ادارة و اقتصاد عروض كتب مختارات مقالات

في الاقتصاد (3/4) قادة الفكر الاقتصادي

كتاب كل يوم جمعة (59)
في الاقتصاد (3/4) قادة الفكر الاقتصادي

بقلم/ وسام محمد
مع ابتداء القرن السابع عشر، كانت أوروبا يعاد تشكلها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بفعل أنهار الذهب التي كانت تتدفق على أوروبا من المستعمرات الحديثة الإنشاء في الأمريكتين وأستراليا، والمحطات التجارية التي أنشأتها شركة الهند الشرقية البريطانية ومستنسخاتها على سواحل أفريقيا وآسيا. كانت طرق الإنتاج والتسويق والتمويل تتغير عما كانت في العصور السابقة، وبتزامن مع تطور مناهج العلوم الوضعية، ظهر مجموعة من المفكرين أهتموا بمحاولة فهم ونمذجة ما يحدث، وولد علم الاقتصاد.
الكتاب الذي نعرضه اليوم، كتاب (قادة الفكر الاقتصادي)، يتتبع مؤلفه المؤرخ الاقتصادي (روبرت هيلبرونر) تطور الفكر الاقتصادي من منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وذلك من خلال مناقشة نقدية لأفكار أهم المفكرين الاقتصاديين في هذه الفترة، هؤلاء الذين يصفهم المؤلف بأنهم «كانوا شخصيات لا يعتد بها» و«كان يكمن في أفكارهم قوة خارقة للعادة».
الكتاب مكون من تمهيد وأحد عشر فصلًا.
التمهيد الذي يقدم به المؤلف كتابه يؤكد فيه على أهمية فهم دور المفكر الاقتصادي، وإن حتى هؤلاء الذين يمارسون الاقتصاد دون اهتمام بالفكر الاقتصادي، هم، دون دراية منهم بذلك، في واقع الحال مجرد رجع صدى لصوت مفكر اقتصادي مضى.
يبدأ الكتاب رحلته مع أفكار أعلام الاقتصاد العالمي في الفصل الأول من كتابه، والذي وسمه بـ (الثورة الاقتصادية)، وهو أشبه باستهلال يرسم فيه المؤلف صورة مسرح أحداثه الرئيس، أوروبا، وتحولاتها في مجال الاستعمار والتجارة الدولية والصناعة، مستخدمًا في ذلك سلسلة من الصور للحظات حاسمة في التاريخ الاقتصادي العالمي ومن بلدان مختلفة. ثم ينتقل في الفصل الثاني المسمى (العالم العجيب الذي صنعه آدم سميث)، إلى عرض ومناقشة نموذج الليبرالية الكلاسيكية الذي وضعه الفكر الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث، حيث تحكم المنافسة الحرة حركة الأسواق، والعمل من أجل تحقيق المصلحة الخاصة، لابد أن يؤدي إلى مصلحة المجموع، حيث تصبح هذه الليبرالية قادرة على إصلاح نفسها بنفسها؛ وهذا النموذج البسيط سرعان ما واجهته انتقادات موضوعية قدمها مالتوس وريكاردو، على النحو الذي يناقشه المؤلف في الفصل الثالث الذي اسماه (العالم القاتم الذي رسمه القس مالثس ودافيد ريكاردو)؛ وفي الفصل الرابع المسمى (العالم الجميل الذي تصوره الاشتراكيون الخياليون)، يبين كيف حاول عدد من المفكرين مثل روبرت أوين وسان سيمونيه وجون ستيوارت مل انقاذ العالم من المصير الأسود الذي تخيله مالتوس وريكاردو وشيعتهما، من خلال اقتراح اشكال اقتصادية غير الرأسمالية/الليبرالية، مثل الاقتصاد التعاوني، وهي أفكار أثبتت عدم قابليتها للتنفيذ، أو من خلال محاولة معالجة الليبرالية للتحكم في وحشية الرأسمالية على نحو ما فعل مل؛ وهو ما مهد اشتراكية ماركس/انجلز على النحو الذي يصفه المؤلف في الفصل الخامس، والذي عنوانه (العالم الصلب الذي بشر به ماركس)، عالم يتم فيه استبدال النظام الرأسمالي الليبرالي المجحف بالمستضعفين، بنظام يحقق العدالة الاجتماعي، ورسم ماركس خطة الاستبدال، خطة ثورية حاسمة، جذبت له الكثير من الأتباع، وجرت عليه وعلى اتباعه عداء المؤسسات التقليدية؛ وعلى نحو مواز من عالم الفكر الفلسفي الاقتصادي في أعمال مل وأعمال ماركس، يرصد المؤلف في الفصل السابع المسمى (العالم الفيكتوري والجماعات السرية من رجال الأقتصاد)، نشأة البنية الرياضية لعلم الاقتصاد ومحاولة بعض المفكرين مثل إدجورث وولراس وهنري جورج دراسة الاقتصاد على نحو موضوعي مستعينين بالعلوم الرياضية؛ وفي الفصل الثامن وعنوانه (العالم المتوحش الذي عاش فيه ثورشتاين فبلن)، والذي أعتبره من أهم فصول الكتاب، يقارن المؤلف ما بين الرأسمالية الأوروبية والرأسمالية الأمريكية، فالعالم المتوحش في عنوان الفصل يشير إلى عالم الرأسمالية الأمريكية، هذا العالم الذي ظهر فيه الناقد الاقتصادي فبلن، ليقوم بتمزيق كافة الأفكار الاقتصادية التقليدية، غير محاولًا استبدالها، ولكن محاولًا أن يبين عوارها؛ وبينما فبلن يقوم بمهمته، جاءت الحرب العالمية لتمزق وطن الرأسمالية الأصلي في أوروبا، وكسب الشيوعيين أعداء الرأسمالية مساحات شاسعة في شرق ووسط أوروبا، وظهرت ملامح الأزمة في الولايات المتحدة في صورة كساد راح يزيد، وهنا يظهر مينارد كينز، الرجل الذي سوف يؤثر على الاقتصاد الغربي والعالمي إلى نهاية القرن العشرين بل إلى اليوم، ويعيد صياغة الاقتصاد في صورة جمعت ما بين الرأسمالية والليبرالية معززة بنموذج رياضي، وهو ما عرف باسم الاقتصاد الكينزي نسبة له، وهو الأمر الذي يخصص له المؤلف الفصل التاسع ويسميه (العالم المريض الذي عالجه مينارد كينز)؛ لينتقل إلى الفصل العاشر، والذي يعنونه (العالم الحديث) وفيه يستعرض سريعًا عالم منتصف القرن العشرين، والمحاولات الدؤوبة لترويض الرأسمالية المتوحشة، وهي المحاولات التي اعتبرها المؤلف فاشلة في الفصل الأخير والمعنون (وراء الثروة الاقتصادية) والذي كرسه لعرض مجمل الأفكار النقدية للاقتصادي للناقد الاقتصادي جوزيف شومبيتر، ومؤكدًا على أن الرأسمالية بشكلها لحظة كتابه مؤلفه تعتبر طريقًا خطرًا تمشي في البشرية.
كتاب دسم، ويهدم فكرة الحتمية التاريخية والعلمية للرأسمالية والليبرالية، وسوف تجد أصداءه في كتب أكثر من واحد من المؤلفين العرب الذين تناولوا تاريخ الفكر الاقتصادي وأعمال المفكرين الاقتصاديين العالميين.
مؤلف الكتاب روبرت هيلبرونر، واحد من أهم المؤرخين الاقتصاديين الأمريكيين في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان محسوبًا على اليسار طيلة عمره، إلا أنه أيضًا توقع فشل الشيوعية اقتصاديًا في مقال نشره قبل انهيار الاتحاد السوفييتي؛ وله العديد من الكتب الهامة، أهمها كتاب اليوم الذي نشر عام 1953 بعنوان The Worldly Philosophers، وكتب أخرى منها مثل The Crisis of Vision in Modern Economic Thought وMaking of Economic Society.
المترجم الاقتصادي المصري د. راشد البراوي، وهو من أهم المفكرين الاقتصاديين المصريين في القرن العشرين، وأكثرهم تجاهلًا، تأثر في بداية حياته بالماركسية، وترجم العديد من الكتب الماركسية وهو صاحب أفضل ترجمة في رأي لكتاب ماركس الشهير (رأس المال)، كما أنه قدم العديد من المؤلفات التي تتناقض مع فكرة كونه ماركسيًا محضًا، مثل (التفسير القرآني للتاريخ) و(الحرية في الاقتصاد الإسلامي)، وغالبًا ما سوف يكون لنا لقاء قريب مع بعض ما ترجم وألف.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0