دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

اتفاقية فيينا لعام 1961 للعلاقات الدبلوماسية

 

إعداد/ رزان السعافين

بالرغم من أن اتفاقية فيينا لعام 1961 للعلاقات الدبلوماسية الخاصة بحقوق الانسان جاءت محصلة لعمل دؤوب وطويل منذ زمن، الا أنها بحاجة إلى تعديلات وخصوصا في جوانب تتعلق بحصانة رؤساء الدول، خاصة بعد التطورات التي طرأت في مجال القانون الجنائي الدولي، وبعد انشاء محاكم جنائية دولية، ومنها إعادة النظر في مسألة إساءة استعمال الحصانات الدبلوماسية، واستغلالها لغايات تجسسية وأمنية، بل إن بعض البعثات الدبلوماسية التابعة لبعض الدول باتت تتدخل في الشؤون الداخلية للدولة المعتمدة لديها، وتخترقها أمنيا وثقافيا، بل واصبحت تشارك في اتخاذ بعض القرارات الوطنية داخل الدولة.

تعد اتفاقية فينا لعام 1961 بمثابة مواد تضبط صلاحيات العمل الدبلوماسي بين الدول والضوابط والاجراءات الخاصة به، وكذلك الحقوق والواجبات الخاصة بأفراد البعثات الدبلوماسية، كما أتت على تحديد عدة مفاهيم كالحصانة الدبلوماسية وقطع العلاقات. لقد صدرت كاتفاقية للسلك الدبلوماسي، ومن ذاك التاريخ وإلى اليوم صارت تطورات كثيرة خاضعة لحقوق الإنسان (كالقانون الدولي لحقوق الإنسان) و (القانون الدولي الإنساني)، منها تأسيس محكمة الجنايات الدولية التي تطارد جرائم الحرب بمن فيهم الرؤساء، وكون الرؤساء يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية وفقا الاتفاقية، فهذا يتعارض في الواقع مع التطورات الحاصلة على تلك القوانين الدولية.
وبسبب ذلك فقط وجب التعرف على أهم الملاحظات حول الاتفاقية وكيفية تعديلها بما يتناسب مع متطلبات حقوق الانسان.
فمن المعروف أنه منذ زمن بعيد وشعوب العالم تعترف بنظام الممثلين الدبلوماسيين، وتعرف أهداف ومبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة الخاصة بالمساواة في حق سيادة كل الدول وفي المحافظة على السلام والأمن الدوليين، وفي تنمية علاقات الصداقة بين الأمم، وهي مقتنعة بأن اتفاقية دولية عن العلاقات والامتيازات والحصانات الدبلوماسية ستساعد على تحسين علاقات الصداقة بين البلدان مهما تباينت نظمها الدستورية والاجتماعية.
إن الغرض من هذه المزايا تأمين أداء البعثات الدبلوماسية لأعمالها على أفضل وجه كممثلة لدولها، وتؤكد أنه يجب استمرار تطبيق قواعد القانون الدولي التقليدي في المسائل التي لم تفصل فيها نصوص هذه الاتفاقية، والحصانات هنا ليس لتمييز أفراد البعثات.
فالحديث عن الحصانات والامتيازات الدبلوماسية لكل من المبعوثين الدبلوماسيين ولمقار البعثات الدبلوماسية، والتي يشكل العرف الدولي مصدراً رئيساً لها إلى أن جاءت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 تقنيناً لقواعد القانون الدولي التي جرى عليها العمل منذ أمدٍ طويل في شأن المزايا والحصانات الدبلوماسية كونها تعتبر الصيغة النهائية التي استقر عليها القانون الدولي الحديث فيما يتعلق بالحصانات والامتيازات الدبلوماسية.
كل هذا أوصلنا إلى أنه نتيجة لتمتع البعثات الدبلوماسية بهذه الحصانات، فثمة أحوال يتم فيها مخالفة القواعد المقررة للحصانات والامتيازات الدبلوماسية والعلة التي من أجلها تم إقرار هذه الحصانات من قبل البعثة الدبلوماسية نفسها، ومن قبل الدولة المعتمد لديها. فثمة أحوال يتم فيها صدور أعمال غير مشروعة من البعثات الدبلوماسية، وتلحق أضراراً بالدولة المعتمد لديها. وتم التوصل إلى أنه إساءة استعمال الحصانات الدبلوماسية لا يستتبع بالضرورة إمكانية تقييدها أو تجاهلها في بعض الظروف، ذلك أن القانون الدولي قد كفل للدولة المعتمدة وسائل وإجراءات يمكنها اللجوء إليها في مثل هذه الحالات، كحق الدولة في تكليف المبعوث المتسبب في الفعل غير المشروع بمغادرة الإقليم أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولته، بالإضافة إلى مسؤولية الدولة عن أفعال بعثاتها غير المشروعة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ففي الأحوال التي يتم فيها انتهاك الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، فإنه يترتب على ذلك قيام المسؤولية الدولية على الدولة المعتمد لديها نتيجة إخلالها بالتزام دولي يتمثل بواجبها في حماية البعثات الدبلوماسية واحترام حصاناتها وامتيازاتها.
وفي الحصانة القضائية فإنها تشمل الحصانة من القضاء الجنائي، حيث يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة المطلقة من القضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها والتي تنطبق على جميع تصرفاته الرسمية والشخصية.
فلما كانت حصانة المبعوث الدبلوماسي من القضاء المدني والإداري ليست مطلقة، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للقضاء الجنائي، حيث إن إعفاء المبعوث الدبلوماسي من القضاء الجنائي الإقليمي للدولة المعتمد لديها تام ولا يرد عليه استثناء.
وفي مقابل الحصانة القضائية فإنه يقع على عاتق المبعوث الدبلوماسي واجب احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعليه يكون من حق الأخيرة حال ارتكاب المبعوث الدبلوماسي لجريمة أن تبلغ دولته أنه قد أصبح شخصا غير مرغوب فيه، وأن تطلب من حكومته سحبه أو إنهاء مهامه، وفي حال رفض أو تقاعس دولته في ذلك، فيكون للدولة المعتمد لديها رفض الاعتراف بهذا الشخص بصفته مبعوثا دبلوماسيا.
إن منح الحصانة تجاه القضاء الجنائي لقضاء الدولة المعتمد لديها، ليس الهدف منه ولا يعني أبدا الإفلات من العقاب، فمن واجب الدولة المعتمدة أن تقوم بمحاكمة المبعوث أمام محاكمها الوطنية.

في واقع الأمر، اعتُمد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بروما في تموز عام 1998، وكان حدثاً رحبت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر باعتباره خطوة هامة في سبيل ضمان ألا تعود جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية بمنأى عن العقاب.

ولا يجوز للمحكمة الجنائية الدولية بهذا المعنى أن تمارس اختصاصاً مكملاً على الجرائم الدولية، أي أنه لا يجوز لها النظر في أي قضية إلاّ عندما تكون الدولة غير قادرة على مقاضاة المشتبه بهم أو غير راغبة في ذلك. ويجوز لها أيضاً البدء بالنظر في القضية عندما يطلب منها مجلس الأمن ذلك بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى عكس المحاكم الدولية الأخرى، يجوز للمحكمة الجنائية الدولية اتخاذ إجراءات ضد الأفراد ولكن ليس ضد الدول. غير أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يتضمن أي إشارة تعفي الدول من الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني القائم أو القانون الدولي العرفي.
وعليه فلقد أكدت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في الفقرة الخامسة من الديباجة على أهمية العرف كونه يشكل المصدر التاريخي للقواعد الدبلوماسية، حيث جاء فيها: “وإذ تؤكد الدول الأطراف استمرار قواعد القانون الدولي العرفي في تنظيم المسائل التي لم تنظمها صراحة هذه الاتفاقية”.
وتُشجع اللجنة الدولية بشدة الدول على التصديق على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في أقرب وقت ممكن، كما أنها تبذل جهوداً حثيثة  لتشجيع الدول الأطراف على مراجعة تشريعاتها الوطنية القائمة، وذلك لضمان وفائها بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي ووضع حد للإفلات من العقاب.

وعن إساءات استخدام الحصانة، فإن اتفاقية فيينا للعلاقات الدولية واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية هما الأساسان التؤامان للقانون الدبلوماسي الدولي الحديث، لكن الحريات الممنوحة للدبلوماسيين يمكن أن تكون مكلفة، خاصة عندما تستخدم الحصانة لارتكاب أعمال غير قانونية أو التستر عليها. وفي كثير من الأحيان كلما زادت إساءة استغلال الحصانة الدبلوماسية أو القنصلية، أصبحت تحت المراقبة.
فالحصانات الدبلوماسية والقنصلية ضرورية لاستدامة وكفاءة النظام الدبلوماسي الدولي، ولكن سوء استخدام هذه السلطات ينمو إلى درجة أن حقوق الإنسان واحترام سيادة الدول الأخرى يتعرضان للخطر.
وعلى سبيل المثال قضية الصحفي جمال خاشقجي الذي إذا لم تحقق قضيته أي تدقيق جدي في كيفية عمل الحصانات القنصلية لتسهيل الجريمة وعرقلة العدالة، فإن هذا يمكن أن يشجع الأنظمة المارقة في جميع أنحاء العالم على المشاركة في أعمال متهورة مماثلة. ورغم أن الغضب العالمي بشأن اختفاء خاشقجي يعد علامة إيجابية، يجب أن يكون هناك حوار أوسع بشأن الآثار القانونية الدولية.
ومن الجدير ذكره أن اللغة الغامضة لاتفاقيات فيينا خاصة فيما يتعلق بإساءة استخدام الحصانات الدبلوماسية والقنصلية، تحدّ بشكل كبير من فرص مواجهة قدسية هذه الكيانات.
يقترح محللون ومختصون في القانون الدولي هو إنشاء محكمة جنائية داخل المحكمة الجنائية الدولية خاصة بالقضاء في الجرائم الدبلوماسية. إلا أن هذا الحل غير واقعي وغير عملي وإجراءاته معقدة من ناحية، ويتناقض مع مفهوم وصلاحيات السيادة من ناحية أخرى.
فالمشكلة الأولى هو كيفية ضمان تسليم كل الدول المعنية لدبلوماسيِّيها المجرمين للمحكمة الجنائية الدولية. فلن تلتزم بهذا القانون إلا الدول الضعيفة التي يسهل الضغط عليها وابتزازها، أما الدول القوية وعلى رأسها أمريكا فلن تسلم دبلوماسيِّيها أبدًا. فأمريكا مثلًا لا تعترف أصلًا بالمحكمة الجنائية الدولية، بل وأصدرت سنة 2002م قانون حماية الموظفين والجنود الأمريكيين (الذي اشتهر باسم «قانون اجتياح لاهاي»)، يسمح للرئيس باستخدام كل الوسائل الضرورية والملائمة لتحرير كل شخص أمريكي تم احتجازه من قبل المحكمة الجنائية الدولية. وهددت أمريكا المحكمة الجنائية الدولية عام 2018م على لسان مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، جون بولتون، بجملة من العقوبات في حال شرعت في التحقيق في «مزاعم» جرائم حرب ضد أشخاص من الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل.

أما من ناحية الأسس الشرعية والقانونية والعُرفية، فالقضاء من صلاحيات محاكم الدولة صاحبة السيادة على البلاد التي ارتُكبت فيها الجريمة، بغض النظر عن جنسية المجرم، وليس من صلاحيات أي دول غيرها ولا ينبغي لها ذلك. فتدويل الأحداث الجنائية يُحَوِّلها إلى قضايا سياسية لا علاقة لها بالعدالة، تستغلها دولٌ لممارسة الابتزاز ولتحقيق مآربها هي ولتسوغ بها جرائم تقترفها هي بدورها. ومن ثم فالدولة المُضيفة وحدها من لها حق وعليها واجب محاكمة المجرمين الدبلوماسيون إذا استطاعت إلقاء القبض عليهم قبل هروبهم من البلد. كما أن منح الدول المُضيفة الصلاحية لإيقاف الدبلوماسيين المجرمين ومحاكمتهم هو الحل العملي والواقعي، فمتى رجع الدبلوماسيون لدولهم يصبح شبه مستحيل إجبارها على تسليمهم للمحاكمة سواء في محكمة دولية أو في محاكم البلد المُضيف الذي اقترفوا فيه الجريمة. وكيف تسلمهم خصوصا إذا اقترفوا جرائم بأمر وتفويض من الدولة نفسها.
وفي الختام، إن المتتبع للتطور التاريخي للقواعد القانونية الدولية التي تحكم العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، يدرك أن هذه القواعد نشأت في صورة قواعد عرفية، حتى عامي 1961 و 1963م، بحيث شكلت كل من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية أول محاولات دولية لتقنين القواعد الدولية العرفية التي تحكم هذه العلاقات، وقد كان ذلك في إطار مهمة لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة حيث قدمت مشروعين أحدهما خاصة بالنظام الدبلوماسي وآخر بالنظام القنصلي، وأضحت هاتان الاتفاقيتان تمثلان تنظيما قانونيا ينظم ويضبط هذه العلاقات، إلا أن هاتين الاتفاقيتين لا تسلبان صراحة أهمية ومكانة القواعد الدولية العرفية التي تحكم العلاقات الدبلوماسية والقنصلية عن البت في بعض المسائل ذات الصلة.

المصادر:

* المحكمة الجنائية الدولية، الموقع الالكتروني: اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 29/10/2010م.
* إعادة النظر في حدود الحصانة الدبلوماسية ضرورة ملحة، هشام البواب 28/10/2018م، ساسة بوست.
* الكيانات الدبلوماسية حصانة قنصلية أم إفلات من العقاب؟، بحث عن دينيز باران في “ميدل إيست آي”، عن الجزيرة نت، 18/10/2018م.
* ماذا تقول اتفاقية فيينا عن الحصانة الدبلوماسية؟، 24/7/2017م، الجزيرة نت.

* حماية البعثات الدبلوماسية في القانون الدولي، وفقا لاتفاقية فيينا لعام 1961، شيماء الشوا، رسالة ماجسيتر، 2017م، جامعة الأزهر، غزة.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0