دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات

تأثير العوامل الجغرافية والديمغرافية في تطور الأمن القومي الإسرائيلي

تأثير العوامل الجغرافية والديمغرافية في تطور
الأمن القومي الإسرائيلي

 

إعداد/ رزان السعافين
باحثة في الشأن الفلسطيني والعلاقات الدولية 

تبلور مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مغاير عن باقي العالم، حيث تشكل المفهوم وفق المصلحة السياسية المبلورة عن الاتجاه الديني السائد في المعتقدات الصهيونية، وكذلك تسعى دائما إسرائيل للعمل بوسعها لتسخير كل العوامل المحيطة لأجل استمرار كيان الدولة.

وهذا يتضح كونها جسم غريب مزروع في الشرق الأوسط، ولا غرابة أن يبلور هذا المحتل المفاهيم لصالح ديمومته، ونعرض في المقال مدى تأثير العوامل الديمغرافية والجغرافية في تطور نظرية الأمن الإٍسرائيلي. ويقول شمعون بيريز فى كتابه: “الشرق الأوسط الجديد” حول هذه المسألة: “إن موضوع الأمن لا يمكن اعتباره موضوعاً قابلاً للنقاش أمام أي رئيس حكومة إسرائيلية، إنه موضوع حياة أو موت بالنسبة لنا جميعاً، وعليه فإن النظر للأمن الاسرائيلي يجب أن يتقدم سلم الأولويات قبل تنفس الهواء، فبقدر ما نضغط أمنياً على أعدائنا بقدر ما تتوفر فرص البقاء والوجود”.

مفهوم الأمن القومي:
رغم أن مفهوم الأمن القومي شاع بعد الحرب العالمية الثانية إلا أن هناك مؤسسات أكاديمية مهتمة بتطور المفهوم ونشأته ومسائله المتعلقة بمصادره، مقوماته، إجراءات ضمان حمايته، من معاهد ومراكز بحث تنتمي إلى جامعات ومؤسسات علمية وإعلامية ومجلات متخصصة وإدارات مؤسسات مرتبطة بالقرار السياسي الرسمي. ويشكل مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأول والأمثل لهذه المؤسسات، حيث جسّد هذا المجلس التعريف الذي طرحه والتر ليبمان عن الأمن القومي بأنه (قدرة الدولة على تحقيق أمنها بحيث لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب، والقدرة على حماية تلك المصالح إذا ما اضطرت عن طريق الحرب).

وتكمن هذه القدرة بعناصر القوة التي تقوم على الأسس التي تشارك في تحديد الأمن القومي للدولة وتمثل قاعدة عمل لها ويمكن تحديدها في العنصر الجيوبوليتيكي والديموجرافي والاقتصادي والسياسي والعسكري، في حين أن عوامل التهديد هي كل ما من شأنه تهديد القيم الداخلية للدولة وكيانها بفعل عوامل داخلية أو عوامل خارجية، فهي عوامل تشكل جوانب الضعف في كيان الدولة ويمكن أن تستغلها القوى المعادية لتهديد الأمن القومي للدولة. والأمن القومي للدولة ينبع أساساً من معرفتها لمصادر قوتها ونقاط ضعفها والعمل على تنمية مصادر القوة والتغلب على عوامل الضعف.
ولهذا كان مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي – موضوع الدراسة – يختلف عن باقي العالم، حيث باعتبار أن الشعب كله جيش مسلح في سبيل الأمن الإسرائيلي، أي جيش له دولة وليست دولة لها جيش، وأيضا لا بد أن تكون الحروب في أرض الغير وليس داخل بلادهم المزعومة؛ بمعنى نقل المعركة إلى أرض العدو تجاوزاً لافتقارها للعمق الاستراتيجي.

حول الديمغرافيا والجغرافيا في الأمن القومي:

يعد العامل الديموغرافي أحد عناصر قوة الأمن القومي، حيث يلعب العنصر البشري دوراً أساسياً في الأمن القومي لأية دولة، فعدد سكان الدولة يشكل عصب القوة البشرية اللازمة للحرب وللإدارة في الأجهزة المدنية، ولكن كبر حجم السكان ليس ضماناً في كل الأحوال لامتلاك قوة عسكرية كبرى، فهناك عوامل كيفية أخرى أهمها القدرات القتالية ونوعية التسليح والتدريب. كما تعتبر المناطق ذات الكثافة السكانية العالية من العوامل التي تجعلها صعبة الاختراق والسيطرة عليها، ومن ثم فإن محاولة الاحتفاظ بها تعني تجميد نسبة كبيرة من قوات الاحتلال فيها. وخلاصة القول فيما يتعلق بالعنصر البشري إن تعداد السكان يعتبر من العوامل المهمة نسبياً في تكوين قوة الدولة، خصوصاً كلما اتسع نطاق فئات العمر في التكوين السكاني للدولة، و تخلق ضخامة السكان مع توافر عوامل أخرى قوة عسكرية للدولة، كما تجعل من الصعب على أية قوة أجنبية أن تسيطر عليها، بشرط أن يرتبط ذلك بالحد الأمثل للسكان.

أما العامل الجغرافي فيمثل أهمية قصوى بالنسبة لسياسات الأمن القومي. وقد ظهرت العديد من النظريات التي حاولت الربط بين تلك الطبيعة والأمن القومي، ومن بينها نظرية قلب الأرض، وتتلخص هذه النظرية التي وضعها ماكيندر عام 1904 أن المستقبل لقوى البَر، حيث يجعل ماكيندر من اليابس قلباً للأرض يتحكم في الأطراف. وهناك نظرية القوة البحرية لـ ماهان والتي يرى بها أن المستقبل لقوى البحر وأن الدول البحرية هي المؤهلة لامتلاك القوة البحرية التي هي سبيل السيادة العالمية.

الأمن القومي الإسرائيلي:
استندت إسرائيل في مفهومها “للأمن القومي” على مبادئ صهيونية منها “نكون أو لا نكون”، وعلى اعتبار أنها في تهديد مستمر من الدول العربية، وإضافة إلى أن قضية الأمن هي المفتاح الرئيسي لجميع خطوطها السياسية ومنهج عمل الحكومات والقيادات الأمنية والعسكرية.

وانطلقت إسرائيل في بناء نظرياتها الأمنية على العوامل الديمغرافية والاقتصادية والجيوسياسية. وعليه فإن قواعد نظريات الأمن الإسرائيلي، تعتبر في تطور دائم بناءً على إدراك القيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بأنه من الصعب المحافظة على نظريات ثابتة، لا سيما في ظل مفاهيم الأيديولوجية الصهيونية التي تتمحور حول التوسع والسيطرة.
فالأمن القومي الإسرائيلي هو منع نشوب حرب من موقف التعادل دون التنازل عن كنوز قومية من الدرجة الأولى وأحد أهم الوسائل لمنع نشوب الحرب خارج إطار القوة البحثية هو تجميد حلفاء كمصدر لمساعدات كحد أدنى. لذلك، اعتمد الفكر الإسرائيلي للتخطيط في المجال الإستراتيجي، على العديد من الأسس، أبرزها حاجة المجتمع للأمن، نتيجة لطبيعة نشأة الدولة، وخصائصها (البشرية، الجغرافية، الاجتماعية، مواردها الطبيعية، علاقاتها الدولية)، وصياغة ركائز نظرية الأمن، لتحقيق أهداف الدولة العليا.

مفهوم نظرية الأمن الإسرائيلي:
ينطلق مفهوم الأمن الإسرائيلي من مقولة (أرض إسرائيل) أي شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب وإنكار الوجود العربي الفلسطيني وضرورة فرض الوجود الصهيوني. وهذا المفهوم نابع من كون إسرائيل كيان غريب زرع في هذه المنطقة لتحقيق أهداف الغرب.

وعليه تعني نظرية الأمن الإسرائيلي “المفاهيم، التي تنتهجها إسرائيل لضمان أمنها، أو هي مجموعة القواعد والمبادئ والأساليب، التي يتم في إطارها تحديد التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل، طبقا لأسبقياتها وطرق مواجهتها”، مع الوضع في الاعتبار الاستغلال الأمثل لمعطيات القوة الإسرائيلية، في مقابل تحجيم معطيات القوة العربية، وتعتبر عملية تصنيف أسبقيات العمل واتجاهاته، من الجوانب الحيوية للمفاهيم الإستراتيجية الإسرائيلية.

وبهذا ترتكز نظرية الأمن الإسرائيلي على جملة من العوامل المتداخلة المترابطة والتي تشمل مختلف مجالات النشاط والفعاليات الحيوية في إسرائيل ومن هنا فإن نظرية الأمن الإسرائيلي ظاهرة مركبة تتكون من القوة العسكرية، والهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وتوسيع عمليات الاستيطان، وتخفيف الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى الخارج، وتقوية القاعدة الاقتصادية، وتأمين تحرك سياسي دبلوماسي خارجي يوظف لصالح تأمين متطلبات الأمن، وتوفير المعلومات اللازمة عن الدول العربية، وفي النهاية استخدام العوامل السابقة من أجل التوسع قدر الإمكان وضمن المناطق الحيوية والاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، لذلك تتضمن الاستراتيجية الإسرائيلية مخططات شاملة للتوسع في جنوب لبنان، والضفة الغربية، والجولان.

تطور مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي:
بطبيعة حال الأمن القومي بشكل عام أنه متغير وليس ثابت تبعا لتغير المصالح والظروف المختلفة، فلقد طرأ على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بعض التعديلات نتيجة الحروب العربية – الإسرائيلية، والمتغيرات والمعطيات الجغرافية والسـياسـية الناجمة عنهـا، وما تغيَّر عبر هذه السنوات فقط أدوات تحقيق هذا الأمن ولكن ليس بمعنى التغيُّر الكامل أو الإحلال. وقد تطور مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي عبر عدة مراحل:
1. الضربة المضادة الاستباقية: والتي كانت ترتبط بانعدام العمق الإستراتيجي لإسرائيل. وينطلق هذا المفهوم من مقولة مفادها أن من الحيوي عدم السماح مطلقاً بأن تدور الحرب في أرض إسرائيل، بل يجب نَقْلها وبسرعة إلى أراضي العدو، وطوَّرت مفهوماً للردع ثم استبدلته بمفهوم لذرائع الحرب الاستباقية يقوم على شن حرب استباقية إذا حاول العدو (العربي) التصرف في أرضه على نحو يقلق إسرائيل مثل المساس بحرية العبور أو حشد قوات على الحدود الإسرائيلية أو حرمانها من مصادر المياه. ولذا كانت عملية تأميم قناة السويس تستدعي عملاً عسكرياً تمثَّل في عملية قادش أو ما نسميه العدوان الثلاثي.

2. نظرية الحدود الآمنة: تطـوَّر مفـهوم الأمن القـومي الإسرائيلي لاحقا لتظهر هذه النظرية، وقد وُضعت أُسسها قبل 1967 لكنها تبلورت بعد حرب 1967، وقد شرحها ( آبا إيبان)  وزير الخارجية آنذاك بأنها نظرية تقـوم على حدود يمكن الدفاع عنها دون اللجوء إلى حرب وقائية. ويُلاحَـظ في هذه النظريــة غلبة المكان على الزمان بشكل تام، إذ يُنظَر للشـعب العــربي باعــتبار أنه يجـب القضـاء علـيه تماماً أو تهميشه، فنظرية الحدود الآمنة إعلان عن نهاية التاريخ (العربي).
3. نظرية ذريعة الحرب: تكونت بعد أن أكدت حرب 1973م فشل معظم نظريات الأمن الإسرائيلي المكانية. وتذهب هذه النظرية إلى أن إسرائيل لن تتمكن بأي شكل من الأشكال من الامتناع عن تبنِّي إستراتيجية الحرب الوقائية وتوجيه الضربات المسبقة في حال تَعرُّضها لتهديد عربي  مثل ضرب المفاعل العراقي في الثمانينات وضرب مصنع اليرموك في السودان حاليا.
وبشكل عام، فإن نظرية الأمن الإسرائيلي، هي المنبع الذي يستقي منه العسكريون الإسرائيليون توجهاتهم، ومن ثمّ بناء عقائدهم. كما أنها الأساس، الذي ترتكز عليه استراتيجيتهم وأساليبهم، في إدارة الصراع مع الدول العربية. “وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تكتب أبدا، كما لم تكتسب قوة إلزامية تتمسك بها القيادة السياسية العليا.

تأثير العوامل الديمغرافية والجغرافية في الأمن القومي الإسرائيلي:

العامل الجغرافي:
نشأت إسرائيل “وسط بحر من الأعداء” كما يقول الكاتب الاسرائيلي هارون باريف في مقالة له نشرتها “المنار للصحافة والنشر”، فإن تمتع دولة إسرائيل بمساحة جغرافية صغيرة يفقدها العمق الإستراتيجي، لذلك فإن نظرية الأمن لديها تخضع للتغيير والتجديد والتطور باستمرار مقارنة بما يحدث من تطورات داخلية أو إقليمية وعالمية تجري ضمن ظروف تاريخية معينة، أي أن موضوع الأمن مصدر قلق دائم للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية وهو يمثل بؤرة إهتمام قصوى تسبق أياً من الأولويات الأخرى. ويعتبر العمق الإستراتيجي من التحديات الرئيسة للنظرية الأمنية الإسرائيلية نظراً لوضع إسرائيل الجغرافي، ومن هنا اعتقد مخططو نظرية الأمن الإسرائيلي أن من شأن أية حرب شاملة أن تهدد وجود الدولة، وهو ما دفعها إلى تجنب أي حرب من هذا النوع على أراضيها، مما استوجب بلورة مفهوم نقل المعركة إلى أرض العدو لإيجاد عمق إستراتيجي مصطنع. فنظرية الأمن الإسرائيلي تدور داخل فكرة الحدود الجغرافية الآمنة ذات الطابع الغيتوي التي تستند إلى معطيات جغرافية مثل الحدود الطبيعية: نهر الأردن، هضبة الجولان، قناة السويس. وقد اقترح حاييم أرونسون ما سماه “الحائط النووي”، أي أن تقبع إسرائيل داخل حزام مسلح تحميه الأسلحة النووية. وهي فكرة بسيطة مجنونة، تتجاهل العنصر الإنساني الملتحم بالجسد الصهيوني نفسه، ولا تختلف فكرة المستوطنات – القلاع المحصنة كثيراً عن الحائط النووي، وهي سلسلة من المستوطنات التي تحيط بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والنقب، وهي مستوطنات أمنية مختلفة عن تلك التي أقيمت لأسباب دينية أو إقتصادية.يقول د. عبد الوهاب المسيري: “إزاء مشكلة غياب العمق الإستراتيجي للكيان الصهيوني يُحدّد الفكر العسكري الإسرائيلي ما يُسمّى “ذرائع الحرب” على نحو فريد. فالدولة الصهيونية تعتبر كل دولة عربية مسؤولة عن أي نشاط فدائي ينطلق من أراضيها، وازدياد هذا النشاط يُعدّ ذريعة من ذرائع الحرب. ويضاف إلى هذا الذرائع التالية: لقد حددت الحركة الصهيونية فكرة الأمن بشكل جغرافي وأسقطت العنصر التاريخي، وتصوّرت أنه عن طريق الاستيلاء على قطعة ما من الأرض أو على هذا الجزء من العالم العربي أو ذاك وعن طريق التحالف مع الولايات المتحدة والقوة العسكرية، فإنها تحل مشكلة الأمن وتصل إلى الحدود الآمنة، ولكن الانتصارات الإسرائيلية التي كانت ترمي لتحقيق الأمن كانت تؤدي إلى نتيجة عكسية، حتى وصلت التناقضات إلى قمتها مع انتصار عام 1967، وكان لا بد أن تُحسم هذه التناقضات، وهو الأمر الذي أنجزت القوات المصرية والسورية يوم 6 أكتوبر 1973 جزءاً منه، ثم اندلعت الانتفاضة لتبين العجز الصهيوني.

العامل الديمغرافي:
لقد أدى هدف تحقيق الهيمنة اليهودية في فلسطين التاريخية والحفاظ عليها دوراً بارزاً في تشكيل السياسات الإسرائيلية، سواء الداخلية منها أم الخارجية، فالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر مرتبطة بالدرجة الأولى بالإعتبارات الديمغرافية، وعلى سبيل المثال لا يوجد شيء يوازي أهمية الموضوع الديمغرافي وموضوع الأمن في الحجج التي تقدمها إسرائيل لرفض القرارات الدولية، وعلى رأسها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. فالديمغرافيا ضمن وجهة نظر صهيونية، هي مسألة “وجودية” أي تتعلق بالدرجة الأولى بيهودية الدولة وهو المعيار الأول والأهم في موضوع الديمغرافيا. وفي هذا الصدد، فإن جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحاول جاهدة المحافظة على الأغلبية اليهودية داخل إسرائيل، من خلال المحافظة على نسبة لا تقل عن 80% لصالح اليهود، وهي نسبة جرت المحافظة عليها منذ العام 1948. ولقد احتل موضوع الديمغرافيا اهتماماً خاصاً في السنوات الأخيرة في كثير من المؤسسات الاستشارية ومراكز الأبحاث وهيئات صنع القرار في إسرائيل، إضافة إلى اهتمام الشخصيات السياسية بالموضوع. وإن المواقف الإسرائيلية، من القضية الديمغرافية تتراوح بين التعامل مع القضية بطريقة موضوعية من خلال حل إقليمي يقوم على إقامة دولتين تعيشان جنباً إلى جنب من خلال حل متفق عليه بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مع دمج فلسطيني إسرائيلي في المجتمع الإسرائيلي، وإعطائهم حقوقهم السياسية والإجتماعية، هذا الطرح يتبناه اليسار الإسرائيلي ويدافع عنه. وبين مواقف أكثر تشدداً من قبل احزاب اليمين التي تتراوح بين الفصل أحادي الجانب، والقائم على أساس طبغرافي وديمغرافي، مروراً بتبادل أراضي داخل إسرائيل يعيش فيها سكان فلسطينيون مع أراضي داخل الضفة الغربية يعيش فيها مستوطنون يهود، وصولا إلى فكر الترانسفير الذي يدعو إلى ترحيل جميع الفلسطينيين عن ارض إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر.

جدلية العلاقة بين العاملين:
إن محاولة قياس القوة الشاملة لأي دولة من دول العالم يستند على أساس مساحتها وعدد سكانها ونظام الحكم فيها ومجتمعها وقوة اقتصادها وبالتالي قوتها العسكرية. ولا شك بأن إسرائيل قد قلبت هذه المقاييس رأسا على عقب من خلال بناء دولتها فكيف تمكنت إسرائيل من زيادة عدد سكانها وكيف تمكنت من بناء قوتها العسكرية وانتصرت في الحروب التي خاضتها ضد الدول العربية وكيف أثبتت مفهوم التفاضل وأثبتت ضمن صفحات التاريخ أن القوة الفعلية لا تقاس بأي حال من الأحوال وفق “الكمية” وإنما وفق “النوعية” وكيف أصبحت بفعل التكنولوجيا المتقدمة دولة عظمى قياسا لما احتوته ترسانتها النووية من رؤوس نووية. وكيف بنت اقتصادا قويا في العالم رغم حصارها من الدول العربية شرقاً وشمالا وجنوباً. وكيف فرضت نفسها على المسرح الدولي سياسيا وإقتصديا وإعلاميا وعسكريا. وتمكنت من عدم الإلتزام بتنفيذ كل قرارات الشرعية الدولية بما فيها قرارات الأمم المتحدة وأصبحت بحق صاحبة أطول إحتلال عسكري زمني للأراضي الفلسطينية والسورية. ولقد طالبت الصهيونية العالمية من يهود العالم الهجرة إلى إسرائيل واعتبار كل من يتقاعس عن ذلك مقصراً تجاه دينه وقومه وإسرائيل. وطالبت اليهود الذين لا يهاجرون الى إسرائيل أن يدينوا لها بالولاء، أي أن يتواجد لديهم ولاء مزدوج للدولة التي يعيشون فيها ولإسرائيل. وفي عام 1950 تمت الموافقة على قانون الهجرة الإسرائيلي الذي يعطي كل يهودي الحق مهما كانت جنسيته ومكان مولده بأن يصبح مواطنا تلقائيا بمجرد وصوله إلى إسرائيل. وأن قانون الهجرة هذا يعطي كل يهودي حقا طبيعيا بالجنسية الإسرائيلية أي أن اليهودية قد أصبحت دينا وقومية ووطن.

وعليه فإن أهداف الأمن القومي الإسرائيلي التي تُبنى عليها نظرية الأمن، لم تحددها القيادة السياسية المختصة منذ أواخر حرب التحرير عام 1948 وحتى يومنا هذا. ولا يعني ذلك أنها غير موجودة، فهي تشكل مجموعة من المبادئ والقواعد، تشبه في ذلك الدستور البريطاني غير المكتوب.
كما تَطّلَبْ طموح واتساع أبعاد المخطط الإسرائيلي، أن يعتمد في تحقيق أهدافه على التدرج المرحلي، والانتقال المتتالي من هدف لآخر، وصولاً إلى الغاية الوطنية، التي تنشدها إسرائيل. لذلك يرتبط تطور مفهوم الأمن الإسرائيلي، وتحقيق أهدافه بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات، والنظرة إلى غير اليهود، ليسبق موضوع الأمن (من حيث الشكل أو المستوى) موضوع الأرض. كما يقضي بتوظيف التفوق العسكري الإسرائيلي، لتحقيق التوازن والاستقرار في المنطقة من المنظور الإسرائيلي. كذلك ربط مفهوم الاستقرار، بالردع والقدرة على التهديد، ثم إجبار الطرف الآخر على الاستجابة لما تراه إسرائيل من مركز القوة، حيث تسمح النظرية بقصر التنازلات الإقليمية على الأراضي ذات الأهمية الإستراتيجية المحدودة، أو تلك التي يمكن تعويضها من خلال التطور النوعي في نظم التسليح.
ولهاذ نرى عاملي الديمغرافيا والجغرافيا متداخلين ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فكلاهما يكملان بعضهما البعض، فالسكان هم ثروة الأرض، والأرض يحميها السكان.
وعليه فإن ما يسعى إليه المستوطن الإسرائيلي للحفاظ على الأرض يكمن في العمل على استكمال فرض شرعية الوجود الإسرائيلي، على شعوب المنطقة، بكل السبل المتاحة. وتأمين المجال الحيوي، الذي يُحقق المطالب الأمنية لإسرائيل على حساب الأرض العربية، وكذلك استمرار العمل على جذب الجزء الأكبر، من يهود العالم، للهجرة إلى إسرائيل فضلا عن ضمان استمرار التفوق الحضاري لإسرائيل، في منطقة الشرق الأوسط، وجعل الدولة المركزية الفعالة دائماً في المنطقة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وهذا كله يعلوه المحافظة على التحالف الوثيق، مع إحدى الدول العظمى لهذا لا عجب من مبالغة إسرائيل في أمنها القومي بشكل لم تعهده دول العالم قديما أو حديثا، وهذا الإطار العام يهدف إلى مجابهة أية محاولة عربية لاتخاذ بعض التدابير الدفاعية، ضد أسلحة الدمار الشامل التي تنفرد إسرائيل بامتلاكها فى المنطقة، أو اتخاذ بعض الإجراءات لإعادة ترتيب البيت العربي فى مسيرة السلام. وعلى النقيض من ذلك، فإن إسرائيل تسارع إلى وضع العراقيل والمتاهات وافتعال لأعذار لكي تحبط مساري العرب والفلسطينيين لتحقيق السلام الشامل والعادل، وفى الوقت ذاته تضع إسرائيل إمكاناتها الإعلامية والعسكرية لإحباط نهوض أية قوة عسكرية عربية، الأمر الذي من شأنه أن يشحذ الهمم لتغيير الخيار الإستراتيجي العربي الوحيد، ألا وهو خيار السلام إلى خيار أو خيارات أخرى قد تمثل منعطفا خطيرا بالفعل على الدولة  العبرية.
وبسبب النظرة الإسرائيلية المرتبطة بالذات للشعور النفسي الداخلي للإنسان اليهودي القادم من الخارج بحثا عن تحقيق الذات بعيدا عن “موروث الهولوكست” والاغتراب فى أرض الميعاد فى أجواء دولة عسكرية تعتمد على القوة – فى المقام الأول – لاستمرارية وجودها والحفاظ على ما سلبته من الأراضي العربية،  وهي بذلك تكون نظرة مستغرقة فى البحث عن الأمن أولا وقبل كل شيء، وبالمقابل نجد نظرة اليهود إلى غير اليهود نظرة تشوبها مقومات الاستعلاء الحذر وعدم الثقة انطلاقا من دوافع دينية صرفة أو من دوافع أفرزتها دواعي احتلال أراضي الغير.
يعني أن رغم العلم التام عن بعض المتدينين اليهود عدم أحقية المستوطنين بأرض فلسطين، لكن الدوافع السياسية المبلورة دينيا بمزاعمهم تعمل بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على العنصر البشري ليكون الدرع الحامي لأرض إسرائيل المزعومة، مع الحذر التام بعدم جعل الحروب في المنطقة تنتقل داخل الأراضي المحتلة بأي شكل تام، بل العمل على إثارة الفتن وسفك الدماء في أراضي العرب. إن نظرية الأمن الإسرائيلي لاتستهدف فقط تحقيق الأمن عبر ضمانات دبلوماسية وسياسية دولية بل تستهدف إيجاد الوسائل العملية الداخلية لدى إسرائيل القادرة على تجسيد نظرية الأمن الإسرائيلي وفي هذا المجال تقول جولدامائير: إن ما نريده ليس ضماناً من الآخرين لأمتنا، بل ظروفاً مادية وحدوداً في هذه البلاد تضمن بشكل أكيد عدم نشوب حرب أخرى. وبذلك نرى أن نظرية الأمن الإسرائيلي تقوم على مبدأ الحقائق الملموسة بتعبير آخر وتستند إلى قوة فعلية تتجسد في وجود جيش عسكري قوي يشكل سياجاً حقيقياً للأمن الإسرائيلي، في مرحلة معينة، ووسيلة لتحقيق نظرية الأمن التي تتضمن في إطارها مظاهر التوسع في الأرض العربية أيضاً.

وما يجب ذكره بناء على ذلك أن مقومات النظام السياسي والأسس الفكرية التي يرتكز عليها الأمن القومي هي التي تشكل المرجعيات وتصاغ على اسسها الاستراتيجيات الامنية المتعددة، ولهذا ما قد يكون مصلحة أمنية لطرف قد يكون خطرا أمنيا للطرف الآخر، وما قد يشكل خطرا لطرفين قد يكون مصلحة أمنية لطرف ثالث، ويمكن أن تتحول وتتغير الإعتبارات الأمنية تبعا للظروف والمعطيات التي يمكن أن تكون مصنوعة ومعدة مسبقا ومفروضة فرض أحيانا، أو تلك التي تأتي بشكل تلقائي نتيجة الحراك السياسي وتغير موازين القوى.

يمكننا التوصل الى قناعة بأن إسرائيل سوف تستمر في الإستيلاء على المزيد من الأراضي العربية وأن كل منطقة جديدة تقع في الأيادي الإسرائيلية يتم تحويلها الى منطقة عازلة ومنطقة تجمع للقوات الإسرائيلية بحيث تتمكن إسرائيل من نقل الحرب الى الأراضي العربية. كما أن إسرائيل لديها الآن من التفوق التكنولوجي ما يمنحها القدرة على ضرب الأهداف الإستراتيجية في كل دول الجوار العربي دونما حاجة الى تحريك أي جندي إسرائيلي فهي تضم اليوم آلاف الصواريخ الباليستيكية والتي تستطيع الوصول إلى كل العمق العربي من الشرق إلى الغرب . وإن الإستمرار في تهجير الشعب الفلسطيني والإصرار على إقامة المستوطنات اليهودية لأن هذه المستوطنات حسب الأهداف الصهيونية هي حدود دولة إسرائيل وتأمين الحماية والأمن لهذه المستوطنات هي حجة إسرائيل في الإستيلاء على المزيد من الأراضي العربية.

تعقيب ختامي:
يقول بن غوريون: “بالدم والنار سقطت اليهودية وبالدم والنار تعود من جديد”، فالعقيدة اليهودية الأمنية أفرزت لديهم حساَ تاريخيا مقتصرا على فكرة العودة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولتهم المزعومة بشكل مجرد، ويبررون لأنفسهم كل الدواعي لاستخدام المواطنين وتحويلهم جيش أسطوري مضطهد من حقه الدفاع الدائم عن دولته، والتوسع السلمي على حساب رغبات الأوساط العربية ولهذا تعقد إسرائيل آنفا اتفاقات التطبيع بشكل سريع علنا من أجل الحفاظ على ديمومة دولتها المعرضة للانهيار بأي وقت في الصراع العربي الإسرائيلي، مع إنكارها لوجودهم أصلا وترسيمها لوجودهم شكلا. ويتضح أن العمق الأمني لديهم نابع لأجل حماية المستوطنين من خلال توسيع المستوطنات وتأمين الحدود والتوسيع الدائم لتحقيق حلم الدولة المزعومة ولو بعد حين، فضلا عن الحفاظ على الأمن الدائم للسكان من خلال تيسير الأوضاع السياسية والاقتصادية وتأمين استقرارهما بشكل مستجد ومرن ودائم.

ولعل أبرز أساليب الصهيونية تنتهج أسلوب الملك لويس الرابع عشر الذي يؤمن بإضعاف الجار من أجل الاستقرار، وبهذا تعمل إسرائيل على إضعاف جاراتها العربية لتتمدد وتقوى مع تأمين التحالفات الغربية للحفاظ على تفوق بقائها بقوة العاملين الجغرافي والديمغرافي كمحورين هامين وعليهما ترتكز وتدور حولهما باقي مقومات الدولة الأخرى بقوة النفوذ والتوسع والاستقرار.
إن نظرية الأمن، التي وضعها منذ أكثر من 40 سنة بن جوريون، أرادت أن تجيب على سؤال مصيري لإسرائيل، وهو كيفية تحقيق الأمن لشعب قليل العدد، يواجه كثرة معاديه؛ فالبيئة العربية معادية لوجود إسرائيل. وفي معظم الحالات، أخذ بن جوريون في الحسبان ضعف إسرائيل في القوة البشرية (ديموجرافية السكان مقارنة بالشعوب العربية)، ومساحتها الضيقة، وكذلك مواردها المادية المحدودة. وهو ما أدى به إلى الاتجاه نحو عدد من المبادئ، شكلت ركائز نظرية الأمن، أبرزها: أن كل الشعب هو جيش (الشعب المسلح). ونقل الحرب إلى أرض العدو. وبناء على تلك الركائز، فإن الوجود القومي الإسرائيلي، مرتبط بمدى كفاءة جهاز الأمن في مفهومه الواسع، لخلق تفوق متنامٍ وسريع يؤدى إلى معالجة الضعف الأساسي لإسرائيل. وقد توصل واضعو نظرية الأمن إلى حلول لذلك، وقاموا بتطبيقها في إطار نظريتهم. وعليه فإن جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي يعُد الأداة الأساسية لجهاز الدفاع، وضع لنفسه أسلوباً عملياً هجومياً يساعد على حماية سيادة الدولة واستقلالها، من خلال طريقة قتال تهدف إلى نقل الحرب إلى أراضى العدو، وإلحاق الهزيمة بقواته في معارك حاسمة وسريعة. لذلك، بنيّ الجيش الإسرائيلي وأُعِدَت نظريته القتالية، ووزعت الموارد بين القوى الهجومية (مثل القوات المنقولة جوا والطائرات المقاتلة القاذفة، والهليوكوبتر الهجومية، والدبابات والمدفعية ذاتية الحركة، وغير ذلك)، وبين قوى الدفاع (مثل المشاة، والأسلحة المضادة للدبابات، والأسلحة المضادة للطائرات، والملاجئ، والوقاية من أسلحة الدمار الشامل، وغير ذلك).

وفي النهاية فإن نظرية الأمن القومي في إسرائيل تتكون من القوة الشاملة والعامل السياسي والعامل الديمغرافي والقوة العسكرية والتحالف الإستراتيجي والإستمرار في إحتلال المزيد من الأراضي العربية.

المراجع:
* عبد الحفيظ علاء، الأمن القومي.. المفهوم والأبعاد، دراسات سياسية، المعهد المصري للدراسات، 11 مارس 2020م.

* توفة حسين، نظرية الأمن القومي في إسرائيل، “عمون نيوز”، 2019م.
* مرتضى إحسان، الديمغرافيا الفلسطينية في حسابات الأمن القومي الإسرائيلي، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، ع 45، تموز 2003م.
* موسى حسين، محددات سياسة الأمن القومي الإسرائيلي في ضوء ومرحلة ما بعد “الثورات العربية”، دراسة بحثية، المركز الديمقراطي العربي، مصر، 17 ابريل، 2014م.
* نظرية الأمن الإسرائيلي، نشأة نظرية الأمن الإسرائيلي، موسوعة المقاتل الالكترونية.
*  رابينوفيتش ايتمار، واورين مايكل، موقع إسرائيل الجغرافي الاستراتيجي في ظل عدم الاستقرار الإقليمي، تحليل سياسي، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 2014م.
* نظرية الأمن الإسرائيلي، الثقافة الأمنية، شبكة انتفاضة فلسطين الالكترونية، 2017م.
* البابا جمال، الهاجس الديمغرافي في إسرائيل “مخاوف أم أطماع سياسية”، مجلة مركز التخطيط الفلسطيني، 2006م.
* الحساينة تيسير، مرتكزات الأمن القومي العربي مقابل مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي، بحث، جامعة الأزهر، غزة 2010م.

 

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0