا وفقا له ، ولا أعرف لماذا عاد الشاعر في فترات لاحقة وقال شيئا مغايرا مثل:
” … وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري
سنرمي ألف نهر في مجاري الماء.
والماضي هو الماضي
سيأتي في انتخابات المرايا
سيد الأيام
والنخلة أم اللغة الفصحى ”
وكرر افتخاره بماضيه في قصيدته ” أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي ” حين قال إنه خسر أجمل ما فيه يوم خسر ماضيه.
ربما نظر محمود درويش إلى الجانب المشرق في الماضي يتمثل في الحضارة الإسلامية في الأندلس التي زارها ، فيما كان في ذهن جمال أبو غيدا ، وهو يكتب عن بلاد تل الريح الافتراضية ، سورية الكبرى والعراق ودول النفط ، هذه الدول التي أطلق عبد الرحمن منيف على قسم منها ” مدن الملح ” ، فيما كان في ذهنه ما نحن عليه الآن ، وللأسف فإن هذه الدول كلها ما زالت دولا محكومة بالماضي ، إذ تتحكم فيها العشائرية ويحكمها المشايخ أو الحكام الذين آزرهم المستعمر وولاهم بعد أن نصبهم ملوكا أو أمراء، واستطاعوا أن يسودوا بالاعتماد على البنية العشائرية التي تتحكم في الحياة الاجتماعية.
غالبا ما تساءلت شخصيا عن جدوى الجامعات في بلد عربي مجاور ، بل في بلدان عربية مجاورة ، ينتمي طلابها ، بل وكثير من أعضاء هيئة التدريس فيها إلى العشيرة ، وما كان طريفا قبل أسبوع في الانتخابات البرلمانية في الأردن هو نجاح مرشحي العشائر وسقوط مرشحي الأحزاب ، تماما كما أن العشائر في مدينة الخليل كان لها السطوة في العقدين الأخيرين وتمكنت من إسقاط قانون الضمان الاجتماعي.
العشائرية هي التي تتحكم في مواطني المكان الافتراضي ” تل الريح ” وشيخ العشيرة هو الآمر الناهي وكل أفراد عشيرته ينساقون له ، والثأر والحقد والضغينة والرغبة في الانتقام هو ما يسود بين الأخوين منذ تآمرت النوار على سلفتها ماوية الجنية وتخلصت منها ، فمات ابنها تبعا لذلك .
في العراق ما زال الشيعة يقدسون العتبات ويرى قسم منهم أن من يصلها لا يصاب بالكورونا وفي مصر يتداوى كثيرون ببركة ستنا زينب والقصص كثيرة.
حقا إننا نعيش في الماضي ومثلنا ” أبناء عمنا ” اليهود الذين لهم حضور لافت في الرواية، فهي تأتي على يهود البلدان العربية ووعد بلفور وتهجير اليهود العرب إلى فلسطين.
تنتهي الرواية بالأسطر الآتية للإنجليزي ( ألكسندر نايجل ) الذي عاش في تلاع الريح وفلسطين وألف كتابا عن حياته هناك ودوره في صناعة دولة تلاع الريح:
” كذلك كانت أيامي في هذه التلاع الغارقة بأساطيرها وخرافات أهلها وخزعبلاتهم ، التي لا تنتهي عن الشياطين والأفاعي الثنائية الرأس ، والجنيات والجدين اللذين ستظل ذكراهما مؤبدة في هذه البلاد ، بسبب الدماء التي أهرقت وما زالت تهرق على شرفهما ، على أيدي أحفادهما البررة ”
وإذا كانت الخاتمة تلخص الحكاية وتعلن عن المقصد فإن الأسطر السابقة تفصح لنا عن قصد المؤلف وغايته.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0