أدب و تراث مختارات مقالات

98 عاما على ميلاد ساحر الرواية

98 عاما على ميلاد ساحر الرواية
جوزيه ساراماغو. .. مُبصر في عالم العميان

بقلم/ علي حسين

عندما اصبح في الثالثة من عمره قرر والده أن يستخرج له شهادة ميلاد ، وقف الاب الذي كان في حالة سكر شديدة امام موظف التسجيل ليدون الاسم جوزيه دي سوزا ، وحين سأله موظف التسجيل عن اسم العائلة ، فكر قليلا ثم قال ” ساراماغو. ” ، وقد اكتشف الاب الورطة التي وقع فيها عندما قرر تسجيل ابنه في المدرسة الابتدائية ، حين استغرب احد المعلمين أن يكون لقب العائلة نوعا من انواع الفجل البري . جوزية دي سوزا ساراماغو. المولود في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1922 في منطقة اريناجا وسط البرتغال ، عاش حياته التي امتدت 88 عاما يؤمن بمقولة سقراط الشهيرة ” اعرف نفسك ” ، في شبابه اضطر أن يعمل في الكثير من المهن ، لكنه برغم الظروف كان يردد :” اننا نعيش الحياة كلها ..وأن بامكاننا ان نمتلك حياة اكثر غنى واكثر انسانية ” ، قبل نيله جائزة نوبل للآداب عام 1998 كانت الصحافة تتحدث عن استحالة حصول صاحب رواية ” العمى ” على الجائزة لأنه شيوعي ، وكان يسخر من هذه الاخبار ويقول :” امام الاكاديمية السويدية أن تكون ادبية وحسب ، لانني استطيع اليوم ان اقول بانني لن اتخلى عن كوني شيوعيا من اجل الفوز بهذه الجائزة ، إذا كان علي ان اختار بين جائزة نوبل وقناعتي فانني ساتخلى عن نوبل ” .
عاش جوزيه سامارغو طفولة صعبة ، في ظل عائلة تعاني من الفقر ، كان الوالد يعمل شرطيا مدمنا للخمر الذي يستولي على معظم راتبه ، يتذكر ساراماغو الصبي انه عمل في صغره راعيا مع جده :” كنت انقب الارض ، واجلب الحطب للمدفأة ، وادرت كثيرا دولاب بئر القرية ، وكم نقلت ماء على كتفيَّ . اتذكر يوم كنت اذهب مع جدتي عند الغسق لجمع القش لاستخدامه فراشا ننام عليه ” . وبسبب هذه الظروف كان عليه أن يترك المدرسة ليعمل في صنع الاقفال ، ثم بائعا متجولا للصحف ، وفي تلك السنوات يجد متعته الحقيقة داخل مكتبة بلدية برشلونة حيث كان يذهب بعد أن ينتهي من العمل ليقضي المساء في القراءة ، قرأ كثيرا وكثيرا ، يقول ان القراءة كانت بوابته الى الكتابة ، يتذكر عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره وقعت في يده قصيدة لريكاردو ريس الذي لم يعرف أنه كان أحد أسماء فرناندو بيسوا بعد ان انتهى من قراءة القصيدة ، قال لاصدقائه انه يتمنى ان يصبح كاتبا ، تصور الاصدقاء ان صاحبهم الذي لم يملك كتابا في يوم من الايام ، ولم ينشأ وسط عائلة تحب الكتب ، ربما كان يمزح :” نهضت في أحد الصباحات وقلت لنفسي: لقد حان الوقت لكي تكتشف ما إذا كنتَ قادرا على أن تكون ما تزعم أنه حقيقتك، أي كاتبا” ، في الخامسة والعشرين من عمره يدفع للطبع رواية بعنوان ” ارض الخطيئة ” التي لم تجد ناشرا لها ، فتكفل رفاقه بجمع تكاليف طبع 500 نسخة لم تجد من يشتريها ، يقرر التوقف عن الكتابة ، قال لشقيقه انه يحتاج الى ان يقرأ اكثر ، سيتوقف عن الكتابة لاكثر من خمسة عشر عاما ليجرب حظه هذه المره مع الشعر ، يصدر له عام 1966 ديوان شعر بعنوان ” قصائد محتملة ” الذي سيلاقي نفس الاهمال من القراء :” افهمتني هذه المحاولات الاولى ان ليس لدي شيء اقوله . في هذه الحال من الافضل ان اسكت ” ، في الخمسين من عمره سيكتشف ان تجاربه السابقة لم تكن لها علاقة بالادب ، وانه لم يكن يعرف لماذا يكتب وكيف ؟ ، آنذاك كان يكتب روايته ” ثورة الارض ” – ترجمها الى العربية احمد عبد اللطيف – يعمل في منطقة صحراوية ، وجد ان الوقت حان لأن يكتب رواية يظهر فيها شيء مختلف :” دون ان اعرف بماذا يختلف ودون ان اتمكن من فهمه ” ، جاءت الصفحات الاولى من الرواية شبيهة بروايته الاولى ، استمر بالكتابة حتى وصل الى الصفحة 25 ، حينها اكتشف انه يكتب بطريقة تقليدية ، علامات التنقيط المعتادة كلها موجودة والجمل القصيرة لا تريد ان تفارقه ، نظر الى الصفحات التي امامه ثم اخرج علبة كبريت ، واشعل النار بكومة الاوراق ، ثم اعاد كتابة الرواية من جديد :” رحت اكتب بطريقة جديدة ، بضع جمل طويلة تمتزج فيها اصوات مختلف الشخصيات في جملة ” ، كانت هذه بداية رحلته ككاتب ، بدا فيها ساراماغو يتوجه نحو بعد آخر في الكتابة ، تحررت فيها اللغة كما لو أن :” سدادة زجاجية مطمورة في كياني منذ الازل ومختومة ثم طارت وتحرر ما في الزجاجة كلها ” ، يعترف أن القراء هم الذين جعلوا منه كاتبا له جمهور شكل معهم علاقات وجدانية .. يتذكر انه قرأ عند المفكر الفرنسي مونتاني الذي كان يعشق كتاباته ، ان الحياة سلسلة من العثرات ، وفي اشد ايام العثرات كان لا يفارق رواية سيرفانتس ” دون كيخوته ” التي كانت احداثها تكشف عن اهمية الخيال في كتابة رواية محكمة ، قال في خطاب جائزة نوبل عام 1998 : “الشخصية الخيالية هي السيد ، والكاتب تلميذه”. في اسباب منح سامارغو جائزة نوبل للاداب اكدت لجنة الجائزة أن السيد جوزيه دي سوزا ” استطاع بالكثير من الرموز والأمثال الغارقة في الخيال مع المفارقات الإنسانية أن يعطينا باستمرار واقعا افتراضيا يمكننا الإمساك بأطرافه بدقة ”
لم يهتم لتعثر البدايات ، وسيجد متنفسا في روايته ” كتاب الرسم والخط ” الصادرة عام 1976 . في الثانية والستين من عمره يعود الى ملهمه الشاعر البرتغالي ” فرنارد بيسوا” ليكتب عنه رواية ” سنة موت ريكارد ريس ” مستخدما احد اسماء بيسوا المستعارة ” ريكارد ريس ” وفي هذه الرواية يبتكر ساراماغو سيرة لاحد الشخصيات الخيالية التي كان بيسوا يتخذ منها قناعا له ، نتعرف على ريكارد ريس الذي يمارس الطب ويعيش في البرازيل حيث نفى نفسه ، يجد ساراماغو نفسه ينطلق من عبارة كتبها بيسوا عام 1926 :” انا الشخصية المحورية لرواية تنتظر كاتبها ” في هذه الرواية يعيد ساراماغو “ريكاردو ريس ” من منفاه في البرازيل ليعيش سنته الاخيرة في بلده البرتغال ، كان هذا العام هو عام الدكتاتورية وحكم الرئيس سارزار المستبد ، وصعود الافكار النازية والفاشية ، حيث الحرب العالمية الثانية على الابواب ، وكان فرناندو بيسوا قد مات قبل عام – توفي عام 1935 – من خاتمة رواية ساراماغو وهو ما يدفع صاحب ” العمى ” الى استدعاء الشاعر بيسوا من قبره ، ليجمعه بالشخصية التي ابتكرها ” ريكاردو ريس ” ، حيث يمارس نفس اللعبة التي مارسها بيسوا وهو يخلق قناعه ” ريكاردو ريس ” ليواجه الشاعر البرتغالي بقناعه : ” أعتقد أني عدت لأنك مت، وبعد موتك كنت أنا الوحيد الذي يستطيع أن يملأ المكان الذي كنت تشغله، لا يمكن لأي حي أن يحل محل ميت. ليس أي منا حياً حقاً، ولا ميتاً حقاً. أحسنت القول، تستطيع أن تكتب حول ذلك قصيدة. ابتسم كلاهما ” ، لقد كان بامكان ريكاردو ريس أن يكتب حول هذا الأمر قصيدة ، لكن مهمة ساراماغو أعقد من ذلك وأصعب، وهي أن يمضي باللعبة إلى نهايتها، أن يكتب رواية..في الرواية نجد سامارغو يتمسك بمقولة فرناردو بيسوا:” عاقل هو من يتفرج على العالم ” ، عندما يسأله النقاد كيف يختار موضوعات رواياته يقول :” في العادة الحكايات التي ارويها تأتيني من الداخل . هذا كما لو كانت موجودة وتحتاج الى من يكتبها .انا شديد التعلق بالافكار التي تراودني ، لا اجلس الى طاولتي وانا اقول لنفسي علي ان اكتب كتابا . مفكرا بالموضوع . انتظر بصبر ان تنبثق الفكرة من اعماق كياني ” . عام 1995 ينشر روايته ” العمى ” التي ستضعه في مرتبة كبار كتاب العصر ، كان آنذاك يجلس في مطعم ينظر الى الخارج ، يشاهد المارة وهم يحثون الخطى ، وفجاة راوده سؤال :” ماذا لو كنا كلنا عميان ” ؟ وسيجيب على هذا السؤال بجملة معبرة في روايته العمى :” لكننا كلنا عميان ” .، في الرواية نحن في مدينة مجهولة الاسم، يتفشى فيها وباء غريب يصيب معظم سكانها بالعمى، ما يسرع من انهيار النظام الاجتماعي، بعدما حاولت السلطات التدخل لاحتواء الوضع من خلال القبض على العميان والزج بهم في السجون التي امتلأت شيئا فشيئا، فساهمت بسياستها الحمقاء في استفحال الأمور بشكل مأساوي، عندما تخلى الجيش عن المحتاجين وأفسح المجال للعصابات حتى تعيث فسادا في المدينة وتستولي على مخزون الأغذية والدواء، ما يدفع الناس إلى الاقتتال فيما بينهم.
يعترف انه يكتب صفحات قليلة كل يوم ، لايضع مخططا او مسودة لرواياته :” اكتب على غرار شجرة تننمو ، تنمو ، وتكبر وتكبر إلى ان تبلغ الحجم الي يجب ان تكون عليه ” . يؤمن ان الرواية الجيدة يجب ان تقوم على اسس ثابتة ومتينة ، يشبه عمله بعمل نجار الكراسي :” ان كتابة الرواية مثل عملية تشكيل كرسي ، يجب ان يكون الفرد قادرا على الجلوس عليه ، وان يكون متوازنا فوقه ” ، قال ردا على سؤال بعد حصوله على جائزة نوبل: هل كان يتصور ان يحصل على كل هذه الشهرة ؟ :” كنت مؤمنا على الدوام بان نجاحا ما ينتظرني ، وانه سيسقط ذات يوم في يدي مثل ثمرة ناضجة ” .في روايته الطوف الحجري – ترجمها الى العربية طلعت شاهين – يوجه نقدا للاتحاد الاوربي الذي كان آنذاك في طور التشكيل :” عبثا وجدت فكرة البيت المشترك السخي جدا ، لا استطيع ان ألفه ، لان في البيوت كلها صالونا ، وغرفة طعام والمطبخ والمستودع ” ، يؤمن ان الكتابة كفاح من اجل التعبير الصحيح ”
اعتبره الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم أفضل الكتاب الأحياء، ثار الفاتيكان ضده عندما أصدر”الانجيل برواية يسوع المسيح”في 1991. اعتبر الناصري ابن يوسف النجار وجعله يصارع، لا الشيطان، بل رمزاً عصرياً متعطشاً الى السلطة على حساب عذاب الآخرين وموتهم. سحبت حكومة البرتغال الرواية من المكتبات ، بعد شكوى الفاتيكان، كما قررت منع ترشيحها للجائزة التي يقدمها الاتحاد الأوروبي، غضب وغادر لشبونة مع زوجته الثانية بيلار ليستقرا في لانزاروت في جزر الكناري الاسبانية التي عاش فيها حتى ايامه الاخيرة ، عارض الفاتيكان منحه جائزة نوبل للاداب ، حيث اتخمته الكنيسة بنشر الالحاد ، ويسخر من لقب الملحد ، فهو لا يملك الرغبة في السخرية من الاديان ، فما يسخر منه ويدينه هو هذه السيادة التي تتمتع بها الكتيسة على الشعب ، هذه السيطرة التي تجعل الناس تتكبد كل شيء ، فهو يدين بقوة تحالف رجال الكتيسة مع السلطة السياسية في احلك سنوات الدكتاتورية :” هدفي عدم التخلي عن الناس الذين جاؤوا الى هذا العالم في الظلام ”
عانى في سنواته الاخيرة من مرض ” سرطان الدم ” ، واصيب بالتهاب رئوي ، في صباح الثامن عشر من حزيران عام 2010 استيقظ مبطرا ، تناول الافطار مع زوجته ، ثم ذهب الى طاولة الكتابة ، بعد ساعات سيشعر بالتعب والاعياء ، اتصلت زوجته بالطبيب ، لكنه كان قد توفى
أعلنت البرتغال الحداد على ابنها المتمرد لمدة يومين. كان هناك تحية وجهها عدد من سياسي العالم البارزين مثل: الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ، الوزير الفرنسي برنار كوشنار ورئيس وزراء اسبانيا ومن كوبا ارسل فيديل كاسترو باقة ورد لصديقه الذي كان مخلصا لمبادئه . كانت جنازته من اكبر الجنازات التي شهدتها البرتغال ، سار في نعشه الالاف وهم يحملون زهرة القرنفل البرتقالية اللون والتي تركمز الى ثورة القرنفل ، تم دفن رماد جثته التي احرقت تحت شجرة زيتون عمرها مئات السنين حسب ما كتب في وصيته :” اريد ان اعود من جديد الى الارض مثل بذرة زيتون قاومت الزمن كثيرا ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0