آدم و حواء مختارات مقالات نصوص أدبية

كم يمكن أن يكون الفرق هائلا بين امرأة وأخرى

بقلم/ خلوصي عويضة

مقاييس الجمال متفاوتة متباينة، وقِسْ على جميل بثينة قَيس ليلى والقزم الفرنسي بونابرتا…. لم تكن بثينة على درجة من الجمال، بل يُقال أنها لم تكن جميلة، فلا الوجه صبوح، ولا القدّ ممشوق، ولا الرقبة إبريق فضة أو حتى نحاس، من ملاحة الملامح وحسنها محرومة، لكنها في عين جميلها الوله المتيم أجمل النساء قاطبة،ومن قرأ عن عشق نابليون لزوجته جوزفين توالت شهقات دهشته من لهيب وله هذا المحارب الكورسيكي بامرأة تكبره بقرابة عقد،وصف أسنانها العلوي معوج ومجونها لامس حافة الجنون ،لكنه كان مولعا بذبذبات صوتها العذب ورائحة ابطيها وعرقها، ومعلومٌ للقارئ سبب ذلك فعين العاشق يمكن أن تكون في أي مكان غير الرأس.
لا أظنُّ عاقلا يمكن أن يضع النساء بسلة واحدة، فهن أممٌ يصعب حصرها بل يستحيل، لذا سبر أغوارهن عسير عسير، ومن النادر أن يفلح غواصٌ ماهر باستكشاف شيء من مكنون ومخبوء خواص قلوبهن، فعوالمهن اللامرئية تحتشد بجيوش مشاعرٍ متناقضة، غامضة، محيرة، دافئة، فاترة ، باردة لاسعة، أو ساخنة ملتهبة. ولأنني أمسيت في سنٍّ لا آبه بسببه أأقبلت الحسان أم أدبرت، سأحاول المغامرة بالولوج لعالم طبائعهن وخصالهن وخصائصهن أيضا.
من وحي الحياة و.المعايشة واستشراف عوالم النفس الأنثوية المثيرة، نجد من… هي مسكن سكينة واستقرار، ومنهن محطة راحة عابرة، ومنهن ملجأ رعاية وطمأنينة، ومنهن واحة حبٍّ تمنح بلا حدود دون أن تنتظر أي مقابل إذ أن روحها معجونة أو مجبولة من نهر العطاء والفداء فهكذا كان جيل الجدات والقواعد من الأمهات، ولا أظن حاضرنا يجود بالكثير من أمثالهن فالواحة في زماننا إن وجدت تجدها قابلة للتصحّرالسريع، أولئك السيدات العظيمات كانت إحداهن بأمّة من الناس لسمو أحاسيس أمومتها حدّ اللاحد، هنّ اللواتي كنّ يبكين سعادة لومضة فرح ، ويسكبن الدمع مدراراً للسعة ضرٍّ تهمّ بأن تمس الأبناء، يفضن رحمة وحنانا، زادهن الصبر والرضا بالكفاف والعفاف،كأنما خُلقن للتضحية فإيمانهن بالحبّ لذاته لا يتزعزع أو يتزحزح لحظة، كنّ بلا منازعٍ أُنس الوجود.
ومنهن من تمرّ وتمضي بحياة الرجل كبرق خاطف فلا هو منها ولا هي منه ، ومنهن دوحة، ظلال فيئ جمالها، مالها، حسبها ونسبها وارفة، فهذه للمفاخرة وثمن الاقتران بها باهظ ما لم يكن خُلق التواضع شيمة متأصلة بنفسها الزكية أو كانت حمية ونخوة مريدها ميتة، ومنهن من هي أكثر من شريكة ومكملة فأنت وهي اثنان ظاهرا واحد باطنا،نفسٌ واحدة حلت في جسدين، فمثل هذه أشبه بحديث خرافةٍ في يومنا لكن النفس العطشى تأبى إلا أن تؤمن باحتمالاتها الممكنة، ومنهن من هي مفرطة الحساسية والذكاء والشك، وهذا الثالوث الكارثي كفيل بجبّ كل المحاسن ولو كانت بلقيس على عرشها،فشريك مثل هذه بالرثاء أجدى من الغبطة أو الحسد، إذ لن تجده غير مكدود منكود كسير النفس، تماما كما الرجل إن كان سقيم النفس، شديد الشح ،يتسم بدنو بدل سمو الهمة بلا أفقٍ في الحياة، فمثل هذا لا شيء ولو كان بحسن يوسف وغنى سليمان عليهما السلام.
أما عن الغيرة فلها أطوار وهي مراتب، تتباين بشأن منسوب سقفها النساء، فمنها المجنونة المستحكمة وتكون كاسحة، للعقل ماحقة حالقة إذ تضربه ومشتقاته من رشد وروية بعرض الحائط، ومنها المعتدلة بقدر معقول، أما المنعدمة فأندر من طيور العنبر، فالغيرة تبقى قاسما مشتركا بين بنات حواء، بعكس الغرور فليس صفة متأصلة فيهن إذ أن من أسبابه ما هو مكتسب كالمكانة المجتمعية حصيلة المستوى الثرائي والثقافي وما يتبعهما من اعتدادٍ بالنفس، ثمّ الجمال الجمّ وهو قدريّ مرتبط بأصل الخلقة التي لا حيلة للإنسان فيها، ولعل من حسن الطالع والجميل أن ليس كل جميل مغرور، فكم من آية حسنٍ بين النساء ممن تسلب اللب والقلب معا وهي آية أيضا في الرقة والذوق والتواضع .
لا ريب أن المرأة عموما ككيان إنساني متكامل لم تكن بمنأى عن فداحة وضراوة ضريبة وأثر الحداثة وما بعد الحداثة السبب الرئيس برأيي وراء انخفاض وتدني مدى اتقاد شعلة عواطف جوانحها، نعم تراجع لصالح العقل، بل إن الكثيرات ساوين الرجال بل فقنهن انحيازا للحزم وتمسكا بتلابيب حسابات الحقل والبيدر، فما عاد القلب مشبعا بالمشاعر الجياشة كشأنه فيما مضى. لعل الجيد إلى الآن أن انحسارمنسوب نهر المشاعر لم يصل حدّ الجفاف ،فشئ أفضل من لاشئ، لا يروي العطش بل فقط يبلّ الظمأ، فأي شقاء أن يعيش الإنسان بعواطف شبه متجمدة؟!.
الأكيد الأكيد أنه على امتداد مراحل حياة الذكر تظل الأنثى حصنه الأمين، مذ بدء تكوينه وتشكّله جنينا في رحمها، مرورا بدفء حضنها سني الطفولة وبواكير الصبا، ثم مشاعر النشوة للظفر بشغف قلبها زمن الشباب، ثم الكفاح المحموم لتنحية هواجس أحاسيس الملل من الاستمرار معا، وأخيرا حنان مسك الختام بلون المشيب و نكهة الحنين لما مضى، نعم هي منبعٌ نضر ريان لشعوره بالأمان، وهو… روح حياتها فهل للحياة حياة بلا روح؟
مرهقة الكتابة عنهن فبعض الكلام يفتح على بعضه، ولو استرسلت فلا أدري إلى أين سأصل وماذا قد أحصد غير الصداع، سأختم بسؤال لربما أوضح كم يمكن أن يكون الفرق هائلا بين امرأة وأخرى، ترى… كم هي المسافة النفسية بين من فراقها عيد، ومن فراقها… فقدٌ،رديف الموت؟.
ويقيناً يحق للمرأة أن تتساءل بدورها …ترى كم رجل يعد بألف رجل وكم رجالٍ تمرُّ بلا عداد؟

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0