أدب و تراث مختارات مقالات

الادب الفلسطيني بين تحفيز المقاومة وتحديات التطبيع ومغريات الحداثة

كتب الأديب عبد الرَّحمن بسيسو:

الْأَدَبُ الْفِلَسْطِيْنِيُّ بَيْنَ تَحْفِيزِ المُقَاوَمَةِ وتَحَدِّيَاتِ التَّطْبِيْعِ ومُغْرَيَاتِ الْحَدَاثَة

(2)

وِجْدَانٌ كُلِّيٌّ، زَمَكَانُ وَطَنٍ، وأَزْمِنَةٌ هَارِبَةْ

لَيْسَ لِقَارئةٍ لَمَّاحَةٍ، أو لِقَارئٍ لَمَّاحٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ لاحَظَا الْمُفَارَقَةَ اللَّافِتَةَ الَّتي انْطَوى عَلَيْهَا عُنُوانُ أُولَى المَقَالَاتِ الاسْتِهْلالِيَّةِ الَّتي نُشِرَتْ في عَدَدِ “الهَدَف” السَّابِقِ حَامِلةً الْعُنْوان: “مِنْ زمَكَانِ الْحَقْلِ إلى أَزْمِنَةِالصُّمُودِ والْمُقَاوَمَة”، وهيَ المُفَارَقَةُ النَّاجِمَةُ عَنِ اسْتِعْمال مُصْطلَح “زَمَكَانِ” في صِيْغَة الْمُفْردِ الدَّالِ عَلى الْواحِدِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ على رُسُوخِ لُحْمَةِ الزَّمَان والمَكَانِ، تِلْكَ الْمتَجَلِّيَةِ، عَلَى نَحْوٍ أو آخَرَ، في أعْمَاقِ الْوِجْدَانِ الْفِلَسْطِيْنِيِّ الفَرْدِيِّ والْجَمْعِيِّ بِقَدْرِ تَجَلِّيْها في المَجَالِ الْوُجُوديِّ الحَيَويِّ الَّذِي هُوَ المَكَانُ/الْوَطَنُ: “فِلَسْطِين”، وذَلِكَ فِي الْعِبَارةِ الأُوْلَى مِنَ الْعُنْوانِ، ومِنْ أُوْلَى جِهَتَيِّ بِنَاءِ مُفَارَقَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ يُرادُ لَهَا أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عَلَى تَبَايُنٍ مَفْهُوْمِيٍّ ذِي مَغْزَىً نَقْدِيٍّ جَمَالِيٍّ، وَوُجُوْدِيٍّ عَمِيْقْ.

وثَمَّةَ، مِنَ الْجِهَةِ الثَّانيِةِ الْمُكَوِّنَةِ لِهَذِهِ الْمُفَارَقَةِ؛ أَيْ في العِبَارةِ الثَّانِيّةِ مِنَ الْعِنْوَانِ نَفْسِهِ، ثَمَّةَ اكْتِفَاءٌ بالْكَلِمَةِ: “أَزْمِنَة”، الآخِذَةِ صِيْغَةَ الْجَمْعِ الدَّالِ عَلى إسْرافِ الـ”أَزْمِنَةِ” في الوُجُودِ التَّعَدُّديِّ الْخَارِجيِّ الْمُتَبَايِنِ الأَحْيَازِ والأَحْوَالِ والأَكْنَاهِ والمَعَانِي، والْمُقتَرِنِ بِعَجْزِ هَذِهِ الـ”أَزْمِنَةِ” عَنْ تَجْلِيَةِ وُجُودِهَا الْحَيَوِيِّ في أَمْكِنَةٍ مُتَعَيَّنَةٍ تَلْتَحِمُ بِهَا، فتَصُوغُ، بِالتَّفَاعُلِ مَعْهَا، أَحْيَازاً زَمَانِيَّةً – مَكانِيَّةً حَقْيِقِيَّةً؛ أيْ “زَمَكَانَاتٍ” حَيَّةٍ هِيَ بِمَثَابَةِ مَجَالاتٍ حَيَوِيَّةٍ تَتَطَابَقُ تَجَلِّيَاتُ وُجُوْدِهَا فِي الْحَيِّزِ الْمَكَانِيِّ الْخَارجِي مَعْ تَجَلِّيَاتِ وُجُودِهَا الْمائِرِةِ في أَعْمَاقِ الْوِجْدَانِ الْفَرْديِّ لِلْمُوَاطِنِ الْفِلَسَطِيْنيِّ الَّذِي اقْتُلِعَ مِنْ أَرْضِ وَطَنِهِ؛ مِنْ مَوْطِنِهِ الأَصْلِيِّ، ومِنْ بِيْتِهِ، ومِنْ مُجْتَمَعِهِ، ومِنْ مَدارِ وُجُوْدِهِ الْحَيَوِيِّ، وهُجِّرَ، قَهْراً وقَسْراً، مِنْهَا جَمِيْعَاً، فَصَارَ لاجِئَاً، مَنْفِيَّاً، يُتَابِعُ البَحْثَ عَنْ مَنْفَى آخَرَ فِي المَنْفَي لِتَدَبُّرِ أُمُورِ عَيْشِهِ وأُسْرَتِه، أَو رُبَّما لِتَلْبِيَةِ مَا تَتطلَّبَهُ “الْكَينُونَةُ” الرَّاضِيَةُ الرَّخْوَةُ، أَوْ الْفَاعِلَةُ الْوثَّابَةُ، فِي مَكَانٍ هُوَ في الْبِدَءِ والْمُنْتَهَى “مَنْفَىً”، فِيْمَا هُوَ لا يَكُفُّ عَنِ اجْتِراحِ مَا قَدْ يُفْضِي إلى إدْرَاكِ “عَوْدَةٍ” إلى زَمَكَانِ الْوَطَنِ، أوْ رُبَّمَا هُوَ يَكْتَفِي، تَحْتَ وطْآةِ وعْيٍّ زائِفٍ أو شَرْطٍ قَاهِرٍ، أَوْ ضَرُوْرةٍ حَيَاتِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِعَدَمِ التَّوقُّفِ عَنِ انْتِظَارِ قُدُومِ مَا يَأْذنُ لَهُ بِعَودةٍ حَقِيْقِيَّةٍ إِلَيْهِ، أوْ هُوَ يَسْعَى، فَاعِلاً ومُثَابِراً، وعَابِراً، بِوعَيٍّ حَقِيْقيٍّ، كُلَّ سَبِيْلٍ مُمْكِنٍ، لإدراكِ عَودةٍ لَا زِيْفَ فِيْهَا ولَا عَوْدَ عَنْهَا؛ ولا تَتَجَسَّدُ، فِي تَصَوُّرهِ الرُّؤْيَويِّ الْعَمِيْقِ، إلَّا بِاسْتِعادَةِ الأَرضِ كَامِلَةً بِكُلِّ مُتَعَلِّقَاتِهَا: “أَرْضَاً” مُحَرَّرةً مُوحَّدةً غَيْرَ مُقَسَّمَةٍ، وغَيْرَ مُجَزَّأةٍ أَوْ مُقَطَّعَةِ الأوْصَالِ؛ وإِلَّا بِإعَادةِ إنْهَاضِ الْوَطَنِ بِأَسْرهِ بِكُلِّ مُقْتَضَيَاتِهِ ولَوَازِمِهِ وشُروطِ وُجُوْدِهِ: و”وَطَنَاً” حَقِيْقِيَّاً كَامِلَاً، مُحَرَّراً ومُلْتَحِمَاً، وذَلِكَ بِلاَ أَدْنَى نَقْصٍ، وبِلَا أَيِّ تَزْوِيرٍ، أَوْ تَكْيِيفٍ، أَو تَشْطِيرٍ، وبِلاَ أَدنَى زِيَادةٍ زَائِفَةٍ تُفْقِدُهُمَا دلالَةَ اسْمِهِمَا الْوَاحِدِ، وجَوْهَرَ مَعْناهُمَا المُتَواشِجِ ، ومِنْ دُونِ أَيِّ إبْدَالٍ يُرادُ لَهُ أنْ يَأْخُذْهُمَا صَوبَ مَا يُنَاقِضُ حَقِيْقَتَهُمَا الزَّمَكَانِيّةَ القَائِمَةَ في الْوِجْدَانِ الْكُلِّيِّ، أَو يَنْزَعُ عَنْهُمَا مَا يُكْسِبْهُمَا قِيْمَتَهُمَا الْحَقِيْقِيَّةَ الْمُتَواشِجَةَ مَعْ قِيْمَةِ الإنْسَانِ الْفِلَسْطِيْنِيِّ، والنَّابِعَةَ، أَصْلَاً، مِنْ قِيْمَتَهِ، والَّتي لَنْ يَكُونَ لَهَا أَنْ تَتَحَقَّقُ لِأَيِّ قُطْبٍ مِنْ أقْطَابِ هَذَا الثَّالُوثِ: الأرْضْ؛ الإنْسَانْ؛ الْوَطَنْ، بِمَعْزَلٍ عَنْ تَفَاعُلِهِ الْحَيَاتِيِّ والْوُجُوْدِيِّ الْمَفتُوحِ مَعْ قُطْبَيهِ الآخَرَينِ.

ومَا لِلْخُلاصَةِ الأخَيْرَةِ أَنْ تَعْني، فِي تَصَوُّري الْمُؤَصَّلِ بِإعْمَالِ الْعَقْلِ، أَمْراً أَبْلَغَ مِنْ حَقِيْقةِ أنَّ ثَالوثَ الأَرْضِ الْفِلَسْطِيْنِيَّةِ، والْوَطَنِ الْفِلَسْطِيْنِيِّ، والإنْسَانِ الْفِلَسْطِيْنِيِّ، ثَالُوثٌ مُتَمَاسِكٌ ومُلْتَحِمٌ، وأَنْ لَيْسَ لِقُوَّةٍ غَاشِمَةٍ، مَهْمَا بَلغَتْ ضَراوةُ وَحْشِيَّتِهَا ومَهْمَا تَفَاقَمَ ظُهُورِ عَلامَاتٍ قَدْ تُعَزِّزُ تَوَهُّمَهَا بِقُربِ تَحَقُّقِ مُراَهَناتِهَا عَلى إمْكانِيَّة انْدِلاعِ سَدَائِمِ النِّسْيَانِ فِي “الْوِجْدانِ الْفِلَسْطِيْنِيِّ الْكُلِّيِّ مَعْ تَوالي مُرُورِ الأزْمِنَةِ الْهَارِبَةِ، أَنْ تَتَمكَّنَ مِنْ تُفْكِيْكِ عُرَى لُحْمَةِ، وَرُسُوخِ تَمَاسُكِ، هَذَا الثَّالُوثِ الْوُجُودِيِّ الْخَالِد!

ومَا لِهَذِهِ الْحَقِيْقَةِ الَّتي ألَحَّ الإبْدَاعُ الأدبيُّ والْفَنِّيُّ الْفِلَسْطِينِيُّ عَلَى تَجْسِيْدِهَا مُنْذُ الْبِدَايَاتِ الْمُنْبئِةِ بِوُقُوعِ “النَّكْبَةِ الْكُبْرى”، والَّتي لا يَزالُ، فِي أَعَمِّهِ الأغْلَبِ الرَّصِينِ: جَمَالِيَّاً ورُؤٍيَوِيَّاً، يُجَسِّدُهَا مُتَنَاوِلاً مَا يَخْلِقُهُ تَوالي مُرُورِ الزَّمَنِ، عَلَى تَغَايُرِ شُروطِهِ وسِمَاتِهِ وأَحْوالِه، مِنْ عَوامِلَ مُتَنَاقِضَةِ الْفَاعِلِيَّةِ والتَّأثِيرِ، إِلَّا أَنْ تُفْصِحَ عَنْ دَلَالَةٍ جَوهَرِيَّة مُؤَدَّاهَا أَنْ لَيْسَ لـ “فِلَسْطِيْنَ الْكُلِّيَةِ” أَنْ تُسْتَعَادَ عَلَى نَحْوٍ يُطَابِقُ حَقِيْقَتَهَا الْجَوْهَرِيَّةَ، إِلَّا حِيَنَ يَتَمَكَّنُ الإِنْسَانُ الْفِلَسْطِينيُّ الْحُرُّ الْمُثَقَّفُ الْوَاعِي، مُنْدَمِجَاً بِشَعْبِهِ وَمُنْخَرِطَاً فِي صُلْبِ نِضَالِهِ التَّحَرُّريِّ الْعَنِيدِ، مِنْ تَوفِيرِ الشُّروطِ الْجَوهَرِيَّةِ اللَّازَمةِ لإِكْسَابِ “الْوطَنِ الْفِلَسْطِينِيِّ” الطَّاقَاتِ الْحَيَوِيَّةَ الْكَفِيْلَةِ بِإِنْهَاضِ قُدْرَتَهِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي تَمَكِّنُهُ مِنْ أَنْ يُجَلِّي، فِي زَمَكانِيَّتِهِ الْمَوضُوعِيَّةِ الْمُتَواصِلَة الْوُجُودِ، وَفِي شَتَّى تَجَلِّياتِ تَجَسُّدِهِ الْجِيُوسِيَاسِيِّ الْحَضَاريِّ والثَّقَافيِّ الْحَيَوِيِّ الْمَنْشُودِ مِنْ شَعْبِهِ، ومِنْ كُلِّ الإنْسَانِيِّينَ الأحْرارِ مِنَ النَّاسِ، مُكَوِّناتِ حَقِيْقَتِهِ الْجَوْهَرِيَّةِ السَّاطِعَةِ، ومَعْنَى مَعْنَاهُ، ومَغْزَى وُجُودِهِ الإنْسَانِيِّ الْحَضَاريِّ التَّارِيْخِيِّ الْحَقِيْقيِّ الْمُتَواصِلِ: مَاضِيَاً، وحَاضِراً، وَمُسْتَقْبَلاً، والمْفْتُوحِ عَلَى صَيْرورةِ الْحَيَاةِ الْحَيَّةِ، ومُسْتَقْبَلِ الْوُجُودِ الْحَقِّ!

ولا ريبَ في أنَّ كُلَّاً مِنَ القَارْئَةِ والقَارئِ قَدْ أَمْعَنَا النَّظَرَ، قَلِيْلاً أو كَثِيْراً، في مَا تَبُثُّهُ هَذهِ المُفَارقَةُ، ورُبَّمَا كَذَلِكَ فِي مَا تَكْتَنزُهُ فِي ثَنَايَاهَا مُوْمِئَةً إِلَيْهِ، مِنْ مُنْطَويَاتٍ مَفْهُومِيَّةٍ سَيَنْتَظِرَانِ مِنَ المَقَالاتِ اللَّاحِقةِ أَنْ تَتَبَيَّنَهَا لِتُبَيِّنَهَا، وَلِتُفْصِحَ، بِجَلاءٍ مُؤَصَّلٍ، عَنْ صِلَتِهَا الْعَمِيْقَةِ بالأَدبِ الْفِلَسْطِينيِّ الَّذي بَلْورَهَا رُؤْيَويَّاً وجَمَالِيَّاً. وهُوَ الأَدَبُ الَّذي قَدَّمَ المَقَالُ الاسْتِهْلَاليُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فَرْضِيَّةَ انْقِسَامِهِ إلى مَرْحَلَتَينِ كُبْرَيينِ أَسْمَى الْمرْحَلَة الأُوْلَى مِنْهُمَا بِـ”مَرْحلَةِ زَمَكَانِ الْحَقُلِ”، وتَرَكَ الْمرْحَلَةَ الثَّانِيَةِ، على تَوالي أَحْقَابِهَا وتَعَدُّدِ أَجْنِحَتِهَا، بِغَيرِ تَسْمِيَةٍ؛ لِكَونِهَا، كَمَا يَغْلُبُ عَلَى هَذَا الأَدبِ أَنْ يُصَوِّرَهَا مُسْتَنْبِطَاً عَبْرَ تَشَعُّبَاتِ التَّجَاربِ وتَنَوِّعِهَا حَقِيْقَتَهَا، مَحْضُ أَزْمِنَةٍ هَارِبَةٍ في سَدَاِئِمِ فَضَاءَاتٍ زَمَنِيَّةٍ بِلَا هُوِيَّةٍ؛ فَقَدْ تُلتَقَطُ سِمَاتُهَا الرئِيْسةُ الْمُعْزولَةُ عَنِ أيِّ صِلَةٍ بالْمَكَانِ، فُتُسَمَّى بِمَا يُلائِمُهَا، أَوْ لَا تُلْتَقَطُ أَبَداً فَتَبْقَى مَحْضَ أَزْمنَةٍ عَدَمِيَّةٍ تُراوغُ الْوجُودَ في فَضَاءٍ خَاوٍ يَخْلُو مِنَ الْخَصَائِصِ والسِّمَاتِ ذَاتِ الدَّلالةِ الْمَكَانِيَّة والْمغْزَى، فَلَا تُحَقِّقِ لِنفْسِها تَجَلٍّ في مَكَانٍ مُتَعَيَّنٍ يُجَلِّي وُجُودَهَا فَيُتِيحُ إمْكَانِيَّةَ الْتِقَاطِ سِمَاتِهَا الْمُتَعَيَّنةِ في تَجَلِّيَاتٍ مَكَانِيَّةٍ مُدْرَكَةٍ، ويَجْعَلُهَا، إِذْ ذَاكَ، قَابِلةً للتَّسْمِيَةِ الاصْطِلاحِيَّةِ الدَّالَّةِ، بِكَثَافَةٍ مُركَّزةٍ، عَلَيْهَا!

***

وَيَبْدُو أنْ “الزَّمَكَانَ”، كَمُصْطَلَحٍ فَلْسَفِيٍّ جَمَاليِّ، أَوْ وِجْدَانيٍّ نَفْسِيٍّ، أو جِيُوسِيَاسيٍّ، أَوْ رُبَّمَا كَمُصْطَلَحٍ عِلْمِيٍّ مُتَداولٍ في عِلْمِ الطَّبِيْعَةِ وفي غَيْرهِ مِنَ الْعُلُومِ ذاتِ الصِّلَةِ، لا يَسْتَطيعُ إظُهَارَ أَيٍّ منْ تَجلِّياتِهِ الْمُمْكِنَةِ الْوُجُودَ، بِمَعْزلٍ عَنْ تَطَابُقِ أَحْوالِ طَرَفَيْهِ: الزَّمَانِ والْمَكَانِ، بَلْ والْتِحَامِهِما مَعَاً فِي كَيْنُونَةٍ وُجُودِيَّةٍ واحِدةٍ تَتَطابَقُ تَجَلِّيَاتُهَا الْخَارِجِيَّةُ مع تِلْكَ الْكامِنَةِ في الْوِجْدَانِ الإنْسَانيِّ، سَواءٌ  أَكانَ هَذا الْوِجْدَانُ فَردِيَّاً مُتَبَايِناً، أوْ جَمْعِيَّاً مْؤَسَّسَاً على قَواسِمَ مُشْتَركَةٍ، أَو كَانَ كِلَاهُمَا مَعَاً وَقَدْ وُسِمَا بتَطَابِقٍ تَكْوِينيٍّ بَاطِنيٍّ عَمِيْقٍ، وبِتَعَالُقِ تَجَلِّياتٍ خَارِجِيَّةٍ مُنْسَجِمَةٍ ومُتَشَابِكَةٍ وذَاتِ تَطَابُقٍ حَمِيْمِيٍّ يُطَابِقٍ مُكْتَنَزاتِ الْوِجْدَانِ، فَيَكُونُ لهَذَا التَّطَابُقُ التَّفَاعُلِيُّ الْخَلَّاقُ أَنْ يَأْذَنَ، آنَئِدٍ، بِتَشَكُّلِ “الزَّمَكَانِ” بِوصْفِهِ مَجَالاً وُجُودِيَّاً حَيَوِيَّاً لإنْسَانٍ فَرْديٍّ حَقِيْقيٍّ يُدْرِكُ مُبْتَدأَ إنْسَانِيَّتَهِ، ويَسْعَى، عَبْرَ وُجُودهِ الفَاعِلِ في مُعتَرَكِ صَيرورةِ الْحَياةِ ومَخَاضَاتِ الْوجُودِ الْحَيِّ، إِلَى إدْراكِ كَمَالِهِ الإنْسَانيِّ الْحَضَاريِّ الْوُجُودِيِّ الْمُحْتَمَلِ، والَّذِي سَيَكونُ لَهُ، حَالَ إِدْرَاكِه، أنْ يُعَزِّزَ وُجُودَهُ كَفَردٍ يُدْركُ ذَاتَهِ، وينْصَهِرُ، بِإرادَتِهِ الْحُرَّةِ، فِي “ذَاتٍ جَمْعِيَّةٍ مُتَجَدِّدةٍ” يُسْهُمُ في صَوْغِهَا وفي إِكْسَابِهَا هُوِيَّتَهَا الْمتَجَدِّدةَ الَّدَّائِرةَ تَحَوُّلَاتُهَا عَلَى مِحْورِ ثَبَاتٍ هُوَ الانْتِمَاءُ الْجُذُوريُّ الْوُجُودِيُّ لِـ”فِلَسْطِين”، فَلا تَكُونُ هَذِهِ “الذَّاتُ الْجَمْعِيَّةُ ذَاتُ الْهُوِيَّةِ الْمتَجَدِّدةِ” إلَّا ذَاتَ شَعْبِهِ الْفِلَسْطِيْنِيِّ النَّاهِضِ لاسْتِعَادهِ حَقِّهِ الْحَضَارِيِّ الْوُجُوديِّ غِيرِ الْقَابِلِ، تَحْتَ أيِّ ظَرفٍ أَو حَالٍ مَهْمَا بَلَغَتْ ضَراوةُ شُرُوْطِهِمَا، لِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ في التَّنَازُلِ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، أَوْ  الذَّهَابِ إلى مُسَاوَمَةٍ سِّيَاسِيَّةٍ قَدْ تَقْتَرنُ بإلْقَاءِ ظِلِّ ظِلٍّ مِنْ شَكٍّ عَلى رُسُوْخِ حَقِيْقَتِهِ فِي جَوْهَرِ الْحَقِّ، عَلَيْه!

وإلى ذَلكَ، سَيَكُونُ لتَّشَكُّلِ “الزَّمَكَانِ الْفَرْدِيِّ” الْذي يُطَابِقُ “الْوِجْدانَ الفَرْديَّ”، أَنْ يُؤَسِّسَ، في اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا وبِسَببَ اسْتِحَالَةِ وجُودِ “وُجُودٍ فَرْدِيٍّ” قَابِلٍ للإِدْرَاكِ بِمَعْزَلٍ عَنْ وُجُودِ “وُجُودٍ جَمْعِيٍّ”، مُمْكِنَاتِ وُجُودِ مُقْتَضَيَاتِ تَشَكُّلِ “الزَّمَكانِ الْجَمْعِيِّ” الَّذي سَيَتَطَابَقُ وُجُودُه الخَارِجيُّ الْمُلْتَحِمُ مَعَ “الْوِجْدَانِ الكُلِّيِّ” النَّاهِضِ تَشَكُّلُهُ عَلَى تَفَاعُلِ القَواسِمِ الْمُشْتَرَكَةِ بين الأفرادِ مُتَمِيِّزي الذَّواتِ، والأَفْرادِ السَّاعِينَ إلى إدْراكِ مُكَوِّنَاتِ ذَوَاتِهِمُ الْمُتَمَيِّزةِ الْحَيَّةِ كَأَفْرَادٍ مُنْخَرِطِينَ في عَلاقَاتٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ حَيَوِيَّة، حَيَاتِيَّةٍ ووُجُودِيَّةٍ، مَع مَجْموعِ أَفْرادٍ ضِمْنَ “مُجتَمَعَاتٍ حَيَوِيَّةٍ صُغْرى”.

وسَيَكُونُ لِدَوَامِ انْفْتَاحِ هَذِه الـ”مُجتَمَعَاتِ الصُّغْرى” عَلَى تَفَاعُلٍ حَيَويٍّ مُحَفَّزِ بِحَاجَاتٍ حَيَاتِيَّةٍ وأَشْوَاقٍ وجُودِيَّةٍ شَتَّى، أَنْ يُفْضِيَ إلَى تَشكُّلِ “كَيْنُونَةً كُلِّيَةً” تُوَسِّعُ “الزَّمكانَ” وتُعَمِّقُ وُجُودَهُ، وتَجْعَلُهُ مُجْتَمَعاً كَبِيراً مُتَمَاسِكَ النَّسِيْجِ مُلْتَحِمَاً؛ أيْ مُجْتَمَعَاً تَتَآسَّسُ لُحْمَتُه عَلَى تَفَاعُلِ مُكَوِّنَاتِ حَضَارتِهِ الْمُتَنَوِّعِةِ والْمُنْصَهِرةِ في أَتُوْنِ نِظَامِهِ الثَّقَافي الرَّاسِخِ والْمُتَجَدِّدِ فِي آنٍ مَعَاً، وعَلَى إِدْراكِ مَا يَنْطَوي عَلَيه تَعَدُّدِ طَبَقَاتِهِ وفِئَاتِهِ وشَرائِحِه الاجْتِمَاعِيَّةِ المُتغَايَرِةِ الحَاجَاتِ والأولَوِيَات والتَّصَوُّرَاتِ والرُّؤَى، مِنْ ثَراءٍ وغِنَىً.

هَكَذا، فيْمَا أَحْسَبُ مُسْتَنِداً إلى الْحَقِّ والْحَقِيْقَةِ فَحَسْبُ، صَارتِ “الْمُجْتَمعاتُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ الْحَيَويَّةُ الصُّغْرى” “وطَنَاً فِلَسْطِيْنِيَّاً حُرَّاً” هُوَ المجَالُ الْوجُوديُّ الْحَيَويُّ الْوَحِيدُ لـ”مُواطِنينَ فِلَسْطِينِيينَ أَحْرار”، ولِشَعْبٍ فِلَسْطِيْنِيٍّ حَقِيْقيٍّ (غَيْرِ مُخْتَرَعٍ أَوْ مُفَبْرَكٍ!)، لِكَونِهِ شَعْبَاً قَدِ امْتَلكَ، عَبْرَ مَسِيرةٍ حَضَارِيَّةٍ تاريخِيَّةٍ تَواصَلَتْ في المَكَانِ نَفْسِهِ عَبْرَ كُلِّ الأزْمِنَة، كُلَّ مَا يُؤَهِّلَهُ لأَنْ يَكُونَ “شَعْبَاً أَصْلِيَّاً أَصِيْلَاً”؛ شَعْبَاً مُؤَهَّلاً” لِجَعْلِ “مَوْطِنِهِ الأَصْلِيِّ”، “وَطَنَاً أَصْلِيَّاً أَصِيْلاً”؛ شَعْبَاً مُهَيَّئَاً، طَوَالَ الْوَقْتِ، لِمُتَابَعَةِ تَرْسِيخِ وُجُودِهِ الْحَيَويِّ فِي رِحَابِ وَطَنِهِ الْأَصِيْلِ الْمائِرِ وُجُودُهُ في أَعْمَاقِ وِجْدَانِهِ الْوَطَنيِّ الإنْسَانِيِّ الْكُلِّيِّ بِقَدْرِ مَا هُوَ مُتَجَلٍّ فِي جَميعِ أَزْمِنَةِ هَذَا الْوَطِنِ وأَمَاكِنِهِ، وفي أغْوارهِ الْعَميْقَةِ وفَضَاءَاتِ سَمَاوَاتِهِ الْعَالِيَةِ، بِقَدْرِ مَا هُوَ مُتَعَيَّنٌ، بِجَلاءٍ سَاطِعٍ، فِي شَتَّى مَدَاراتِ الْوُجُودِ الحَضَاريِّ الإنْسَانيِّ الْمفْتُوحِ عَلَى مُسْتَقبَلٍ وُجُوْدِيٍّ مُتَجَدِّدٍ، ومَفْتُوحٍ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مَفْتُوح.

وَليسَ لِمثْلِ هَذا الرُّسُوخِ الْوطَنيِّ الْوِجْدانيِّ المَفْتُوحِ عَلَى صَيرورةٍ تَاريخِيَّةٍ سَتبْقَى تُعَزِّزهُ طَالَمَا ظَلَّ هُوَ الثَّابِتُ “الزَّمَكَانيُّ الْكُلِّيُّ” الَّذي عَلَى مِحْوَره تَدُورُ تَحَوُّلاتُ الْهُوِيَّةِ الْفِلَسْطِيْنِيةِ الَّتي لا تَكُفُّ عَنْ تَجْديدِ نَفْسِهَا عَبْرَ اكْتِنازِ خُلَاصَاتِ تَحَوُّلاتِهَا الْحَضَارِيَّةِ والثَّقَافِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ الْمْواكِبَةِ انْهَمَاراتِ الأزْمِنَةِ الطَّائِرةِ الْهَارِبَةِ الْمُتَغَايِرةِ الأَحِيَازِ اللَّامَكَانِيَّة والأحْوالِ والأكْنَاهِ، إلَّا أَنْ يُمَكِّنَ الإنْسَانَ الْفِلَسْطِيْنِيَّ الْفَرْدَ، لِيْسَ مِنَ انْتزاعِ حَقِّهِ فِي الْوُجُودِ الإنْسَانيِّ الحَقِّ بِوصْفِهِ إِنْسَاناً فَلَسْطِيْنِيَّاً إِنْسَانِيَّاً ذَا وُجودٍ خَلَّاقٍ فِي أيِّ حَيِّزٍ مَكَانيٍّ شَاءَتْ لَهُ النَّكْبَةُ الْكُبْرى أَنْ “يُوْجَدَ”، بِلا إرادةٍ حُرَّةٍ مِنْهُ، فِيْهِ، فَحَسْبَ، وإنَّمَا سَيُمَكِّنُهُ، كَذَلِكَ، مِنْ مُتَابَعَةِ تَأهِيْلِ نَفْسَهِ وأبْنَائِه، بِدَعْمِ أُسْرتِهِ الصَّغِيرةِ وعائِلَتهِ وأَبْنَاءٍ مِنْ أبْنَاءِ شَعْبِهِ ومِنْ أَنْصَارِ قَضِيَّتِهِ الْعَادِلَةِ، للانْخِراطِ الْفَاعِلِ، بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَوسْعِ أُبْنَائِهِ وأَحْفَادِهِ عَلَى مَدَى الأَجْيَال والْمراحِلِ والأَحْقَابِ والأَزْمِنَة، فِي مَسِيرَاتِ نُهُوضٍ فِلَسْطِينيٍّ وإِنْسَانيٍّ جَمْعِيٍّ تَسْتَهْدِفُ اسْتِعَادةَ الْوطَنِ الْفِلَسْطينيِّ الَّذي صُيِّرَ، مُنْذُ النَّكْبَةِ، زَمَكَاناً مَكْبُوحَاً، كَمَا مَالِكِيهِ الأَصْليينَ؛ بُنَاةِ حَضارتِهِ وصَانِعي تَارِيْخِهِ، عَنْ مُتابَعَةِ صَيرورَتِهِمَا الْوُجُودِيَّةِ الإنسَانِيَّةِ: الْحَضَارِيَّة، والثَّقافِيَّة، والتَّاريخيَّة، الْملْتَحِمَةِ: زَمكَانِيَّاً، وَوِجْدَانِيَّاً.

***

وإِلَى ذلِكَ، ولأَسْبَابَ أُخْرى عَدِيْدَةٍ قَاربَهَا الأَدَبُ الْفِلَسْطِينيُّ مُفْصِحَاً، بِعُمقٍ دلاليٍّ وتَمَيُّزٍ جَمَاليِّ، عَنْ جُذُوْرِهَا وتَنَوُّعِ مُكَوِّنَاتِها وتَشَعُّبِهَا، كَمَا سَنُبَيِّنَ لاحِقَاً بِجَلاءٍ يِتَأَسَّسُ عَلى قِراءاتٍ نَصِّيَّةٍ مُعَمَّقَةٍ، لَمْ يَكُنْ، ولَنْ يَكُونَ، بِوُسْعِ الإنْسَانِ الْفِلَسْطِينيِّ الْفَرْدِ، ولا بِوُسْعِ الشَّعْبِ الفلسطينيِّ بِأَسْرِهِ، وَأيَّا مَا كَانَ “الْحيِّزُ المَكَانِيُّ الْمُسَيَّجُ” و”الزَّمَنُ الأُفِقيُّ الْمُتَمَدِّدُ” كَخُيوطِ عَنْكَبُوتٍ، أَوْ الطَّائِرُ الْهَاربُ فِي سَدَائِمِ فَضَاءاتٍ بِلا هُوِيَّةٍ، وهُمَا “الْحيِّزُ اللَّامَكانيُّ” و”الزَّمَنُ الْهَارِبُ” اللَّذِانِ صَارَا يَحْكُمَانِ وُجُودَ الْوطَنِ الْفِلَسْطِينِيْيِّ وإنْسَانِهِ وشَعْبِه، أَنْ يَكُفُّا، عبْرَ كُلِّ وَسِيْلَةٍ ومَسِيْرةٍ ونَهْجٍ أَصِيْلٍ وسَبِيْلٍ مُمْكنٍ، عَنِ مُواصَلَةِ النِّضَالِ، الْمُرِّ والنَّبِيْلِ، لاسْتِعادةِ “فِلَسْطِينِهُمُ” الْمَسْرُوقَةِ، وذَلك مَهْما بَلَغَتْ شَراسَةُ سَارِقِيْهَا مِنَ الرَّأْسِمَاليينَ الاسْتِعْمَاريينَ الْغَرْبِيينَ المَأْخُوْذِينَ بغَرائِزِ الْجَشَعِ الاسْتِحْواذِيِّ، ومِنَ العُنْصْريينَ الصُّهْيونِيينَ الْمُصَنَّعِينَ، و”الْمُحَوسَلِينَ” بِتَخْطيطٍ مُحْكَمٍ، مِنْ قِبَلِهِمْ؛ أَولَئِكَ السَّارِقِينَ الْمُتَحَالِفِينَ، والسَّاعِينَ، بِكُلِّ وَسِيْلَةٍ غَاشِمَةٍ ومُتَوحِّشَةٍ وَضِيْعَةٍ يُقَنِّعُونَهَا بِدَعَاوَى إنْسَانِيَّةٍ زائِفِةٍ، إِلَى مُتَابَعَةِ الاحْتِفاظِ بِـ”فِلَسْطِينَ” الَّتي صَيَّروهَا “إسْرائِيلَ”، والاسْتِمْرَارِ في تَزْويرِ حَقِيْقَتِهَا الرَّاسِخَةِ فِي الْوُجُودِ رُسُوخَ الْوُجُودِ، والْإمْعَانِ في سَلْبِ تَارِيْخِها، واسْتِلابِ حَضَارَتِهَا، عَبْرَ الاسْتِمرارِ فِي ادِّعَاء مِلْكِيَّتِهَا، زُوراً وبُهْتَانَاً مُقَنَّعَيْنِ بِحَقٍّ أُسْطُوريٍّ تخْيِيلِيٍّ زَائِفٍ، لأَنْفُسِهِم الْمسْكُونَةِ بالْعُنْصُرِيَّةِ، والتَّوحُّشِ، والْحِقْدِ الْأَسْوَدِ، والْجَشَعْ.

وبِطبيعَةِ الْحَالِ، وعَلَى نَحْوِ مَا قَدْ عَايَنَّا مِنْ قِبْلُ وبِحَسَبِ مَا نُعَايِنُ الآنَ، سَيَكُونُ لتَرويجِ السَّردِيَّةِ الاسْتِعِماريَّة الصُّهْيُونيَّة الزَّائِفَةِ عَبْرَ إعلامٍ كَونيٍّ يُهَيمُنُ صُنَّاعُهَا ومُرَوِّجُوْهَا ومُوَظِّفُوهَا، بِإحْكامٍ وبِشِبْهٍ إطْلاقٍ، عَلَيْهِ، أَنْ يَتكَفَّلَ بِإِبْدَاءِ أَمْرِ الصِّراعِ الدَّمَويِّ الدَّائِرِ فَوق أرضِ فِلَسْطينَ بِينَ الغُزاةِ الْمُسْتَعْمِريْنَ وأَصَحَاب الأَرضِ الأَصْلِيينَ، حَتَّى في لَحْظَةِ جِلَاءِ حَقِيْقتِهِ السَّاطِعَةِ فِي ضَمِيْرِ كُلِّ كَائِنٍ بَشَريٍّ ذِي عَقْلٍ إِنْسَانيٍّ يَقِظٍ، وهِيَ الحَقِيْقَةُ القَائِلَةُ إِنَّهُ صِراعٌ بَينَ حَقٍّ فِلَسْطينيٍّ حَضَاريٍّ وُجُودِيٍّ أَصِيْلٍ مِنْ جِهَةٍ، وبَاطِلٍ اسْتِعْمَاريٍّ صُهِيُونِيٍّ مُوغِلٍ في التَّزويرِ الْمُؤَدلَجِ مِنْ جِهَةٍ ثانِيَةٍ، وكَأنَّمَا هُوَ صِراعٌ بَيْنَ حَقَّينِ أَصِيْلَينِ، وذَلكَ عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ مِنَ الْجَلادِ ضَحِيَّةً ومِنَ الضَّحِيَّةِ جَلَّاداً، ويَمْنَحُ السَّارقَ الْمُجْرِمَ صَكَّ بَراءَةٍ، أَو رُبَّمَا سَلاسِلَ مُتَوالِيَةِ النَّسْجِ عَلَى أَنْوالِ “الْفُحْشِ الْبَشَرِيِّ” مِنْ صُكُوكِ بَرَاءَاتٍ، فَيَحْفَظُ لَهُ، مُبَاركاً عَلِيْهِ، كُلَّ مَا قَدْ سَرقَ، وفَاتِحَاً أَمامَ خَطْوهِ كُلَّ دَربٍ يُحَفِّزهُ عَلَى الإمْعَانِ في السَّرِقَةِ، والإيْغَالِ فِي انتْهَاكِ حُقُوقِ “الأَغْيَار” مِنَ النَّاسِ، ومُوَفِّراً لَهُ كُلَّ مَا يَحْمِيْهِ مِنَ الْمُسَاءَلَةِ عَمَّا قَدْ فَعَلَ في الْمَاضِي الْبَعِيْدِ والْقَرِيْبِ، وعَمَّا هُوَ يَفْعَلُ الآنَ، وعَمَّا سَيْفْعَلُ في مُقْبِلِ الأيَّامِ، حَيْثُ يُحِيْطُهُ، مُوظِّفَاً جَبَروتَ هَيْمَنَتِهِ الإعْلامِيَّةِ الْمُعَزَّزةِ بِأَوامِرِ الْقُوَى الرَّأْسِمَالِيَّةِ والْعَسْكَريَّةِ والتِّقَانِيَّةِ الْغَاشِمَةِ، بِكُلِّ “حَصَانَةٍ” تَنْأَى بِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لأَدْنَى إِمْكَانِيَّةٍ لِلْخُضُوعِ لِمُحَاكَمةِ عَادِلَةٍ تُنْزِلُ بِهِ مَا تُوْجِبُهُ عَدَالَتُهَا مِنْ عِقَابٍ سَيَكونُ لِلإنْسَانيَّةِ الْحَقَّةِ أَنْ تُلْزِمَ نَفْسَهَا بِإِيْقَاعِهِ، مِنْ فَوْرِهَا، عَلَيْه!

نُشر هذا المقال في مجلة “الهدف”، العدد 20 (1994)، تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، ص 64 – 67.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0