ادارة و اقتصاد عروض كتب مختارات مقالات

التاريخ الاقتصادي العالمي

بقلم/ وسام محمد

كتاب كل يوم جمعة (58) في الاقتصاد (2/4)

مقدمة قصيرة جدًا: التاريخ الاقتصادي العالمي
يومًا ما كانت الهند أكثر ثراء وتقدمًا من بريطانيا، فما الذي حدث حتى ينعكس الوضع؟ مثل هذا السؤال يصعب الإجابة عليه إجابة شاملة ومرضية، فهناك عوامل كثيرة يجب اعتبارها لتفسير ما حدث، ولكن يبقى أحد أهم العوامل هو تغير المفاهيم والأفكار والممارسات الاقتصادية؛ وعلى مدى التاريخ، كان تغير المفاهيم الاقتصادية، عاملًا حاسمًا في التغيرات التاريخية جملة، الأمر الذي شجع العديد من المفكرين، على اختلاف مشاربهم، إلى أن يزعموا أن الاقتصاد محرك التاريخ الحقيقي؛ وبعبارة أكثر تواضعًا وأقل وعودًا فإن تاريخ الاقتصاد مدخلًا أساسيًا لفهم كلًا من الاقتصاد والتاريخ سواء.
ولهذا السبب، أخترت اليوم كتاب (مقدمة قصيرة جدًا: التاريخ الاقتصادي العالمي) لمؤلفه (روبرت آلن). والكتاب ليس سردًا تاريخيًا للاقتصاد بالمعنى السائر للسرد التاريخي ، فهو لا يعني إلا فيما ندر بأن يحدد أن واقعة ما قد حدثت في بلد كذا وسنة كذا وشارك فيها هذا وذاك، ولكن عوضًا عن هذا فهو يعني برصد الأفكار والمفاهيم العامة وتطورها، ومسرحه العالم كله، فهو يرصد الاقتصاد وتفاعلاته دون النظر إلى العوامل المحلية الضيقة، فكأن كاتبه قد سعى أن يقدم لقارئه صورة بانوراميه للتطور الاقتصاد الكلي للعالم.
الكتاب في تسعة فصول، الفصل الأول عنوانه الفجوة الكبرى، وفي هذا الفصل يطرح المؤلف سؤال (لماذا هناك ثمة فجوة في النمو بين الدول؟)، السؤال الذي يفترض أن التاريخ الاقتصادي العالمي يساعد على إجابته؛ الفصل الثاني عنوانه بزوغ نجم الغرب، ويبحث هذا الفصل العوامل التي أدت إلى الصعود الاقتصادي الغربي، فيبحث مثلًا زعم فيبر حول أهمية الاخلاق البروتستانتية في التطور الاقتصادي الأوربي، وهو زعم في رأي لا يتجاوز مزاعم عنصرية صيغت في صورة مهذبة في زمن فيبر، فالمؤلف لا يستطيع أن ينكر في ثنايا فصله هذا دور الثروة التي نهبها الاسبان من أمريكا في تطور الاقتصاد الأوروبية، وكيف أن خيالات كنوز بلاد ما وراء البحر هي التي حفزت الكشوف الجغرافية، وعوائدها هي ما أعادت تشكيل أوروبا اقتصادًا واجتماعًا وثقافة؛ الفصل الثالث وعنوانه الثورة الصناعية، ويرصد فيها عواقب تغير طرق الإنتاج في أوروبا على اقتصاد العالم، واثر الإنتاج الأوروبي الكثيف بمساعدة الآلات، على الإنتاج الأعلى جودة والأقل حجمًا في باقي العالم؛ ويأتي الفصل الرابع بعنوان صعود الأثرياء وفيه يناقش تراكم الثروة في غرب أوروبا، وما أدى إليه تراكم الثروة من تنظيم المؤسسات المصرفية.
الفصول الثلاثة اللاحقة يرصد المؤلف ما لحق بالعالم جراء ظهور الرأسمالية الغربية، ففي الفصل الخامس يتناول تأثر الإمبراطوريات الشرقية، العثمانيون والمغول العظام، بهذه التغيرات، وكيف أسهم الوضع الاقتصادي الجديد في انحطاط الإمبراطوريات القديمة لصالح صعود إمبراطوريات جديدة في أوروبا؛ ثم ينتقل في الفصل السادس إلى الأميركتان، وفي هذا الفصل بالذات يعود إلى هدف الكتاب من استكشاف التباينات في الاقتصاد بين أمريكا الشمالية والجنوبية (أو بالأحرى أمريكا الأنجلو-فرنسية في الولايات المتحدة وكندا، وأمريكا اللاتينية) وربطها بعوامل مختلفة منها طبيعية مثل الجغرافيا، وبعضها بشري مثل ارتباط أمريكا الشمالية بالنموذج الرأسمالي الغربي وتبنيها التصنيع الكثيف، وفشل أمريكا اللاتينية لمدة طويلة في تجاوز الاقتصاد الاقطاعي المكرس لخدمة رفاهية السيد الإقطاعي؛ ثم ينتقل إلى الفصل السابع ويتعلق بأفريقيا، وهو فصل أعتقد أنه احتوى على كثير من المغالطات على الرغم من محاولة المؤلف الدؤوبة للالتزام الموضوعية، فالفصل يبدأ مثلًا بفرضية يطرحها كحقيقة وهي أن افريقيا جنوب الصحراء ظلت الأفقر في العالم طوال الخمسة عشر قرنًا الأخيرة، وهي مقولة مقولبة من زمن الاستعمار تتعارض مع تاريخ افريقيا، وتاريخ إمبراطوراتها في مالي وصونغاي، ولكن المؤلف يعترف بأن استعباد أفريقيا ونهبها على يد الاستعمار الغربي كان العامل الأهم فيما تعانيه أفريقيا إلى اليوم.
في الفصلين الأخيرين من الكتاب، يحاول المؤلف أن يرسم صورة لنموذجي النمو الاقتصاديين المهيمنين على الصورة اليوم؛ ففي الفصل الثامن يتعرض إلى النموذج القياسي، وهو النموذج الذي يرى المؤلف أنه يصف التطور الاقتصادي في أوروبا الغربية، ويكاد يعتبره المؤلف النموذج الطبيعية للتطور الاقتصادي، وهو نموذج يقوم على أربعة عناصر، وهي التعليم والمصارف والمواصلات والأسواق، وبعد أن يستعرض تطبيق هذا النموذج في كثير من البلدان مثل روسيا واليابان، يصل إلى نتيجة إن تطبيق هذا النموذج من الأعلى لا ينتج عنه إلا تنمية محدودة؛ وفي مقابل هذا النموذج، يوجد نموذج الدفعة القوية الذي يناقشه المؤلف في الفصل التاسع، وهو نموذج تطور في بعض البلدان بهدف التنمية السريعة، ضاربًا مثلًا له بتطبيقه في ثلاثة بلدان، في الاتحاد السوفييتي واليابان والصين، ويخلص إلى أن شروط نجاح مثل هذا النموذج أصعب من شروط نجاح سابقه.
مؤلف الكتاب روبرت آلن مؤرخ اقتصادي معروف، وله العديد من المؤلفات مثل Farm to Factory وThe British Industrial Revolution in Global Perspective، وقد شغل مناصب أكاديمية مختلفة في عدد من الجامعات المرموقة. الكتاب صدر باللغة الإنجليزية بعنوان Global economic history: a very short introduction عام 2011 ضمن سلسلة A very short introduction التي تصدر عن Oxford University Press، وقد ترجم إلى اللغة العربية عام 2014، ترجمه محمد سعد طنطاوي، وهي ترجمة في مجملها جيدة، وصدرت عن مؤسسة هنداوي المصرية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0