سياسة مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

عبود في ذكرى استشهادك.. ليتك كسرت كل البيت ولم ترحل

بقلم/ نور مجدي نعيم

لم اكن ادرك ان يوما واحدا بفارق زمنى لا يختلف عن قبله سوى ساعات قليلة سيكون كفيلا بنقش حزن عميق لا تمحوه سنون العالم كله .. ليتهم علموا ان تأخيرهم عن توقيع ورقة تنص على وقف نزيف الدم ادى الى فتح نزيف كوني من الدماء التي لن تجف كما جفت احبار ورقة اتفاقهم.

انها الرابعة عصرا بتوقيت اخر يوم في الحرب الثانية ،وانه القدر يدق ابواب بيتنا .. نعم نحن نستعد لتناول الغداء المتأخر اصلا ولم ندرك انه سيتأخر كثيرا الى درجة عدم اتيانه ذلك اليوم !
صاروخان مباغتان حاقدان مفاجآن للبرج المقابل لبيتنا والذي لا يبعد عن ساحة البيت سوى امتار قليلة (برج نعمة ) قلبو البيت الى دوامة من الصراخ والعويل واشخاص تجري ودماء تسيل !
جاء القصف .. تكسرت كل شبابيك المنزل ..كنت بالمطبخ مع امي وزوجة عمي واختى نعد طعام الغداء .. التفت سريعا الى الوراء حيث الصالون وكومة البشر التي كانت ممددة تاخذ قسطا من الراحة .. اي راحة هذة التى تحولت الى مشهد لا يمكن نسيانه ابن عمي ملقى على الارض يصرخ وينزف من قلبه .. عمى يحاول انقاذه وصوت الصراخ دب المكان ..
امي وبطبيعة فطرتها وخوفها على ابنها الصغير اول اسم نادت عليه هو عبود !
وكأن امي تدرك انه لن يكون بخير .. امي منذ بداية الحرب وتشعر ان شيئا ما سيحدث .. قدماها مشدودتان ويداها كذلك .
ذهبت امي مسرعة لترى عبود الذي يلعب بمكعباته الصغيرة الملونة فوجدته يخبئ وجهه على وسادة كانت على الارض .. حملت امي عبود واذ بكومة دماء على الوسادة ونزيف يخرج من انفه .. ابي بطبيعه الحال كان يحاول انقاذ ابن عمي الذي كان على حافة الموت وعندما رأي عبود وكانت امي تستغيثه بأن يراه .. اشار اليها ان لا شيء به .. ظانا منه ان قطعة زجاج قد جرحته جرحا بسيطا.

لم تعلم امي وهي تحمله ان اخى ينظر اليها نظراته الاخيره .. محاولا ان يقول اي شيء لكنه لم يستطع .. كنت ارى هذا المشهد امامي ولا استطيع الحراك وكأن ساعة الحياة قد توقفت .. ليتها توقفت !
فجأة ! بدأت بالصراخ ونزلت الى الطوابق السفلية احاول ايجاد اي مسعف لينقذنا .. لا ادري ماذا كنت اقول والى اي وجهة كنت اريد ان اذهب .. انا لم اذهب لاي مكان لقد توقفت بجانب سلة القمامة عند الطابق الثالث .. وقلت بأعلى صوتي .. حسبي الله ونعم الوكيل .. كل هذا ولم يكن قد حصل شيء بعد !
ثواني قليلة ورأيت ابن عمي محمولا من اربعة اشخاص وعمي يحاول ان يتحدث معه حتى لا يغيب عن الوعي .. زوج اختى يحمل عبود ويجري به ايضا ..
كان من بقي في المنزل يبحث عني انا .. ينادون في المنزل نور نور ..علي اجيبهم لقد نزلت دون علمهم يعتقدون اني قد غبت عن الوعي او حل بي مكرها ما ! .

بقي محمود.. نعم هذا اخى الثاني سقط على الارض فجأة بعد ما نزل اغلبنا الى الطوابق السفلية .. لم يستطع الحركة قالت له ابنه عمي .. محمود قوم شكلك خفت !
قال لها انا لا استطيع الحركة قدمي تؤلمني !
اخى كان مصابا في قدمه اليسرى ولم يكن يعلم من هول الموقف .. حينها سمعت احدهم يقول هناك مصاب في البيت فتذكرت اخى وبدأت استنجد برجل اسعاف ليصعد الى فوق وينقذه .. اخى كان قد بدأ يفقد الوعي قليلا ..
ما اذكره جدا ذاك الرجل الذي لا اعرفه ولا اذكر ملامح وجهه حتى .. رآني ابكي عند تلك الزاوية في الطابق الثالث ..قلت له .. اماانة شوفو اخوية فوق اماانة .. نظر الي ثم قال والله لنروح نشوفو ما تقلقي .. بعدها بثواني نزل اخى وكانت امي تجلس بملابسها الممتلئة بالدماء من اخى عبود بجانبي .. نزل محمود واطمئننا عليه !
امي كانت تشعر انها فقدت عبود وانه لن يعود .. كنت اصرخ واقول لها لااا يا ماما والله ما مات واللله !
اعادت امي الجملة وقالت عبود استشهد !
لم نكن نعلم بالخبر .. ابي كان في المشفى مع ابن عمي ادخلوه العناية المركزة وتحدث مع الاطباء عن حالته .. ثم رأي كومة من الاطباء متجمعين عند احدهم فقال له احدهم الله يصبرك يا دكتور .. ذهب ابي ليرى من هذا الشهيد فوجد ابنه ملقى على السرير .. لقد مات عبود !

جوالي لم يكن معي ولا حتى جوال امي ولا احد لقد نزلنا دون شيء .. وجدت في يدي سماعات الاذن دون الجوال بعد القصف .. احضر لي ابن عمي الجوال فوجدت عشرات المكالمات وعشرات الرسائل .. لم اقرأها ولم احاول الرد على اي احد .. الا اتصال واحد من صديقتي نور .. رن الجوال فتحت الخط مسرعة وقلت نوور شو صار باخوتي اخدوهم على المستشفى ما في كهربا اعرف الاخبار .. فقالت سامي ومحمود بخير الحمد لله .. فسكت وقلت لها وعبود يا نور فانهمرت بالبكاء رميت الجوال من يدي وصمت ثم بكيت ثم صرخت ثم سمعت صوت امي قد انفجرت بالبكاء .. نعم هكذا انتهت قصة عبود في هذه الدنيا .. انتهت عند من قرأ هذه العبارات ومن تابع الاخبار ومن رأي ابي وهو يحمل اخي بكل صبر ورضا بقضاء الله وقدره.
الحكاية عندي وعند امي وابي واخوتي لم تنته .. فالحياة بعد عبود لا تشبه قبلها.. ذاك المشاكس المحبوب اخذ قطعة الفرح في المنزل ورحل .. تراك تسمعني يا عبود تذكر حينما عدت من مشوار ذات مرة ووجدتك قد كسرت لى كل ما في مكتبي من اغراض ومكياج وقد لونت شرشف السرير باللون الاحمر !
ليتك كسرت كل البيت ولم ترحل .. ليتك انتظرت لنضيء شمعتك الثالثة دون ان تحترق قبل اكتمالها.

ختاما .. عبود انا بحبك وكلمة نول عن اسمي كانت احلى كلمة بسمعها . اشتقتلك يا حبيبي
ثمان سنوات

21 11 2012

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0