سياسة مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

الدبلوماسية والمنظمات الدولية غير الحكومية

الدبلوماسية والمنظمات الدولية غير الحكومية

إن خدمة الإنسانية وتحقيق ما يصون حرمة الإنسان وكرامته غدت اليوم أهم انشغالات أشخاص المجتمع الدولي، بتاثير كبير من المنظمات الدولية غير الحكومية التي باتت الفاعل الرئيسي في المجال الإنساني بلا منازع، فقد كانت لها صولات وجولات مكنتها من انتزاع العديد من المكاسب القانونية، تمثلت أساسا في إقناع دول العالم بتبني وتوقيع العديد من الاتفاقيات الدولية في المجال الإنساني، ويرجع ذلك كله إلى كونها لا تهدف إلى الربح والمصلحة الخاصة وإنما هدفها الأسمى تحقيق المصالح الإنسانية العليا.

ورغم أن الدبلوماسية غير الحكومية لا تزال في طور النشأة إلا أنها قد ساهمت في تحقيق تقدم دبلوماسي كبير اعترف به كلا من الأمين العام كوفي عنان وخلفه بان كي مون إذ جعلت قوة هذه المنظمات الأمم المتحدة في حاجة ماسة لنشاطاتها بحيث صارت لا تستطيع الاستغناء عنها نظرا للإنجازات العديدة التي حققتها بفضلها سواء في مجال السلم والأمن الدوليين، والاعتراف بالحقوق الإنسانية، وحظر الألغام الأرضية، والذخائر العنقودية. أو في مجال تطوير القانون الدولي الجنائي ومساهمتها في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية.
وفي مجال البيئة ومساعدتها في إنجاز برنامج أعمال القرن الواحد والعشرين، كذا اتفاقيتا التنوع البيولوجي وتغير المناخ وبروتوكول كيوتو.
زيادة على دورها في مجال التجارة الدولية من خلال جهودها التي أفضت إلى تنظيم الأسواق الزراعية، وقبول تصنيع الأدوية الجنيسة، وشرط المحافظة على الصحة العامة.

المنظمات الدولية غير الحكومية هي كل تجمع أو رابطة أو حركة مشكلة على نحو قابل للاستمرار من جانب أشخاص ينتمون إلى دول مختلفة بغرض تحقيق أهداف ليس بينها الربح. إذن لا تتكون المنظمات غير الحكومية من دول، وإنما تتألف  من جماعات وتجمعات وحركات لا تسعى إلى تحقيق الربح. وهي تتأسس بشكل عفوي وحر من قبل جماعات خاصة لأنها تعبر عن تضامن قومي.

وقد تطورت ظاهرة المنظمات غير الحكومية وتوسعت بشكل ملفت للانتباه مع تطور وسائل الاتصال وتطور حاجات الإراد، والرغبة في تحقيقها من خلال أجهزة رديفة للمؤسسات الوطنية والدولية. وقد أدى ذلك إلى إحداث تطور كبير في أهداف المنظمات الدولية غير الحكومية، التي يمكن التعبير عنها من خلال الدور الذي يقوم به الأفراد او الجماعات في بناء أشكال مختلفة من التضامن الإنساني عبر الوطني. وهكذا أخذت هذه المنظمات تتكون من أجل خدمة أهداف إنسانية، أو من أجل الدفاع عن مصالح أعضائها المنتشرين في دول مختلفة أو من أجل مفاهيم اجتماعية غايتها المحافظة على الأمر الواقع أو في سبيل الإصلاح والتغيير.

ومن أهم سمات المنظمات الدولية غير الحكومية ما يلي:
1. ازدياد عددها بشكل بارز حيث تضاعفت أربع مرات ما بين عامي 1960 و 1998، حيث أصبح عددها الإجمالي 15965 منظمة.

  1. الانتشار التدريجي في جميع القارات والدول، ولكن المركز الرئيس لهذه المنظمات يبقى الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية.
  2. شمولية النشاطات حيث أصبحت المنظمات غير الحكومية تشمل مختلف المجالات والميادين الحياتية.
    وتتميز هذه المنظمات بالإضافة إلى انتشارها الواسع والسريع في كافة مناطق العالم، بأنها تتميز بقدراتها في عملية الاختراق الثقافية باتجاه الشعوب والتأثير على القيم والمفاهيم السائدة.
    وقد أخذ دور المنظمات غير الحكومية بالازدياد ليس فقط لتلبية الحاجات التي يتطلع إليها الأفراد والجماعات، بل للتحولات الجديدة في العلاقات الدولية التي تركز على دور الفرد في صياغة وتطوير المفاهيم الجديدة، وقدرته في التأثير المباشر على دينامية العلاقات الدولية. ويتضح ذلك من خلال دور هذه المنظمات كأداة محركة في دينامية وتنظيم وتطوير المجتمع الدولي.
    ويبدو دور المنظمات غير الحكومية واضحا على الساحة السياسية كقوة فاعلة ومؤثرة في المؤتمرات العالمية، كمؤتمر قمة الأرض في ريودي جانيرو، ومؤتمر السكان في القاهرة، ومؤتمر المرأة في بكين، ومؤتمر حقوق الإنسان في فينا. ومن أهم هذه المنظمات منظمات البيئة كمنظمة السلام الخضر، ومنظمات حقوق الإنسان كمنظمة العفو الدولية، والمنظمات الناشئة العديدة كمنظمة أخوات حول العالم.
    وتسعى المنظمات غير الحكومية بعد التطور الذي شهدته في عقد التسعينات إلى خلق مجتمع مدني عالمي يراقب نشاطات وسياسات الدول في مجالات حقوق الإنسان والبيئة والقضايا الاجتماعية والإنسانية الأخرى. وأن بروز المجتمع المدني العالمي سيضعف من تحكم الدولة التقليدي، سيساهم في زيادة الخيارات أمام الأفراد لإيجاد حلول مشتركة للقضايا البيئية والاجتماعية والإنسانية التي تواجه البشرية في الوقت الراهن.
    لقد برزت على الساحة الدولية العديد من القضايا والمشكلات العالمية التي تحتاج إلى معالجة دولية وجماعية، فهذه القضايا لم تعد قضايا محلية بعد أن تحول العالم إلى قرية كونية.

فقد حدث تدويل لكافة هذه القضايا، وهي قضية البيئة والتلوث والتدهور البيئي المستمر والتصحر وتراكم النفايات وخاصة النووية والسامة التي أخذت مخاطرها تهدد البشرية على نطاق واسع وبدون قيود أو حدود. بالإضافة إلى ذلك هناك قضايا مثل قضية الانفجار السكاني والفقر والبؤس والبطالة والهجرة، وقضايا حقوق الإنسان والحريات السياسية والمدنية، وقضايا المخدرات، والإرهاب والتطرف وغسيل الأموال.
وهي قضايا عالمية تهتم بها المنظمات الدولية غير الحكومية، وقد عقدت من أجل معالجتها العديد من المؤتمرات العالمية على أعلى المستويات السياسية في العالم.
وهكذا فقد أصبح العصر، وهو عصر الشعوب وعصر التضامن والحلول الحوارية وعصر المنظمات غير الحكومية، الدعامة الصلبة للمجتمع المدني. فهو عصر ينتقل فيه أسلوب السلطة الهرمية المطلقة إلى أساليب الجديدة، أساليب تفاوضية أفقية وليست عمودية، تحتاج إلى كفاية وثقافة عميقة ومتنوعة وأجيال جديدة تقوم بالدور المطلوب.
إن هذه المنظمات غير الحكومية ومن خلال نشاطاتها الواسعة والمتعددة، ومن خلال الأدوار التي تقوم بها في المؤتمرات والندوات التي تعقدها لبحث ومعالجة القضايا المختلفة، تمثل شكلا من أشكال النشاط الدبلوماسي غير الرسمي، وتسهم في حل المشكلات العالمية والوطنية وإحلال السلام وتحقيق الإستقرار في المجتمع الدولي، وهي بذلك تشكل رديفا مساندا للدبلوماسية الرسمية الثنائية والمتعددة الأطراف. وفي نفس الوقت تفرض على حكومات الدول وصناع السياسة الخارجية فيها ضرورة التعامل مع نشاطات هذه المنظمات، وبالتالي فإن هذا يرتب على الأجهزة الدبلوماسية والقائمين عليها في جميع الدول ضرورة تطوير أساليب العمل الدبلوماسي وإعداد وتدريب كوادر دبلوماسية قادرة على الاضطلاع بالمهمات الجديدة وغير التقليدية التي تفرضها التطورات والظواهر الدولية الحديثة، حيث يحتاج القيام بهذه الوظائف إلى دبلوماسيين ذوي مهارات وكفاءات عالية وغير تقليدية.

تمتاز غالباً بطابع الديمومة والاستمرارية عبر بعثات الدول الدائمة لدى المنظمات الدولية. وهي تخضع لقواعد ثابتة مستمدة من القانون الأساسي للمنظمة واللوائح الداخلية لهيأتها العامة وتقاليد العمل فيها.

وهي تمارس داخل إطار ثابت في مقر المنظمة الدولية بمعاونة الأمانة العامة الدائمة. وأحياناً تكون ذات طابع مؤقت عبر دعوة إحدى المنظمات الدولية لمؤتمر لبحث قضايا دولية محددة. وتمتاز دبلوماسية المنظمات الدولية بعلاقاتها الواسعة مع أشخاص دوليين آخرين مثل علاقاتها ببعضها البعض أو علاقاتها مع دول أعضاء وغير أعضاء فيها، وكذلك مع حركات تحرير وطنية (عضوية مراقب) وأخيراً مع منظمات دولية خاصة (وضع استشاري). وتتم ممارسة المنظمة الدولية لعلاقاتها الخارجية بواسطة مجموعة من موظفيها، يسمون بالموظفين الدوليين، ويتمتعون بوضعية خاصة بهم، منصوص عليها في دستور المنظمة،أو بروتوكول ملحق بالاتفاقية الإنشائية أو من خلال اتفاقية

المقر. وهذه الأخيرة الهدف منها تنظيم العلاقات ما بين المنظمة والدولة المقيمة على أرضها

ونشير هنا إلى اتفاقية فينا لعام (1975) الخاصة بالعلاقات ما بين الدول والمنظمات الدولية ذات الصفة العالمية، (الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة التابعة لها)، والقصد منها تنظيم هذا الشكل من الممارسة الدبلوماسية، من حيث أنها تطبق على البعثات الدائمة للدول المعتمدة لدى

أو في المنظمات الدولية أو حتى على الوفود المشاركة في اجتماعات أو مؤتمرات المنظمة الدولية

ومن الظواهر المعروفة في دبلوماسية المنظمات الدولية ظاهرة التصويت الكتلي (وهي تقابل التصويت الحزبي في البرلمانات الوطنية)، فالجمعية العامة للأمم المتحدة تنقسم عادة إلى كتل سياسية تقوم الدول الكبرى بدور بالغ الأهمية في قيادتها، وفي الواقع أن أحد أسس دبلوماسية المنظمات الدولية قائم على أن الدولة التي ليس لها مصالح عالمية توكل الدولة الكبرى التي لها مصالح عالمية مباشرة في مقابل امتيازات ومساعدات تحصل عليها من الدولة الكبرى، كما أن هناك ما يسمى بالوزن الأدبي لصوت الدولة الكبرى، ومصدره الإشعاع الثقافي والدبلوماسي والإعلامي للدولة الكبرى الذي يؤثر على الدولة الصغرى ويجعلها تستجيب لرغبات الدولة الكبرى حتى دون أن تطلب منها ذلك، ويظهر دور الكتل السياسية بوضوح في الحالات التي يتبع فيها التنظيم الدولي قاعدة الأغلبية الخاصة كأعضاء الثلثين، ويترتب على ذلك أن أية كتلة يصل عدد أعضائها إلى الثلث تستطيع أن تحول دون صدور القرار بالتصويت ضده، وحتى تستطيع المنظمة الدولية أن تصدر القرار فقد تجري مفاوضات بين هذه الكتل للوصول إلى حل يحقق الأغلبية المطلوبة.

ويعد ذلك اعترافا جدير بالتقدير ودليلا قاطعا على المكانة التي صار يحظى بها هذا النوع من الدبلوماسية، ولقد سبقت هذا الاعتراف عديد الاعترافات التي تؤكد على أهمية دور المنظمات الدولية غير الحكومية لا سيما في المجال الإنساني فقد اعترف المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في الفترة الممتدة ما بين 14 و25 جوان 1993 بالأهمية المتزايدة للمهام التي تؤديها المنظمات الدولية غير الحكومية في مختلف الأنشطة الإنسانية.
وبعد كل هذه الجهود وبناء عليها تم الحصول على موافقة شبه عالمية على ضرورة حظر الألغام المضادة للأفراد وتخزينها واستعمالها والدعوة إلى تدميرها، ما توجه في الأخير توقيع على اتفاقية حظر الألغام البرية المضادة للأفراد في ديسمبر 1997م التي كانت طيبة لعمل الدبلوماسية غير الحكومية.

ويبدو ظاهريا نجاح الدبلوماسية غير الحكومية ونجاعة عملها، لكن واقع الحال غالبا ما يكون عكس ذلك فيجعل من إنجازاتها الكثيرة عديمة الأثر أو قليلة الجدوى، ويرجع ذلك لأسباب عديدة.
فالتقدم الدبلوماسي الذي تترجمه زيادة عدد النصوص القانونية الدولية مع افتقارها لفعالية التنفيذ هو أمر مخيب للآمال التي ناضلت من أجل تحقيقها تلك المنظمات، ولذلك ينبغي أن تكلف هذه المنظمات بمراقبة مدى احترام الدول للالتزامات المترتبة عليها جراء تلك الاتفاقيات. كما أن ما يبقي دور المنظمات غير الحكومية محدودا وغير مجد كونها لا تملك أية سلطة في التفاوض أو إبرام اتفاقيات بشكل مباشر، بسبب عدم امتلاكها الصفة القانونية أو ما يعبر عنه اصطلاحا بالشخصية القانونية الدولية، وأما أصعب ما يعيق عملها فيأتي من منافسة العديد من الأطراف الأخرى “أصحاب المصالح” الذين يتقاسمون معها قوة الضغط على الدول، وفي الغالب ما يكون تأثيرهم أقوى لاستخدامهم العديد من الأساليب غير السوية كرشوة المسؤولين وشراء ذممهم.

إن الدبلوماسية غير الحكومية كآلية للتمثيل والاتصال والتفاوض بين الدول وباقي الفاعلين الدوليين بما فيهم غير الحكوميين حول كل ما يخص الشؤون الدولية، هذا المفهوم الناتج عن تحول الدبلوماسية اليوم من مفهومها الكلاسيكي المرتبط بالوظائف الأساسية للبعثات الدبلوماسية التقليدية والأشخاص القائمين عليها، إلى مفهوم جديد يأخذ بعين الاعتبار جميع المؤثرين على الساحة الدولية بما في ذلك الفاعلين غير الحكوميين. وكغيره من المفاهيم الجديدة لاقى هذا المفهوم العديد من الانتقادات التي لم تحل دون تحقيق هذا الشكل الجديد لإنجازات ونجاحات كثيرة على الصعيد الدولي لا سيما في مجال تبني وتكريس عدة نصوص قانونية تحكم وتنظم جوانب هامة في الحياة الدولية.

لقد أدت التحولات التي شهدها المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة إلى ظهور العديد من الفاعلين غير الحكومين، الذين صار لهم تأثير بالغ في رسم وتسيير الشؤون الدولية، وتزايد هذا التأثير إلى حد أنه بات يشكل مسارا ثانيا يسير جنبا إلى جنب مع الدبلوماسية التقليدية، بشكليها الثنائي ومتعدد الأطراف وذلك ما حذا بعدد من الكتاب إلى إطلاق لفظ الدبلوماسية غير الحكومية على هذا النشاط.

وتعتبر المنظمات الدولية غير الحكومية الفاعل الرئيسي في هذه الدبلوماسية، ودليل ذلك اقتران كل إنجازات الدبلوماسية غير الحكومية باسم واحدة أو مجموعة من تلك المنظمات، كما هو الحال بالنسبة لاتفاقية حظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد التي ارتبط وجودها باسم الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية التي ضمت ثلة من المنظمات غير الحكومية. وتوضيح مدى تأثير الدبلوماسية غير الحكومية على العلاقات الدولية يحتاج منا أولا الإحاطة بمفهومها قم التعريف بالفاعلين الرئيسيين فيها ووسائل عملها وإعطاء نماذج عنها تبرز ذلك التأثير.

المعلومات من المصادر التالية:

1.الدبلوماسية غير الحكومية بين حداثة المفهوم وفعالية التأثير، د. كرام الأخضر، كلية الحقوق – جامعة قاصدي مرباح ورقلة – ملتقى الباحثين السياسيين العرب، الجزائر.
2. أصول العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، الرشدان، والموسىى، المركز العلمي للدراسات السياسية، 2005، عمان.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0