أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

عرض رواية اسم الوردة

بقلم/ نجوى الجزائري

(الدخولُ في الرواية أشبهُ بتسلق الجبال، عليك أن تتخذَ نفساً و تضبطه على وقعِ الخطى ،و إلا فالأَوْلَى أن تتوقفَ عن الصعود) أومبيرتو إيكو.

تدور أحداث رواية (اسم الوردة ) في أحد أديرة شمال إيطاليا، سنة 1327 من العصور الوسطى ، حيث تتكرر في الدير جرائم قتل مريبة ضحاياها جميعهم من الرهبان، يستعين رئيس الدير بالمحقق ( غوليالمو دا باسكرفيل) الراهب الفرانسيسكاني و مساعده الفتى الراهب البندكتي (إدسو دا مالك )لحل لغز الجريمة و إيجاد القاتل ، لكن التفسير الوحيد للرهبان حول هذه الظاهرة هو وجود روح شريرة(الشيطان) داخل جدران الدير .

ينبش الفيلسوف الإيطالي أومبيرتو إيكو ،الروائي و الباحث في القرون الوسطى، في دفاتره القديمة في عام 1968 حيث تسلم من (الأب فالي ) “مخطوط الدون أدسون دا مالك” و مع مجموعة من المصادر التي يمتلكها هذا الكاتب الموسوعي عن العصور الوسطى تعود إلى سنة 1952 ، يعود بنا من خلال روايته هته (اسم الوردة ) إلى عصر ما قبل التنوير” ، حيث تعد هذه الفترة من أشد الفترات صراعًا وتقلّبًا بين الدّين و السلطة أو الاثنين معًا متملثة في صراع بين البابا و الإمبراطور، في مزيج رائع بين التأريخ، الفلسفة و الجريمة ، تتوازى أحداث الرواية في شكل ثلاثة محاور رئيسية: محور الجرائم المتكررة في الدير ، محور المناقشات اللاهوتية و التاريخية و محور مناقشات فلسفية علمية بين الأستاذ و تلميذه، بالإضافة إلى الموضوعات الرئسية تزخر الرواية بالكثير من المواضيع الشائكة جدا عرج عليها إيكو ببراعة فليلسوف و مؤرخ : فقر المسيح ، نظام الرهبة ، المعرفة ، الاستقراء، فلسفة أرسطو … و حتى لا ننس ما ميز عصر القرون الوسطى من تلاقح الأفكار و تبادل المعرفة بين الغرب والشرق، المسلمين (للمفارقة يصفهم إيكو بالكفار !!) و بين المسيحين(الرهبان) فنجد كتابات لعلماء عرب في الطلب ، في علم البصريات ، في الأعشاب و حتى كتاب ابن حزم عن الحب !! و الغريب أن إيكو ينظر إلى الكتابة العربية كأنها( ذباب أو ثعابين!!) يقول على لسان الفتى إدسو .

#ما أجمل العالم و ما أقبح المتاهات…
يقول إيكو (لكي تروي قصة يجب عليك أولا أن تشّيد عالما و تؤثثه …) ، تماما خلق إيكو عالما من العدم بهندسة تضاهي تلك التي عرفتها القرون الوسطى، أنشأ إيكو ديراً متكامل المعالم ، الصرح ، المكتبة ،المشفى المطابخ …. مثلا يتحدث على لسان المحقق غوليالمو عن الصرح(..ثلاث صفوف من النوافذ تدل على النسق الثلاثي الذي تمتاز به تعليته مما يجعل ما هو مربع على الأرض من الناحية المادية مثلثا في السماء من الناحية الروحية..) يا للقدرة العجيبة لهذا الفليسلوف، أيضا يلعب إيكو لعبة الأرقام المقدسة ،العدد ثمانية هو رقم كمال كل مربع ، أربعة هو عدد الأناجيل ، و سبعة عدد هبات روح القدس ، بالإضافة إلى لوحات المنمنمات التي رسمها ايكو بقلمه بدقة متناهية متناغمة مع الروحانية الصوفية ، نأتي إلى كمال عبقرية إيكو في تخطيطه لمتاهة المكتبة، فإذا كانت المتاهات هي إحدى أنواع الألعاب التي تنشط العقل وفق عدة طرق منها السهلة والمعقدة و التي يتطلب لحلها إيجاد الطريق الصحيح للوصول لنهاية المتاهة حيث توجد عدة قواعد لحلها أبرزها هي قاعدة اليد اليمنى والتي تكون بسلك الجانب الأيمن من البداية وحتى الوصول إلى النهاية ، فإن إيكو له رأي آخر و متاهة أخرى أكثر تعقيدا و أكثر غموضا و تشويقا، بإستخدامه متاهة تخمينية نسير عبر قاعات المتاهة ندخل القاعات المتعددة ذات النوافذ العالية و الكوات التي تصدر أصواتا، متاهة تجبرك على العودة إلى الوراء و أن تقرأ آيات و حكم من الكتاب المقدس باللاتينية ، ثم تصادفك مرآة عجيبة تعكس صورتك بالمقلوب قد تصاب بالدوار و تبدأ بالتخيل تحت تأثير أعشاب منومة ، ( هنا يستعمل العلم للتغطية عوضا عن الإنارة) فماذا إذا إنطفئ سراجك، يقول إيكو ( تلك المتاهة هي صورة من هذا العالم فسيحة لمن يريد الدخول ، و ضيقة لمن يرغب بالخروج ) ، العالم متاهة كبيرة كلنا ندخلها للعب فنعتقد أنها سهلة و مألوفة لكن الخروج منها يتطلب البصيرة و ليس البصر.

#الأرقام و الدلالات:
تدور أحداث الرواية خلال سبعةِ أيّام في الدير، و هو رقم مقدس لدى المسيحيين إذ يمثل رقم الكمال الروحي ، ويحتل مكانًا بارزًا في أعمال الله، وقد ورد الرقم 7 أكثر من أي رقم آخر ، كما أن للرقم سبعة دلالات كبيرة في العهد الجديد وفي الطقوس الكنسية، فأسرار الكنيسة (طقوسها) سبعة، هي (المعمودية، الميرون، الافخارستيا، التوبة والاعتراف، مسحة المرضى، الزيجة، الكهنوت)، ثم قسم إيكو ساعات النهار حسب ساعات الفروض الدينية (أول الصبح، صلاة الحمد، أولى، ثالثة، سادسة، تاسعة، صلاة الستار، صلاة النوم)، إنها ساعة إيكو الإجرامية، تحدث الجرائم( أو تكتشف) خلال ساعات الصلاة أو بعدها مرتبطة بها ، لذا فإيكو يدعونا على لسان المحقق غوليالمو (يا عزيزي أدسو ، إنني منذ أن بدأنا الرحلة و أنا أعملك أن تقرأ الدلالات التي يكلمنا بها العالم و كأنه كتاب كبير ) العالم بالنسبة لإيكو هو لغة ، رمزية ، دلالة حتى و إن نقصت الأشياء ( نحن نستعمل الدلالات و دلالات الدلالات فقط عندما تنقصنا الأشياء ) ، كما ترتبط جرائم الدير بموضوع الأبواق في المسيحية و هو إعلان تحقق مجيئ المسيح الثاني في الزمان الأخير حيث تقوم الملائكة بالنفخ معلنة في كل مرة نوع العذاب الذي ينتظر البشر ، و نفس المصير أراده المجرم في كيفية قتل ضحاياه ، البوق الأول إلقاء برد و نار مخلوطين بدم ، البوق الثاني إلقاء من جبل عظيم متقد ، البوق الثالث سقوط كوكب عظيم ،فيقول القاتل في الأخير ( أنا لم أقتل أحدا لقد سقط كل واحد منهم متبعاً مصيره بسبب ذنوبه، كنت أنا أداة فقط ) و ما كان ذنب الضحايا (تقض مضاجعنم الرغبة في معرفة أشياء جديدة) هذه هي الرغبة في المعرفة ربما تقودنا المعرفة إلى النهاية كما الرغبة في احتكار المعرفة يقودنا للجنون و العمى.

#العنوان مفتاح تأويلي:
أحيانا يجذبنا عنوان الرواية قبل المؤلف حتى ، و دائما تستهوينا العناوين المثيرة و غالب الأحيان تكون عناوين تجارية محضة و إن لم تكن كذلك فهي عناوين تأويلية تفضي أو تكشف أو حتى تحجم موضوع الرواية ، لهذا تفطن إيكو لمثل هذه العناوين و كخبير و ناقد أيضا إختار عنوانا حياديا(ربما يراه البعض لا يمت لموضوع الرواية بصلة) ، لهذا عرضت على إيكو العديد من المقترحات كعنوان لروايته مثل “دير الجريمة” لكنه فضل “اسم الوردة ” حتى يكون عنوانا مفتوحا لا يحدد أو يوجه القارئ في ناحية واحدة دون أخرى الشق البوليسي أو الفلسفي أو حتى التاريخي، و بما أن إيكو سمح للقراء بالتحليل و التأويل كل حسب رأيه ، خمتُ أن يكون اسم الوردة إسم للمكتبة أو بشكل أدق لمتاهة المكتبة التي تتشكل على شكل وردة تقود كل قاعة إلى أخرى كبتلات الورود، في ختام الرواية يقول إيكو ( كانت الوردة اسماً، ونحن لا نمسك إلا الأسماء ) يقال أن هذا البيت الشعري أصله (كانت روما اسماً، ونحن لا نمسك إلا الأسماء) لراهب بندكتي (برنارد دي مورلي ) الذي عاش في القرن الثاني عشر ، و منه استمد إيكو فكرة العنوان ، (كل الأشياء تندثر و لا يبقى منها إلا الأسماء ) ، كناية عن ما آلت إليه المكتبة حيث لم يبق إلا إسمها.

#القارئ و النص:
يقول إيكو(ماذا يعني تخيل قارئ قادر على التغلب على كفارة الصفحات المائة الأولى؟يعني على وجه التحديد أن كتابة مائة صفحة إنما ترمي إلى تشكيل قارئ مناسب لما سيأتي لاحقا بعدها من صفحات)، جاءت مقدمة رواية (اسم الوردة ) تمهيدا مشوقا ، و تهييئا لأرضية الرواية و للقارئ على حد السواء، فمن لم يصبر على المئة صفحة الأولى لإيكو لن يصبر على طول و نفس الرواية ككل ، ربما كنا نحن القراء مثل الراهب الفتى أدسو دي مالك مع المحقق غوليالمو دا باسكرفيل ، في كل مرة يقود فيها المعلم تلميذه و يحضه على القراءة و الاستقراء ، كذلك مهد لنا إيكو الرواية بنسق تصاعدي مع تفاصيل طويلة بين الحين و الآخر لكنها كانت مفيدة بكل تأكيد.

في الأخير من الممتع جدا و المفيد قراءة كتيب لأومبرتو إيكو أيضا تحت عنوان : تأملات في اسم الوردة .

اسم الوردة
“Il nome della rosa ”
أومبيرتو إكو ( Umberto Eco)‏

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0