قادة وأعلام مختارات مقالات

عندما يكشف برنارد شو  اسرار حياته

عندما يكشف برنارد شو  اسرار حياته

علي حسين

تستهويني كتب السيرة الذاتية بامتياز ،  فمثل هذه الكتب  تضع الكاتب دوما في مرمى الأضواء حتى لو كان يكتب عن ايام لم نعشها ، يطرح مارسيل بروست الجدل حول السيرة الذاتية حيث يكتب :” بماذا  يفيدنا ان نعرف دقائق حياة ستندال لنحكم عليه بشكل افضل ، بل العكس ، من المحتمل ان هذا قد يشكل عائقا كبيرا في سبيل ذلك ” ..كان بروست معجبا ببلزاك الاديب ، اما حياته الشخصية فكان يصفها بالسوقية ، وهو الامر نفسه الذي وجده ستيفان زيفايغ في كتابه ” بناة العالم ” حيث حاول ان يجد اسباب للاعجاب ببلزاك الرجل مثل اعجابه ببلزاك الاديب ، فلم يجد أيا منها ،  وقد توصل زيفايغ الى ان العبقرية لا يمكن تفسيرها .. وكان فلوبير يشمئز من المتلصصين على حياته الشخصية ويكتب في احدى رسائله :” لم أعد قادرا على الحياة ، هناك اناس تجشموا عناء اعلام الاخرين ، ما اذا كنت اسمر او اشقر ، مرحا او سوداويا .” ويتوصل فلوبير الى نتيجة يلخصها بان على الكاتب ان لايترك اثر عنه إلا اعماله ، فحياته ليست على قدر كبير من الاهمية :” ينبغى على الفنان ان يتدبر امره بحيث يقنع الاجيال التالية بانه لم يعش ” .. وكان نيتشه يجد ان البحث عن سيرة الكاتب سيجعل القارئ يعيق اكتشاف الاعمال التي كتبها الكاتب نفسه .. يقول بروست ان على الكاتب الماهر حقا ان يضع سيرته الداخليه في ادبه .. إلا ان الشاعر الفرنسي لويس اراغون كان له راي آخر  حيث يكتب :” في كل ما أقرؤه ، تقودني الغريزة قوة شديدة الى البحث عن الكاتب وايجاده وتفرسه وهو يكتب ، والى الاصغاء الى ما يقوله ،” . وتجدني أميل كثيرا لرأي اراغون ، وابحث دائما عن سير الكتاب لانني اجد فيها مفاتيح مهمة لقراة اعمالهم ، فاعمال الكاتب نجدها داما مخبئة في جزء من اجزاء سيرته الذاتية .. ولاننا نعرف الكثير عن برنارد شو من خلال حكايات تناقلتها الصحف والمدونات ، لكننا نادرا ما نقرا  سيرة برنارد شو بقلمه رغم انه كتب اكثر من كتاب عن حياته .. الكتاب الذي صدر مؤخرا عن دار الرافدين ” برناردشو ..يفصح عن نفسه ” – ترجمة مروة الجزائري  ربما يسد نقصا في المكتبة العربية التي ترجمت معظم كتب هذا الكاتب المثير ، والذي صدر عنه في العربية الكثير من الكتب منذ ان اعلن سلامة موسى في خمسينيات القرن الماضي انه من اتباع هذا الاشتراكي الفابي ، واتذكر انني قرات في صباي كتاب هؤلاء علموني لسلامة موسى واستمتعت بالفصل الذي خصصه لبرنارد شو  ،  ثم عثرت على كتاب مستقل عن برنارد شو كتبه سلامة موسى ايضا والذي يخبرنا فيه ان احس ما اقتناه في حياته هو ذكرى برنارد شو :”  فقد لقيته حين كانت لحيته لا تزال صهباء، وتحدثت إليه وسمعت خطبه وقرأت مؤلفاته، وإني لأحس  إحساس أولئك الذين نغبطهم ممن عاصروا أفلاطون أو أرسطوطاليس، واستمتعوا بحديثهما، وقرءوا وناقشوا مؤلفاتهما، ورأوا ضمائرهما الذهنية تتفشى في حياتهم. ولقد عرفته في عام ١٩٠٩، ورافقته إلى سِنِيه الأخيرة إلى أن مات في الرابعة والتسعين، وهي أربع وتسعون سنة من الخلود. ولقد درست فلسفته فكان لي منها توجيه وإرشاد. ويؤكد سلامة موسى ان حياة برنارد شو انفع واهم من مؤلفاته :” أن حياته قد اندمغت في أفكاره فعاش عيشًا فلسفيًّا. ”

حلم بأن يصبح لاعب كرة قدم ، لكن مشاكل في قدمه اليسرى منعته ، لم تعجبه المدرسة ولم يجد لذة في دراسة اللاتينية ، وشعر بكراهية لدرس الرياضيات رافقته طوال حياته ، وعندما أهدى له صديقه الفيلسوف برتراند رسل كتابه ” أصول الرياضيات ” ، قال له ساخراً “شكراً ياصديقي ..لا داعي لمثل هذه الهدايا ” ، وجد العزاء في الموسيقى التي كانت تعزفها والدته في البيت ، التحق بأربعة مدارس كرهها جميعها ، كتب فيما بعد إن المدارس كانت بالنسبة له أشبه بسجون مفاتيحها بيد أشخاص قساة ..كان يجد لذة في رواية الحكايات الغرامية لزملائه في المدرسة ، وهي الهواية التي رافقته فيما بعد ، ليصبح واحداً من أكبر كتّاب القرن العشرين .

ولد جورج برنارد شو في مدينة دبلن في السادس والعشرين من تموز عام 1856 ، كان الطفل الثالث لعائلة يعمل والدها في تجارة القمح ، لكن إدمان الخمر جعل تجارته تتدهور مع مرور الزمن ، كانت أمّه امرأة بسيطة ، لكنها قوية أورثته حبها للموسيقى :” لم ألق بنفسي في معترك الحياة ، بل قذقت بي أمي ، ولم أكن لأبي الشيخ عصاً يتوكأ عليها في شيخوخته ، بل تعلقت بذيل سترته ” .

سيجد نفسه في الثالثة عشرة من عمره مطالب بان يعيل نفسه ، فعمل في وظيفة ساعي في شركة للعقارات ، كانت مهمته إحضار وجبات الغداء للعاملين ، وفي أوقات الفراغ يجلس في إحدى الزوايا لينهمك  بقراءة أحد الكتب ، آمن طوال حياته أن الوظيفة الحقيقية التي يستحقها ويجب أن يسعى إليها هي وظيفة ” كاتب ” ، في تلك الفترة سيرسل مقالاً لإحدى الصحف التي رفضت نشره لأنها وجدت فيه تجاوزاً على الدين ، كان قد حضر خطبة لاثنين من القساوسة ، وقد كتب إلى الصحيفة مقالاً قال فيه :” إنه إذا كان ما أدلى به القسيسان هو الدين ، فأنا بالجملة إذاً لمن الكافرين ” ، بعدها سيعمل صرافاً في أحد المكاتب الصغيرة المنتشرة في دبلن ، في تلك الفترة يتعرف على موسيقى فاغنر ، وسيُفرغ كل ما في جيبه لشراء نوتات موسيقاه ، حاول أن يتعلم العزف على البيانو فلم يكن عزفه جميلاً ، إلا إنه شعر بالزهو وهو يعزف أحد مقطوعات موزارت ، كان فاغنر بالنسبة إليه أكثر من مجرد موسيقي ، سحرته مواقفه الفكرية ونظرته الى العالم. وسينشر في الخمسين من عمره كتاب بعنوان ” مولع بفاغنر ” أراد من خلاله أن يؤكد إن فاغنر لم يكن مجرد موسيقي بل رائداً لفلسفة سياسية تقف بالضد من الفلسفات السائدة ، حيث تعتبر مؤلفات فاغنر الموسيقية تمجيداً لبطولة الإنسان .

كان فاغنر يملك ثقة بالنفس لا حدود لها ، واتسم بشخصية مغامرة عنيدة ، وكان مزهزا بشخصيته  ، واحيانا يتهمه خصومه بالغرور . يؤمن ان عبقريته تفرض على الآخرين ان يحيطوه بالاهتمام ، وهذه الصفات أثرت كثير ببرنارد شو الذي اراد ان يسير على طريق معلهه : ثقة في تانفس ، وعناد يرافقه تصميم على مواجهة الحياة .في تلك الفترة سيقرأ برنادشو كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه وقد خلّفت هذه الكتب أعمق الأثر في نفسه ، وأثّرت عليه أيضاّ كتابات غوته وبالتحديد فاوست . في العشرين من عمره يسافر السفر الى لندن التي كان يعتبرها ” العاصمة الأدبية للناطقين بالانكليزية ” ، وسيحاول أن يخرج من ” دنيا الخيال الى دنيا الواقع ” ، يعيش في لندن على مساعدات يقدمها له والده ” جنيه واحد في الاسبوع ” ، يفشل في الحصول على عمل ، يجرب حظه في كتابة الروايات ، فكتب خمس روايات لم يجد لها ناشراً ، يشعر إن لندن ” تريد التهامه ” ، وقد أصبح منذ تلك اللحظة متمرداً على هذا الواقع :” كنت وما زلت أشعر بشيء من القلق ، لقد كنت متمرداً على المجتمع ، خارجاً على الكنيسة ، خارجاً على السياسة ، خارجاً على الرياضة ” ، في تلك السنوات يشاهد زوار مكتبة المتحف البريطاني شاباً في العشرين من عمره ، نحيفاً يجلس وأمامه مجلدات كتاب كارل ماركس ” رأس المال ” ، وقد ظل ما يقارب العشر سنوات لم ينشر شيئاً باستثناء كتيب صغير عن الاشتراكية ، وكانت المفاجأة إن الناشر أرسل له خمسة جنيهات ، مع رسالة يعتذر فيها عن نشر رواية كان قد أرسلها برنارد شو لأنها لم تعجبه ، في تلك الفترة يتعرف في مكتبة المتحف على ” ويليام راشر”  الذي كان مهتماً بالمسرح ، فطلب منه أن يكتب عروضاً للكتب تنشر في صحيفة مغمورة اسمها ” جازيت ” ، وقد واصل العمل فيها لثلاثة أشهر لم تحظَ خلالها كتاباته باهتمام قراء الصحيفة فقررت الاستغناء عن خدماته ، عن طريق راشر يتعرف على كتابات المسرحي النرويجي هنريك إبسن ، ويتذكر إنه عندما قرأ مسرحية إبسن الشهيرة ” بيت الدمية ” قرر أن يترك كل شيء ويصبح كاتباً مسرحياً .

كان هنريك إبسن المولود في شهر آذار من عام 1828 ، ، متمرداً على المجتمع وتقاليده ، يكره السياسة ويرفض الانتماء الى الأحزاب السياسية : “إنني كافر بالسياسة ، فأنا لا أؤمن بقدرتها على التحرير، وأشك فيمن يمارسون السلطة ولا أعتقد في نزاهتهم أو في إرادتهم” ، حاول من خلال مسرحياته أن يشعل ثورة اجتماعية من أجل حرية الفرد ” الإنسان الثوري المتمرد ” الذي يسمو فوق القيود الاجتماعية والأخلاقية والسياسية  . . ، في عام 1890  ينشر برنارد شو كتاباً بعنوان ” جوهر الأبسنية ” وفيه سيعلن إن مسرحيات إبسن تحتوي على تساؤل جريء ، وجذري حول كل نظام القيم الذي يكمن تحت سطح أخلاقيات البرجوازية ، ناصب شكسبير العداء وقال عنه انه ” المسؤول الوحيد عن انهيار الدراما ثلثمائة عام بعد موته ، حتى جاء وقتي ” ، وكان يرى ان فكر شكسبير هو فكر العصور الوسطى  وعصر النهضة ، وهذا الفكر بنظر برنارد شو من الواجب التخلص منه فورا . قد كتب ذات مرة ان :” شكسبير بالنسبة لي يمثل احد ابراج حصن الباستيل ويجب ان أدك كيانه ” ، والغريب ان برنارد شو كان في شبابه مغرما بشكسبير وكتب في احدى مقالاته النقدية :” اني ارثي للانسان الذي لا يستطيع التمتع بشكسبير .. لقد كان يصمد لامتحان الزمن ، هذا الامتحان الذي لم يجتزه آلاف من المفكرين المتمكنين من ثقافتهم ” ، لكن يبدو ان برنارد شو اراد فيما بعد ان ان يلفت النظر الى نفسه ككاتب مسرحي وان يفسح مجالا لعبقرية ابسن في انكلترا .. ولم يجد من وسيلة سوى ازاحة شكسبير من طريقه ، وهو الامر الذي اثار سخرية الشاعر ت.س. اليوت الذي كتب ان ما كان يعذب برنارد شو هو  افتقاره الى ” موسيقى الشعر ”

في لندن ينضم  الى جمعية تدافع عن حقوق الفلاحين ، لكنه سيتركها بعد أيام لينتمي الى حركة انشئت في ذلك الوقت  سميت ” الاشتراكية الفابية ” ، وقد ضمت عدداً من الكتاب والاقتصاديين ، وقد اختارت اسم القائد الروماني ” فابيوس ” الذي انتصر على هانيبال في حرب طروادة .وبدأ يكتب مقالات عن الاشتراكية يدافع فيها عن الفقراء ، ويهاجم الرأسمالية البريطانية ، وسيواصل إعجابه بالماركسية والدفاع عنها :” لقد جعلني ماركس اشتراكياً ..وانقذني من أن أصبح أديباً ” .. وبتأثير من كتاب رأس المال  كتب رواية بعنوان ” الاشتراكي غير الاجتماعي ” ، بطلها ثري يرفض قيم مجتمعه وينضم الى جماعة تنادي بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية ، يغير اسمه وكنيته ويعمل متخفياً في وظيفة خادم لأحد الأثرياء من أجل فضح هذه الطبقات البرجوازية . عام 1885 ينتهي من كتابة أولى مسرحياته ” بيت الأرامل ” والتي قدمت على المسرح عام 1892، وفيها نتعرف على الطبيب الشاب ترنش الذي يلتقي خلال رحلة بحرية بفتاة جميلة يُغرم بها ، فيقرر أن يتعرف على عائلتها ، وحين يلتقي بوالد الفتاة يكتشف إنه حقق ثروته الكبيرة من خلال استغلال الفقراء الذين يستأجرون عنده بيوتاً لا تتمتع بأي مواصفات صحية .فيعمل ترنش على فضح هذه المعاملة والمطالبة بإقامة مشروع سكني يحفظ لهؤلاء إنسانيتهم ..ويعلن بطل المسرحية :” إن ضميري هو منبع الوعظ الحقيقي ، إذ يغيظني أن أجد الناس مطمئنين ، في حين يجب أن يكونوا غير مطمئنين ، وأنا أصرّ على أن أجعلهم يفكرون”.

بعد بيوت الارامل يواصل برناردشو خطواته المسرحية والفكرية على نحو مستمر ولفترة طويلة من الزمن ، ومعظم هذه المسرحيات وضع لها مقدمات طويلة كتبها باسلوب نقدي تهكمي . اما العدد الكبير من الكتب التي نشرها برنارد شو عن المشكلات الاجتماعية والسياسية فقد اثارت حينها ضجة كبيرة .

في الثاني من تشرين الثاني عام 1950 يموت برنارد شو دون ان يحقق امنيته ” العيش مئة عام ” والتي كان يعتبرها الحد الادني لعمر الانسان :” وقد عقدت العزم للوصول اليها ” ، ويكتب قبل وفاته بشهر :” لقد حللت كل مشكلات عصرنا الكبرى ، ومع ذلك لا يزال جميع الناس يظنون انها ما فتئت بغير حل ” .. عاش برنارد شو مؤمنا بأن ” قوة الحياة ” هو الشعار الذي يجب ان يحارب الناس من اجله .. وكان صريحا في نقده للخرافات ومواجهته لرجال الدين ، وظل يعتقد ان :” الناس لن يحسوا جوعا الى الدين إلا بعد ان يشبعوا جوعهم الى الطعام ” .

******

يكتب كولن ويلسون إن برنارد شو الشاب كان:  ”  متمردا  ، كما أن وصفه ينطبق على كل شاب لامع عبقري قبل أن يقنع نفسه أو إنساناً آخر بعبقريته ” .. ويضيف إن :” المؤثر الأول على أفكاري في السنوات التي كتبت فيها ( اللامنتمي ) هو برنارد شو ، وكنت قد فتحت المذياع في إحدى الأمسيات وسمعت صوت المستر ايمسي برسي وهو يقول :

-( أيها الأصدقاء والزملاء من أفراد العصابة ، إنني أود أن أتقدم باقتراح معين في هذا الاجتماع . لقد قضينا حتى الآن ثلاث أمسيات في بحث ومناقشة السؤال التالي : هل يملك الفوضويون أو الاشتراكيون الديمقراطيون أعظم الشجاعة ؟ .وقد تعمقنا في شرح أصول الفوضوية والاشتراكية الديمقراطية . وقام الفوضوي الوحيد بيننا بتمثيل الفوضوية تمثيلاً كاملاً رغم إنه لايعرف ما هو معنى الفوضوية )  .

كانت تلك بداية الفصل الثالث من مسرحية ” الإنسان والسوبرمان ، وإنني لأجد الآن إنني لا أستطيع أن أقرأ هذا الفصل دون أن يصيبني شعور غريب بالقلق . وقد كانت تلك التجربة جديدة عليّ تماماً ، ولن أدعي بأن تلك التجربة قد أسرتني ، كلا ، لم يحدث ذلك ، وإنما شعرت بشيء من الضيق ولم أستطع تعقب معظم الفصل ، إلا إنني دهشت كثيراً حين عرفت إن إنساناً آخر قد فكر قبلي بالفعل وكتب عن المشاكل ذاتها التي كانت تشغل بالي ” .

كان برنارد شو في السابعة والأربعين من عمره عندما انتهى من كتابة ” الانسان والسوبرمان ” ، عاش قبلها تجربة كتابة مقالات عن ” نظرية التطور ” وحاول أن يناقش الفيلسوف الفرنسي برغسون حول نظرية ” التطوّر الخلاق ” ، ويذكر برتراند رسل في سيرته الذاتية إن برنارد شو كان مهووساً بنظرية برغسون التي  يؤكد  فيها إن الحياة هي محاولة لتحرير الطاقة وهي تستخدم القوة والمادة وتتحرر في حركة مستمرة ، وبفعلها هذا تصبح حرة على الدوام ، يقول رسل إن :” حفلة غذاء أقيمت في لندن تكريماً لبرغسون دعي إليها برنارد شو بوصفه أحد المعجبين بالفيلسوف الفرنسي ، وقد أخذ برنارد شو في الحفل يعرض نظرية برغسون بأسلوب قريب من نمط مقدمات مسرحياته ، فاعترض برغسون بلطف قائلا : أوه ياعزيزي  ..إن الأمر ليس كذلك .. ولكن برنارد شو لم يتوقف بل أجاب : أي زميلي العزيز ، إني أفهم فلسفتك خير منك ” .

كان برغسون قد نشر فصولاً من كتابه ” التطور الخلاق ” الذي صدر كاملاً عام 1907 والذي اتخذ فيه مذهب التطوّر كأساس نهائي لأتجاهه الفلسفي. وقد حاول أن يؤول التطوّر تأويلاً روحياً، عكس ما أراد أن يقدمه تشارلز داروين في كتابه أصل الأنواع،  حيث قدم تفسيرات مادية للتطور . أكد برغسون إن الإنسان ليس ألعوبة في يد التنازع المادي القاسي لقانون البقاء للأصلح ، فالحياة ليست نتاج قوانين آلية ، وهي ليست كالنهر يجري بقوة ليدفع الإنسان في طريق التطور والقوة الدافعة ليست خارجة عن الإنسان ، بل هي في داخله ” إن الحياة فنان يعمل من تلقاء نفسه ” فهي تبشر في كل لحظة بأنها ستزدهر وتغدو شيئاً لم يخطر في البال ، إنها تنبع من حقيقة رائعة ، ” إن جوهر حياة الإنسان الخلاقة هو الله ” والحياة تدفع الى الأعلى ” فالحيوان يسمو على النبات والإنسان هو الذي يبسط سلطانه على الحيوان ، والبشرية كلها مكان وزمان جيش واحد ضخم يركض بجانب كل منا وأمامه وخلفه في حملة جانحة قادرة على دك كل مقاومة وإزالة كل عقبة “.

في مقدمته  لمسرحية ” الانسان والسوبرمان ” يكتب برنارد شو إن :” الرغبة في عمل شيء ، هذه القوة تعمل في درجة معينة تمليها عليها الضرورة للخلق والإبداع ، فإذا كان الرياضي مثلاً وهو يعرف إنه سينزل الى مباراة ، يمكنه أن يزيد من قوته ويضيف عضلة الى عضلاته ، فمن المعقول إن فيلسوفاً مقتنعاً بأساليب هذه القوة يمكنه أن يخلق ، فكرة أو عقلاً ، ومن الجلي إذن إن الطريقين ضروريان لنهاية حتمية .. والتطور يرينا هذا الاتجاه الضروري لعمل كل شيء ” ..ويضيف :” ولكننا في الإنسان ، حين نرغب في إيجاد سلالة جديدة منه ،لا نعرف ما نهدف إليه ، هل ننشد رجلاً وسيماً ، فيلسوفاً ، رياضياً مع امرأة جميلة سليمة تكون زوجته ؟ ، والجواب إن التجارب وحدها هي التي سترشدنا ، وهي تجارب لا بد تحتوي الإصابة والخطأ . ولكننا مع ذلك نتفق على إننا نحتاج إلى العقل والتفوق في السوبرمان ” .

في ” الإنسان والسوبرمان ” نحن امام فتاة جميلة من عائلة غنية ، يموت والدها ، فيتولى رعايتها وصيين ، الأول صديق للعائلة يدعى رامسدن يحمل أفكاراً تؤمن أن التغير في المجتمع لن تقوده الثورات السياسية  ، وإنما سيقوده العلم وهو يؤمن بأفكار داروين ، والثاني يدعى تانر وهو شاب وسيم يؤمن بأن الثورة قادمة لتغيير المجتمع  وهي لابد ان تتم عن طريق القوة  ، وقد ألف كتاباً عن مفهوم الثورة والإنسان الثوري ، ومنذ بداية المسرحية يجد المشاهد نفسه أمام صراع شديد بين الرجلين ، إلا أن الفتاة تميل الى الشاب تانر وتخطط للزواج منه ، لكنه لا يؤمن بمشروع تأسيس أسرة ، فهو يهدف الى أن يتغير المجتمع بأكمله ، ويعتقد إن الفتاة تصلح زوجة لاي رجل إلا هو ، إلا أن مساعد تانر يخبره إن الفتاة تعشقه هو ، وليس الوصي الآخر ، فيقرر تانر أن يضع حداً لقصة الحب هذه ، حيث يهرب مع مساعده الى صحراء نيفادا وفي الطريق يقع في أسر قطاع الطرق ، وأثناء فترة أسره يحلم ، فنجد إن المسرحية تحولت الى مسرح داخل مسرح ، ففي الحلم نرى تانر ، والفتاة آن ، كما نرى تمثالاً له ملامح الوصي رامسدن ، والشيطان الذي له ملامح شقيقة تانر ، الجميع في الجحيم ، وتتحول المسرحية الى مناقشة فلسفية ، فالجحيم عند برنارد شو ليس مكاناً للعذاب ، وإنما مجرد مكان للملذّات ، في هذه المناقشة سيؤكد الشيطان إن الرجال لم يخلّفوا سوى الحروب والدمار ، بينما المرأة حافظت على النوع البشري ، ويتشعب الحوار لنجد الجميع يناقش مفهوم الحب ، والإرادة ، والتطور وغيرها من الموضوعات ، وينتهي الحلم بأن تقرر الفتاة آن أن تنجب الإنسان السوبرمان بنفسها وسيكون على هيئة تانر .. ونعرف إن آن في الواقع تبحث عن تانر الذي يعود إليها بعد أن آمن بقوة الحياة وديمومتها .

من خلال مسرحية ” الانسان والسوبرمان ” يطرح برنارد شو فكرة ” إرادة القوة ” كما طرحها نيتشه من قبل والتي اكد فيها ان غاية الانسان لم تعد هي الوصول الى حالة معينة تحددها القواعد الاخلاقية المعمول بها ، بل هي ان يكتسب الانسان مزيدا من الرقي في الحياة على الدوام ، تلك هي فكرة الانسان السوبرمان كما طرحها نيتشه ، واكد عليها فيما بعد برنارد شو في انها دعوة الى ان نستبدل القيم السائدة بشيء آخر عبر عنه بكلمة ” تحقيق الحياة ” .ولم يكن برنارد شو يسير على خطى داروين ، فهو يعتقد ان الانسان لا يزال في طوره الاول لم يصل بعد الى مراحل السمو الاخلاقي ..ولنتذكر ان نيتشه كتب من قبل “إن كل كائن قد خلق من قبلُ شيئا يعلو عليه .. انكم قد سلكتم الطريق من الدودة الى الانسان ..ولكن ما زال فيكم من الدودة الكثير .. لقد كنتم في وقت قرودا ، وما زال الانسان إلى اليوم قردا اكثر من القرد ” ..يؤمن دون جوان في مسرحية ” الانسان والسوبرمان ”  بعالم جديد شعاره ” قوة الحياة ” ويعلن ان :” العملية التي تدور في داخلي ، هي عملية طموح الحياة الذي لا يتوقف نحو تنظيم اعلى ووعي ذاتي أوسع وأعمق واشد ” .

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0