علي المرهج
فكر مختارات مقالات

جرعة فلسفة

بقلم/ د. علي المرهج

الجرعة هي دواء أو (ترياق) يُعطى للمريض أو من يشعر بألم ما في جسده، يصفها له الطبيب المختص لعلها تُسهم في علاجه، وحينما يأخذها المريض وتُصيب عنده الفايروس، ستكون بمثابة جرعة ماء لمن يشعر بالعطش، فهي في تطييبها للمريض تبدو وكأنها ماء سقت أرض قاحلة.
الجرعة الفلسفية هي دواء للعقل، لأ أدعي أنني الطبيب المشافي له، ولكن يُمكن لي أن أكون مشاركاً في استنهاض الوعي والعقل من سباته.
بدى لي أن مفهوم الجرعة الفلسفية يشبه مفهوم الجرأة، وقُلّ الجرأة الفلسفية، ولا أكشف لكم عن جديد حينما أذكركم بعلاقة الفلسفة بالطب، فعلى الرغم من أن الطب مهنة، ولكنها مهنة تحتاج إلى بعد نظر وغور في الحكمة، وقد وُصف الطبيب في كُتب القدماء بأنه الحكيم، وقيل عن الفيلسوف بأنه الحكيم، ومعنى (سوفستس) أو السفسطائي هو (الحكيم)، والفيلسوف الحكيم هو الذي يُشارك في إبراء المريض من علّته أو مرضه، وقد يُشارك الفيلسوف إبراء مريض الفكر من علّته، سواء في ايقاظ عقله، أو في كشف (المسكوت عنه) في الخطابات التي يسعى دعاة تغييب العقل الإنساني لجعله رهين فكر أحادي لا تعقل عنده ولا تفكر قادر عليه.
كما كان الماء سر الوجود، وهو عند أول فلاسفة اليونان طاليس وسمه بأنه (أصل الوجود)، فقد يكون الفكر الحر للإنسان المُغيّب عقله (السقيم فكرياً) بمثابة الماء السلسبيل، ليُعيد له الشعور بالحياة، وهذا الإنسان الذي غرف من ماء الفكر الحر يتشاكل مع من يجد ماداً في أرض جدباء، فتجده حين ارتشافه لهذا الماء تدب في جسده الحياة وتشعر، بل وستجد بأن الحياة حلت به من جديد.
كانت الفلسفة لصيقة بالطب عند اليونان والسريان والعرب والمسلمين، ولا زال الأطباء يقسمون بقسم أبقراط (الفيلسوف الطبيب)، أو “الحكيم” وربط الأخلاق بالطب، ومعلوم لكم بأن الأخلاق مبحث في الفلسفة العملية، ولكم أن ترجعوا لتكشفوا عن مقدار (الحكمة أو الفلسفة العملية) في فلسفة أبقراط.
ما يذكره أبقراط في حكمته دعوة الأطباء بحسن المظهر والتأنق، والنظافة، والتحفظ في الكلام ومنح المريض الثقة بنفسه وبالطبيب (الحكيم)، بل ومراعاة أحوال المريض المالية، والتحكم في مزاجه وأعصابه، وعدم القساوة على أهل المريض، وقد وصف الطبيب المُحب للفلسفة (الحكمة) بأنه (لا يقلّ عن الآلة في شيء).
هنا تلتقي الفلسفة العملية مع الفلسفة النظرية، فالطب هو فرع من فروع الفلسفة العملية من جهة كونه ممارسة علاجية وأخلاقية للفرد، ولكنه كلما ارتقى بعمله قيمياً، اقترب من متطلبات الحكمة النظرية وبعدها (اللاهوتي))) وكما قال سقراط من قبل (إعرف نفسك)، وهي ذات الفكرة التي تحدث عنها الكندي فيلسوف العرب الأول والعرفاء والصوفي على قاعدة أنك (جرمُ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0