سياسة مختارات مقالات

عدلي صادق يكتب: أخي جبريل الرجوب

كتب السفير عدلي صادق:

أخي جبريل الرجوب
تحية طيبة

الآن، وبعد أن اتضح لك جلياً، أنك لن تستطيع تحقيق الهدف الذي سعيت اليه في الآونة الأخيرة، أي إنهاء الإنقسام والإستفادة من هكذا إنجاز، في رحلة صعودك المفترضة، الى التصفية النهائية للخلافة؛ أتمنى عليك ألا تستسلم للإحباط، وأن تبادر الى تحويل الدفة سريعاً، الى وجهة أخرى، بكل ما تمتلك من زخم الطموح، ومن زخم الحركة في ميدان السياسة، وبما لديك من الخفة، عند اقتحام الشيء ونقيضه!

إن هذه الوجهة الجديدة، التي ستتشرف بها، بعد التخلي عن أمنية الصعود الى نهائي المنافسة على الخلافة، قوامها العمل في السياق نفسه الذي اختاره الوطنيون المطالبون بإعادة بناء النظام السياسي ومؤسساته الدستورية، مع العمل على طي مرحلة البلطجة السلطوية. فللأسف أنت حاولت على  مر سنوات طويلة، أن تؤمن لنفسك موقعاً مركزياً على مستوى الحلقة المعزولة التي تطمح الى خلافة عباس، دون العودة الى الشعب. وثق تماماً أن لا شيء سيفيدك أو يفيد غيرك، من المناضلين القدامى والأسرى المحررين، والكادر الجيد، سوى العمل على بناء النظام الوطني المهيب، الذي يكون حكماً نزيهاً بين الناس، وضامناً للتداول على السلطة، في إطار التمكين للإرادة الشعبية.

أطمئنك يا صديقي منذ الآن، وأطمئن الطامحين الآخرين للخلافة: لن يفلح من يقفز الى الحكم بعد عباس، بقوة الموازنات والعناصر الأمنية. فلا مناص من عملية ديموقراطية لا تشوبها شائبة. ومن يتطلع الى القفز، لا يعرف كيمياء السياسة، بل هو عاجز عن تقييم مسرح الحدث الذي جعلته الجوقة المتنفذة الآن، مسكوناً بالنعرات المناطقية وحالات البغضاء. وهذه جوقة فعلت أنت ـ للأسف ـ كل ما تستطيع لإرضائها وهاجمت الآخرين وثرثرت كثيرا، شرقاً وغرباً، دون جدوى. ثم إن من يتجاوز عن الإعتبارات الدستورية ومعطيات الواقع، سيكون رهانه على إسرائيل، لأنها هي وحدها التي يمكن أن ترتضي وتحمي حاكماً لم يختره الشعب، وتحسده حتى الطبقة السياسية الموالية. فمن يفعل ذلك يخسر نفسه.

إن أصل وفرع ورقة التوت التي تحمي عباس، هي كونه ضحك على ذقوننا قبل 15 سنة، وسعى الى أخذ المشروعية بمساعدة جزء من الشعب،  عبر انتخابات نزيهة. ويعلم الله أنني شخصياً نصحت أصدقائي الذين ساندوه ـ وهم من كل الأطياف ـ أن صاحبهم عقربٌ ولا يؤتمن، ولن يكون إلا خازوقاً.

المشهد السياسي واضح جداً لمن يجيد القراءة. فليس أغبى ممن يطمح الى خلافة عباس من وراء ظهر الإرادة الشعبية؛ إلا من يشجعه على ذلك وينفخ في رأسه. فإن لم يكن الموقع تكليفاً من الشعب، سيكون مَغرماً ثقيلاً، يظنه الجاهلون مغنماً. فالشعب هو مصدر التكليف. ثم إن عباس لن يترك سوى الركام، وشقاء البحث عن المقدرات، التي أفلت بها الفاسدون، والتمحيص في المخالفات التي تأسست عليها كوارث نزف مالي وأدبي.

السلطتان القائماتان اليوم، في الضفة وغزة، سلطتا أمر واقع، يحكمان بقوة الأمن المسلح، ولا تنتجان مشروعية، حتى لو تشكل جيش من ملايين الإنتهازين المجندين للتسحيج. لن يكون الطريق القويم، إلا عبر عملية ديموقراطية شاملة ونزيهة، في إطار نظام حكم ذي مؤسسات دستورية رصينة، تؤمن تكافؤ الفرص وتعطى الكلمة للمجتمع. وفي استطاعتي القول، بمعايير الواقع ومعطياته: لم يعد هناك مساحة للخلاف المنهجي العام، أي الإستراتيجي، بين فتح وحماس. الإختلاف يقتصر على التكتيكات، وينحصر في طريقة تعاطي كل طرف مع الأمر الواقع، وتحاشي الشر الإسرائيلي. فما بينهما هو معركة دفاع عن الذي باليد الفصائلية، وليذهب النظام الوطني الى الجحيم، إن كان شرط قيامه هو التخلي عن الجباية أو رد الملكية الإجتماعية للمقدرات، الى صاحبها وهو الشعب. ويمكن القول أيضاً، أن طريقة حماس أكثر ستراً لنفسها من طريقة عباس وحاشيته، لكن الجوهر واحد. وفي المحصلة، لم يتبق لنا سوى العمل السياسي بأبعاده المتعلقة بحياة الناس، وليس هذا الطريق سهلاً. فجماعتنا كانوا فاجرين في القطع البات، بين السياسة وبعديها الإثنين: ذلك الملتزم ثوابت القضية ومدركاتها الأولى، ويعرف الأهمية القصوى للبعد الإجتماعي للسياسة. فليس منطقياً إدعاء التشدد في موضوع القضية وأنت تقسو على شعب هذه القضية وتعذبه وتعتصره إقتصادياً ولا تهتم بصحته وتعليمه وكرامته في الحياة. وطالما أن طرفي الخصومة، لم ولا ولن يُنهيا الإنقسام، ولم ولا ولن يلتزما الضوابط المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية؛ فليس أمام الشعب الفلسطيني إلا الذهاب اضطراراً الى عمل تأسيسي، يكنس الطبقة السياسة كلها، بأقويائها وضعفائها والكومبارس. فما نحن بصدده اليوم هو سلطات مستبدة تمثل حالاتي سطو، أرهقت المجتمع وأفقرته وأضعفت مناعته.

أخي جبريل الرجوب: دع الذين أحبطوك يتوهمون ويحلمون، وسنرى ماذا سيكونون بعد عمر طويل لعباس. وليس أمامك الآن، سوى أن تذهب الى وجهة أخرى، لكي يزداد عدد أصوات المطالبين بإعادة الإعتبار للإرادة الشعبية، من خلال عملية ديموقراطية، خالية من أي تدابير أو مساحات ضامنة لاستمرار حالتي السطو، كما ورد في مقترحات سابقة!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0