تاريخ دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية واتفاق أوسلو

المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية واتفاق أوسلو
“عرض تجربة”

يعتبر التفاوض واحدا من أحدث العلوم الاجتماعية، وهو يأخذ شكل الحوار بين طرفين أو أكثر بهدف التوصل إلى اتفاق ينشأ على ركنين أساسيين هما وجود مصلحة متبادلة، ووجود قضايا متنازع عليها.

يعتبر أحمد صدقي الدجاني أن المتغيرات الدولية التي تمت في اوائل العقد الأخير من القرن العشرين لم تكن مفاجئة بل حصيلة لتفاعلات مستمرة، وقد تمت في محيط دولي تفاعلت فيه عوامل متعددة. وقد استخلص الدجاني عدة نتائج حول علاقة التحولات الدولية بالقضية الفلسطينية معتمدا على عدة تقارير وقراءات لخبراء بارزين وكان من هذه النتائج:

أولا:

إن أثر العامل الدولي في الصراع العربي الصهيوني سيتضاءل في هذه المرحلة في حين سيزداد أثر العامل المحلي فيه. ومن بين الشهادات التي اختارها للتدليل على هذه النتيجة ما قاله الأستاذ في جامعة تل ابيب، ونقلته جريدة البوست دان دانير 1989م، إن العالم يتغير بدرجة كبيرة اليوم، وإن إسرائيل التي ركبت موجة الصراع بين الشرق والغرب ستكون في خطر، وستصبح منطقة الشرق الأوسط بغياب الصراع بين القوتين العظميين مجرد منطقة نزاع أو خلاف عادية في نظرها، وستتضاءل قيمة إسرائيل الاستراتيجية، وإن ما يجب على قادة إسرائيل أن يخافوا منه ليس وجود ألمانيا موحدة جديدة، بل نظام عالمي جديد لا يعود لوجود إسرائيل فيه أهمية عالمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.

ثانيا:

إن قيمة الكيان الصهيوني كقاعدة استعمارية استيطانية استراتيجية ستتضاءل من وجهة نظر الاستراتيجية الأمريكية، وأننا كأمة سنجعلها تتضاءل هي الأخرى لو احسنا قراءة هذه التحولات. من بين الشهادات التي اختارها للتدليل على هذه النتيجة ما قاله الأمريكي الصهيوني مارتن إندرانيك في جامعة تل أبيب ونشرته جريدة بوست 1989، إن التغيرات الجيوسياسية من المحتمل أن تلغي أهمية إسرائيل كحليف استراتيجي بمرور الزمن، وأن هناك شعورا لدى واشنطن بأنها قد كسبت الحرب الباردة، ولذا فإنه لا حاجة لها بحلفاء لمواجهة التأثير السوفييتي، لكن إسرائيل ستبقى ذات أهمية للسياسة الأمريكية في المنطقة في مواجهة التطرف والتعصب الديني.
إذا كانت النتائج التي توصل إليها الدجاني تدور في دائرة الممكن والمحتمل، فإن استنتاجات فريق التفاوض المغايرة هي محتملة أيضا، وكان الأولى بهذا الفريق أن يبني على الرؤية القائمة على استنتاجات الدجاني، طالما أن النتيجتين محتملتان، ولأن الأخذ بهذا المذهب ينسجم مع المسار التاريخي في التعاطي مع الاحتلال ولا يناقضه.

وكان بالإمكان أن يترتب على هذا الأخذ فارق جوهري وحاسم باتجاه تحويل هذه النتيجة إلى حقيقة من خلال توظيف الإرادة والطاقات الكامنة للدفع بهذا الاتجاه. ما يقصده الباحث، أن سياسة النظام الرسمي العربي والفلسطيني، كانت تستجيب وما تزال لحركة التحولات الدولية وتعمد بإخلاص للتكيف معها، بيد أنها كانت قادرة على المشاركة الفاعلة في صناعة تلك التحولات وتحديد مساراتها، والدفع بها للتواؤم مع مصالحها الخاصة. وكان أحد أهم المداخل المتاحة لذلك هو تطوير الانتفاضة وتعميمها على شعوب المنطقة العربية، لكن النظام الرسمي لا يرضى بذلك حقيقة لأنه سيكون أول الخاسرين عندما تتحرر إرادة الشعوب من قيودها.

من ذلك يتبين أن مسارات التفاوض ربما تكون أفضل السبل لاستعادة المنظمة دورها، وانتشالها من الوهدة التي انتهت بها على خريطة المشهد السياسي. وفي حالة كهذه تستحيل المنظمة لساحة صراع يتناوشها على وقع تضارب الأهداف والمصالح التفاوضية، حيث تدخل أهداف المنظمة الذاتية التي تتأسس على الرغبة بالبقاء في المشهد ضمن مجموعة أهداف التفاوض الموضوعية.
إذا كانت التناقضات الحادة مع الاحتلال ومصالحه تمثل عوائق جدية تحول دون تحقيق الأهداف التفاوضية الموضوعية، فإن كل التناقضات تتلاشى أمام تحقيق الأهداف الذاتية الخاصة بالمنظمة، إذا كان ذلك سيكون على حساب الهدف الوطني العام.

من خطة شامير إلى أوسلو:

كان شامير قد قدم خطة للحكم الذاتي في العام 1989، قوبلت بالرفض الشديد من قبل القيادة الفلسطينية، وثمة تشابه كبير بين مضمون اتفاق أوسلو وبنود الخطة التي قدمها شامير، غير أن رفض القيادة الفلسطينية لمبادرة شامير والقبول بأوسلو ينطوي على مغزى يتعلق بموقع المنظمة من العملية التفاوضية. بمعنى أن قبول المشاريع ورفضها لا يتوقف على مضامينها بل على دور وموقع المنظمة في هذه المشاريع، وهذا خلل سلوكي يترتب عليه الكثير من مسؤوليات التعثر في مسار التسوية.
ولعل توجه الاحتلال للمفاوضات يكمن في الخوف من مفاوضة حركة حماس، وبدء أحداث الانتفاضة، ومحاولة تحجيم منظمة التحرير الفلسطينية، التي توجهت في الواقع لتلك المفاوضات لأسباب أبرزها، محاولة إسرائيل في بداية العام 1987 شطب المنظمة عن الوجود من خلال فرض ما يسمى بالتقسيم الوظيفي بالضفة الغربية، والتي أدى إلى تحرك في الداخل الفلسطيني تمخض عنه انطلاق الانتفاضة في أواخر عام 1987م، واتخاذ القيادة الفلسطينية قرار السلام منذ العام 1988، وموافقتها على مرحلية الحل أولا، وموافقتها على إدارة الصراع ثانيا في مدريد، وشعور تلك القياة بوجود البديل الفلسطيني ممثلا بحركة حماس في الداخل الفلسطيني.

بالرجوع إلى الخبرات والتجارب السابقة في حل الصراعات الدولية وتسوتها، فإنه يمكن التوصل إلى صياغة تسمح للأطراف بالوصول إلى تسوية مشتركة من خلال إتباع أحد الطريقين الآتيين، الأول: هو الطريق الاستقرائي الذي يقضي بأن يتم التوصل إلى اتفاقية من خلال استراتيجية الخطوة خطوة؛ أي الانتقال من الخاص إلى العام، وبمعنى آخر يبدأ بالتفاصيل وينتهي بالعموميات.
أما الطريق الثاني: فهو الطريق الاستنباطي، حيث يتم التحرك من العام إلى الخاص، أي من الكل إلى الجزء، يبدأ بالعموميات وينتهي بالتفاصيل، بمعنى أن الاتفاق يكون عبارة عن اتفاق مبادئ وليس اتفاقا تفصيليا لكل قضايا الصراع.

بدايات اتفاق أوسلو:

بدأت قناة أوسلو من صيف عام 1992 بين مدير منظمة “فافو” النرويجية تيري ردو لارسن ويوسي بيلن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، وفي شهر سبتمبر قام وزير الخارجية النرويجية بزيارة إسرائيل واقتراح تنشيط إتفاق أوسلو الخلفية والسرية بين إسرائيل ومنظمة التحرير. وبدأت المفاوضات تحت مظلة الفافو، ورأس الوفد الإسرائيلي في الجولات الأربع الأولى د. يائير هيرشفييلد الذي سبق وإن عمل مع هذه المنظمة، ومعه د. رون بونداك. وكان الفريق تحت إشراف يوسي بيلن المباشر ورعاية بيرس رابين منذ البداية.

وبعدها انعقدت مفاوضات أوسلو تحت عنوان “ندوة عن الموارد البشرية تنظمها الفافو”، فيفيلا منعزلة في سارسبورغ على مقربة من أوسلو. وكان رابين واقعا تحت ضغط الوفاء بتعهده في الحملة الانتخابية بتحقيق إتفاق حكم ذاتي مع الفلسطينيين خلال تسعة أشهر من انتخابه فخلص كما أراد عرفات إلى أن الشريك المفاوض الرئيسي موجود في تونس لا في واشنطن حيث تراوح المفاوضات مكانها.
ولقد عقدت الندوة خلال الفترة من 20 و 22 من كانون الثاني 1992م، وحضرها خمسة مشاركين هم هيرشفيلد، ويناك من الجانب الإسرائيلي، وأبو العلاء قريقع مسؤول المالية لمنظمة التحرير، وماهر الكرد، وحسن عصفور.

ولقد أجمل أبو العلاء في حينها رسالته إلى الحكومة الإسرائيلية  موقفه في اقتراح من ثلاث نقاط: أولهما خيار غزة أولا، بموجبه تلتزم إسرائيل نفسها بالإنسحاب من قطاع غزة في غضون سنتين أو ثلاث سنوات، وسيغدو القطاع حينها وصاية تحت رعاية مصر أو تحت الإنتداب متعدد الأطراف ولفترة محددة، وفي تلك الأثناء ستتواصل المفاوضات على خطة حكم ذاتي مؤقت للضفة الغربية التي سيباشر بها عندما يتم الإتفاق. وثانيهما: خطة مارشال مصغرة من أجل الضفة الغربية وغزة، وفيها يضطلع المجتمع الدولي من خلال المساعدة والاستثمار بتنشيط اقتصاديات المقاطعات وتوسيعها بنحو أعظم. وثالثهما: وجود تعاون اقتصادي فعال بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية المؤقتة التي ستثوم في غزة.

لاحقا تم تكليف بيرس أوري كبير المفاوضين الإسرائيليين في أوسلو بعد مشاوراته مع رابين أن يناقش ثلاث قضايا كانت بالنسبة لإسرائيل خطوط حمراء لعل أهمها: أولا: قبل كل شيء يجب على الفلسطينيين أن يوافقوا على أن القدس لن تدرج في إطار تسوية الحكم الذاتي. ثانيا: يتخلى الفلسطينيون عن النمط التقليدي الذي يتبعونه فيما يتعلق بعرض جميع الخلافات التي تحدث بيننا للتحكيم الدولي فنحن لا نرغب في إدخال أي جهاز من اجهزة الأمن في الصورة. وثالث القضايا هي أننا نحن نعرف كيف نحل مشاكلنا بأنفسنا وبعدذلك سيمكننا أن نستوضح منهم ومعهم فكرة إقامة الحكم الذاتي في غزة  أولاً والذي تستطيع زعامة منظمة التحرير الانخراط فيه.

ومما يجدر الإشارة له أن الهدف الإسرائيلي من اللقاء الأول لقناة أوسلو أن تدين المنظمة أعمال العنف وأن تقدم على تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني، وأن اللقاء الثاني قد حدث في منتصف شهر شباط عام 1993، وعاد أبو العلاء أكثر تفاؤلا بعدما اتفق مع هيرتشفيلد على دمج مواقف الطرفين في ورقة واحدة سميت بمسودة إعلان مبادئ مطروح للنقاش. ونقل أبو العلاء أن الإسرائيليين مستعدون للدخول مباشرى في موضع الانسحاب من غزة، لكنه أصر على أن يكون في إطار اتفاق أوسع من نوع إعلان مبادئ مثلا أو اتفاقية إطار. ولقد كانت السرية لها دور حاسم في إنجاح أوسلو وتحولت المحادثات التي كان هدفها الأساسي حل المشكلات التي لم تحل في مفاوضات واشنطن إلى الطريق المفضى إلى المفاوضات السياسية والتوقيع على الاتفاق بين شمعون بيرس، ومحمود عباس بحضور عرفات ورابين.

وبعد 12 جولة من المفاوضات امتدت حتى عشية 13 أيلول سبتمبر، احتفلت الأطراف المعنية بتوقيع إتفاق إعلان مبادئ السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير. والذي جاء في مبادئه: إن حكومة دولة إسرائيل والفريق الفلسطيني في الوفد الأردني الفلسطيني إلى مؤتمر السلام في الشرق الأوسط ممثلا للشعب الفلسطيني يتفقان على الوقت قد حان لإنهاء عقود من المواجهة والنزاع بحقوقهما المشروعة والسياسية المتبادلة، والسعي للعيش في ظل تعايش سلمي وبكرامة وأمن متبادلين ولتحقيق تسوية سلمية عادلة ودائمة وشاملة ومصالحة تاريخية من خلال العملية السياسية المتفق عليها.
وبعدها تم الاتفاق على الشكل العام لاتفاق أوسلو الذي يركز على مجموعة قواعد هادفة وضع حد للصراع بين الجانبين بالاعتماد على منهج التدرج للوصول إلى حل الصراع من خلال مرحلتين انتقالية ودائمة، تتقسم الانتقالية إلى مراحل جزئية وهي إدارة غزة أريحا، والحكم الذاتي الفلسطينية، والمفاوضات لشأن الوضع النهائي.
وكانت تتوقع منظمة التحرير مكاسب جراء المفاوضات كتحقيق نصر دبلوماسي على مستوى العلاقات الدولية، والاعتراف بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ولتخرج من أزماتها المالية المتعاقبة، وجعل القيادة الفلسطينية تحت جناح المنزمة.
ولعل أثر اتفاق أوسلو على القضية الفلسطينية لم يثمر سوى في قضايا محدودة جزئية مثل عمل لجنة قانونية مشتركة إسرائيلية فلسطينية مختصة بمراجعة القوانين المسنة من قبل السلطة الوطنية، وبعض الاهتمامات في مجال التعليم والاقتصاد والموظفين والحواجز الإسرائيلية والأجهزة الأمنية، ومضايقات أخرى للمواطنين والتضييق الإعلامي الفلسطيني، والملاحقة الأمنية للفصائل، وتكاثر الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وبرامج التطبيع المشتركة مع الإحتلال الإسرائيلي باسم السلام.
وختاما/ يرى إدوارد سعيد أن الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي يبقى كل القضايا معلقة من دون حل بينما يسامر المستوطنون بأعمالهم الاستفزازية  وتستمر مصادرة الأراضي وزيادة عدد المستوطنات، والاتفاقات المبرمة في المرحلة الانتقالية تضع قيودا على المرحلة المقبلة وتؤثر على نتائجها بحيث تتم الاستفادة من المستوطنات المقامة كي تكون ورقة مساومة قوية في يد إسرائيل في أي مفاوضات مستقبلية.

المرجع:
معاذ عليوي، عن مادة علمية مستقاة من بحثين علميين ل:
رولا سرحان، نصوص اتفاقيات أوسلو وفشل التطبيق 1993 إلى 2000، جامعة بير زيت، 2005 م.
وأحمد الكومي، مشاريع التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين 1991 إلى 2008، جامعة الأزهر، 2018م.
المصدر:
*مادة علمية خاصة بأكاديمية دراسات اللاجئين-بريطانيا.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0