فكر مختارات مقالات

نيوتن يعود إلى الواجهة بعد 300 عاما على وفاته

بقلم/ علي حسين

اخيرا وبعد جهود سنوات من البحث عثر علماء أمريكيون على حوالى 200 نسخة من كتاب نيوتن “المبادى الرياضية للفلسفة الطبيعية”، وكان هذا الاكتشاف بمثابة دحض للاراء التي يؤكد اصحابها ان كتاب نيوتن معقد جدا ولم يقرأه سوى اشخاص لا يتجاوزن عدد اصابع ، الكتاب الذي صدر عام 1687 كان الشغل الشاغل للبروفيسور موردخاى فينجولد والذي تفرغ لمتابعة عدد نسخ كتاب نيوتن حول العالم واكتشف من الملاحظات المثبتة على نسخ الكتاب والمنشورات الأخرى حوله، أن مناقشة الكتاب جرت على نطاق واسع ليس على المستوى العلمى بل فى المجتمع البريطاني أيضا. ويقول البروفيسور ان هذا الاكتشاف يثبت أن كتاب نيوتن كان متاحا أكثر مما كنا نتوقع، وكانت النتيجة البحث عن الكتاب العثور على 199 نسخة غير موثقة فى المكتبات العامة والخاصة فى 27 دولة بما فيها 35 نسخة فى دول أوروبا الوسطى، حيث وفقا للتقديرات بلغ عدد النسخ المطبوعة من الكتاب عام 1687 حوالى 600 نسخة ، ويأمل البروفيسور موردخاى ان يستجيب بعض الذين لديهم نسخ من الكتاب من اجل معرفة آراء اصحابها بالكتاب عندما اقتنوه لاول مرة قبل اكثر من ثلثمائة عام ، ويذكر ان النسخ التي يتم العثور عليها من كتاب نيوتن تباع في المزادات بأسعار تتراوح بين مليون و ثلاثة ملايين دولار.
في الطبعة التي صدرت لكتاب اعترافات جان جاك روسو بعد وفاته بعامين عام 1780، وضع الناشر على الغلاف صورة يظهر فيها روسو جالساً وراء مكتبه وخلفه منظر ريفي، وعلى مكتبه مجلدان وكأنهما يلخصان ثقافة العصر آنذاك، الأول كتاب”مبحث في الفهم الإنساني”لجون لوك والثاني كتاب” ” المبادى الرياضية للفلسفة الطبيعية” لإسحاق نيوتن، وكان روسو قد كتب في دفتر يومياته :”إسحق نيوتن، كان الطفل الأعجوبة الذي يتعين على البشرية أن تُعلن له البيعة الصادقة.
في ساعة متأخرة من ليلة التاسع عشر من يوم 19 آذار عام 1727 وقع رجل في الرابعة والثمانين من عمره مغشياً عليه، وحين تمّ استدعاء الطبيب نظر إليه ثم أخبر المحيطين به وكان ابن شقيقته وزوجها، أن يستعدوا لتلقي التعازي، فالرجل يعاني من سكرات الموت، لم تمر سوى ساعات قليلة حتى أعلنت وفاة السير إسحق نيوتن الذي كان قد احتفل قبل شهرين بعيد ميلاده وخلال الاحتفال همس في أذن أحد أصدقاءه بأنه سيموت ولم يضاجع امرأة أبداً.
ولد إسحق نيوتن في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 1642، وهي نفس السنة التي مات فيها غاليلو غاليلي ، وكان مولوداً ضعيفاً جداً، حتى أن امراتين كانتا تعتنيان بأمه عند ولادتها، أرسلتا لجلب بعض الأدوية من الجيران، وبدلاً من أن تسرعا جلستا في الطريق تستريحان، ظناً منهما أن المولود لن يعيش وأنه لا بد أن يكون قد مات.. وبعد سنوات ستخبر الأمّ ابنها بأنه كان ضئيل الجسم لدرجة إنه كان يوضع في قدر صغير، وبسبب ضعفه لم يكن يتمكن من أن يرفع رأسه للأكل أو التنفس، لذلك أعدت لرقبته النحيلة مساند من القماش لتسند رأسه..بعد ستة أشهر من ولادته سيتوفى والده لتتزوج أمه من جار لهم يملك ثروة وأراضٍ، وكان شرطه الوحيد قبل إتمام الزواج أن لايشاهد هذا الطفل الغبي، فقررت الأمّ أن تترك ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات في عهدت والدتها، بعد أن بلغ العاشرة من عمره قرر خاله القس أن يعلمه المبادئ الدينية أملاً في أن يصبح في المستقبل قسيساً.فألحقه في مدرسة بمدينة بغرانثام، وأضطر الصبي أن يسكن في غرفة مؤجرة تعود لرجل يعمل صيدلياً، وسيندهش الصبي وهو يشاهد في واجهة الصيدلية ألانابيب والقوارير، وسيلعب لقاءه بصاحب الصيدلية دوراً حاسماً في حياته، إذ يجعله يعشق الكيمياء، وكان يأخذ من الصيدلي كتباً قديمة تنبعث منها رائحة الغبار، ليتأمل في صورها والرسوم التي تزين صفحاتها. لم يكن آنذاك قد تجاوز الثانية عشرة من عمره، لذلك لم يفهم كل ما يقرأ، ومع ذلك كانت هذه الكتب تسحره، لأنها كانت تتحدث عن كل شيء، الفيزياء، علم النبات، التشريح والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك.ومن بين الكتب التي أثارت اهتمام الصبي إسحق نيوتن كتاب بعنوان”أسرار الطبيعة”وجد فيه سر عملية بناء الطواحين الهوائية والآلات الصغيرة، وقد تمكن من خلال الكتاب من صنع ساعة شمسية، وفي أوقات الفراغ كان يتسلل الى الصيدلية ليراقب تجارب الصيدلي وتحضيره للدواء، وأصبح صاحب الصيدلية بمثابة أب له يعوضه عن غياب الأب الذي لم يعرفه.
بعد سنتين سيحدث طارئ في حياته، حيث يتوفى زوج أمه تاركاً لهم مزرعة كبيرة، وقد قررت الأم أن تستدعي ابنها اسحق البالغ من العمر 14 عاماً ليكون مسؤولا عن العائلة،.هكذا سيصبح مطالباً بالذهاب صباح كل يوم الى السوق الكبير لبيع محاصيل المزرعة ولشراء بعض الأغنام.ولم يتسن له اكمال دراسته إلا بعد أربع سنوات من العمل، حيث عاد الى مدرسته ليكمل الدراسة الثانوية وهو في العشرين من عمره، ليلتحق بعدها بجامعة كمبردج لدراسة الرياضيات، إلا أن وباء الطاعون الذي اجتاح لندن عام 1665 قضى على آماله في إكمال دراسته، فقد أغلِقت أبواب الجامعة، ليعود نيوتن الى قريته يمضي أيامه في التأمل والصمت، وكانت هذه التأملات هي الأساس الذي قام عليه انتاجه العلمي. فخلال الثماني عشر شهراً التي قضاها في القرية اكتشف قوانين الحركة والجاذبية، وأجرى تجارب على الضوء ليثبت أن الضوء الأبيض يتألف من جميع ألوان الطيف الشمسي، ولم يكلفه هذا الاكتشاف العظيم، أكثر من”باوند”استرليني جمعه من أمه وعمه وبعض أخواله ليشتري به من سوق القرية قطعاً من الزجاج، يجري عليها تجاربه، وليبتكر بعد ذلك نوعاً من التلسكوب صنعه من العدسات الزجاجية وبقايا المرايا التي اشتراها.
في العام 1687 أصدر إسحق نيوتن كتابه”النظريات الرياضية للفلسفة الطبيعية”، كان في الخامسة والأربعين من عمره، ويخبرنا أحد كتاب سيرته إنه عندما نشر الكتاب لم يفهمه أحد آنذاك ، وقد اعترف نيوتن إنه كتاب صعب، آنذاك كانت الجمعية الملكية البريطانية قد وعدت نيوتن بتمويل نشر الكتاب، إلا أنها نكثت بوعدها فقام أحد أصدقائه بتسديد ثمن الطباعة من جيبه الخاص، ليخرج الكتاب من المطبعة بحجم صغير وبسعر عشرة شلنات، ولم يبع من الكتاب اثناء حياة نيوتن سوى إثني عشرة نسخة. وظل صاحب المطبعة يترجى نيوتن أن يخلصه من النسخ المتبقية التي لا يريد أحد شراؤها، لكن النسخ التي كانت مركونة في المطبع وجدت من يشتريها .
ومثلما كانت حياة نيوتن غريبة، فقد انتشر حول أبحاثه الكثير من الحكايات الغريبة، كان من أبرزها إنه حين كان جالساً في قريته يتأمل، تحت شجرة من أشجار التفاح ، فإذا بتفاحة تسقط على الأرض، ولمع ذهن الطالب الجامعي مع سقوطها. قال في نفسه متسائلاً:”لماذا سقطت التفاحة الى أسفل، وليس إلى أعلى أو إلى أية جهة أخرى. وهل يمكن أن تكون قوة الجاذبية المؤثرة على التفاحة في الأرض هي ذاتها التي تتحكم في حركة الاجرام السماوية؟”كان هذا الكلام يعتبر ضرباً من الهرطقة، لأنه وفقاً للفكر السائد وقتها، كان يفترض بالكواكب أن تتمركز في أماكن ثابتة تخضع للقوانين السماوية خضوعاً تاماً.
إن من السهل معرفة إنه قبل نيوتن، لم يكن هناك تفسير لحركة الأجسام على الأرض أو للأجرام في السماء، وإن الناس كانت تعتقد أن مصائرها معلقة بأيدي الأرواح الخيرة والشياطين، في تلك السنوات أنتشرت الشعوذة والسحر والخرافات، وقد جاء في كتابات الفلاسفة الإغريق وكتب اللاهوت أن الاجسام تتحرك بدافع من مشاعر ورغبات البشر، وكان أتباع أرسطو يرون أن الأجسام المتحركة لابد لها في النهاية أن تبطىء سرعتها ثم تتوقف لأن الارهاق يتملكها، وإن الاجسام تهوي الى الأسفل لأنها تشتاق للتوحد مع الأرض.
خاض نيوتن معركته العلمية والفلسفية من خلال كتابه الشهير”المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”وفيه عارض نظريات ديكارت في الحركة والكون. وقد تمكن في هذا الكتاب الضخم أن يلخّص أفكاره وتجاربه الكثيرة، ويثبت الكثير من القوانين والقواعد. وكان هدفه الأساس من الكتاب هو :”إثبات أو شرح كيف أن الجاذبية الأرضية تستطيع المحافظة على نظام الكون”، ويخبرنا برتراند رسل أن نيوتن :”أراد أن يوضح ذلك ليس عن طريق الفلسفة القديمة، ولكن بطريقته الفلسفية الجديدة”.
عندما بلغ نيوتن الخامسة والخمسين من عمره قرر اعتزال الحياة العلمية ، وراح يبحث عن عمل يحصل من خلاله على مبلغ جيد من المال ، في تلك الأثناء عرضت عليه وظيفة مدير مدرسة ” تشارتر هاوس ” وهي مدرسة خاصة بالطبقة الارستقراطية الإنكليزية في لندن ، لم يعجبه العرض فكتب رسالة يعتذر فيها عن قبول الوظيفة :” أشكرك لإسناد أمر تشارتر هاوس إلي إلا أنني لا أرى فيه ما يغريني ، إذ إنه الى جانب العربة التي لا أبالي بها ، يقتصر المبلغ على 200 جنيه ، مع ملازمة هواء لندن ، ونوع من الحياة لا أحبه ولا أهواه ، وإني لا أرى كذلك ، إنه من المستحسن أن أقحم نفسي في أي سباق للحصول على مركز أعلى . وخلال العقد الأخير من حياته، واصل نيوتن أداء الكثير من واجباته ومهامه الإدارية في الجمعية الملكية ودار سك العملة، على الرغم من أن صحته لم تساعده في ذلك على نحو متزايد. وفي عام ١٧٢٥ نصحته احد اصدقاءه بالانتقال إلى أجواء كنسينجتون الأكثر صحية بعيدًا عن دخان لندن المميت. وتضاءلت أيضًا طاقاته الفكرية، على الرغم من أنه كان يخصص ساعات من كل يوم لدراسة النبوءة، وتاريخ الكنيسة، وعلم التقسيم الزمني للتاريخ. وظهرت طبعة ثالثة من كتاب ” المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية ” ، وإن كانت هذه الطبعة لم تضف إلا القليل إلى الطبعة الثانية.
بعد وفاته كان نيوتن قد حقق شهرة كبيرة لم يحققها أي عالم وفيلسوف في عصره.. وقد أطلق على مشروعه العلمي اسم”الثورة النيوتنية”، وهي الثورة التي ربما سمع بها عدد قليل من الناس، لأن اهتمام العالم كان منصباً على الثورات السياسية مثل الثورة الفرنسية والروسية وحرب الاستقلال الاميركي، إلا أن تاريخ البشرية يضع ثورة نيوتن في منزلة متقدمة من هذه الثورات، لأن تأثيرها امتد لعقود طويلة، حتى أن الشاعر الانكليزي الكسندر بوب كتب :”، كانت الطبيعة وقوانينها كامنتين في ظلمة الليل.. فقال الخالق، اتركوا نيوتن يعمل! فأضاء كل شيء”..فيما طالب فولتير أن تطبق نظريات نيوتن في مجال التاريخ والأدب والفلسفة.
وعلى مدى القرون الماضية احتل نيوتن تصنيفاً علمياً تفوق فيه على داروين وغاليلو وأينشتاين، وظلت أعماله العلمية والفلسفية مبهرة على مستوى العالم الذي اعتبره أعظم مفكر عرفته البشرية. يكتب نيوتن مقالا بعنوان ” مقترح للسلام ” يركد فيه ان مبادئ الدين المسيحي موجودة في “الكلمات المعبرة للمسيح والحواريين وليس في الميتافيزيقا أو في الفلسفة” ،ولم يكن بالضرورة أن توجد في الكتاب المقدس كما هي الآن. إذ كانت جميع الأمم في البداية لها دين واحد، كانت مبادئه الأولى هي:أن يكون لك إله واحد، وألا تدنس اسمه، وأن تتجنب القتل، والسرقة، والفسوق، وكل الموبقات، وألا تقتات على لحم حيوان حي أو تشرب دمه، ولكن أن تكون رحيمًا حتى بالوحوش الضارية؛ وأن تقيم محاكم العدل في كل المدن والمجتمعات لتضع هذه القوانين موضع التنفيذ، وكانت الوصية الثانية من الوصايا الكبرى، هي تطبيق الإنصاف والعدل تطبيقًا عمليًّا، وحب الجيران كحبك لنفسك بمعاملتهم كما تحب أن تعامل به. لقد فرضت المسيحية الفريضة الجديدة المتمثلة في الرحمة بالآخرين.
كرّس نيوتن أيضا الكثير من سنواته الأخيرة لدراسة علم التقسيم الزمني للتاريخ. فقد جذب تأريخ الأحداث والسجلات التاريخية وسلالات الأنساب لمختلف الأمم انتباه نيوتن حيث اظهرت ابحاثه في تقسيم التاريخ معرفة ضخمة بالأدب الكلاسيكي والعهد القديم. وفي محاولة منه لتقليص طول ، التاريخ المسجل بشكل جذري، استخدم أدلة فلكية جديدة تمامًا مبنية على ظاهرة الكسوف، وتبنى الفكرة القائلة بأن متوسط طول حكم الملوك في التاريخ كان يتراوح بين ١٨ و٢٠ عاما. وباستثناء هيرودوت، الذي كان يكن له إعجابًا، فقد شجب سلالات الأنساب مفرطة الطول لجميع السجلات التاريخية الأخرى.
اضافة الى اهتماماته العلمية خصص نيوتن ساعات من وقته لدراسة الفنون وقد عثر بعد وفاته على مفكرة كتب فيها ملاحظات عن فن الرسم ووجدت فيها ايضا اهتمامه بإنتاج مجموعة كبيرة من الأحبار والطلاءات الملونة، كما وجدت في المذكرة وصفات طبية ، ويذكر احد المقربين أن نيوتن كان غالبًا ما يأخذ وصفة دوائية كان يصنعها بنفسه كواق من الأمراض.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0