مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

الصحافية بارود ترسل رسالة لأبيها المرحوم بعد وصولها الأرض الغريبة

بقلم/ هدى بارود

طويت أمس يا عزيزي ثلاثة وثلاثون عامًا من التعب، ليلة البارحة فقط فتحت صفحتي الثانية في كتاب العمر
تمكنت يا أبي من فعل الكثير وحدي خلال النصف الأول من حياتي، كُنت كفارسٍ بحصانٍ هزيل يلوح بسيفه الخشبي في وجه عاصفة من النار، موته مؤكد لكنه ينجو، وأنا نجوت من الموت بمعجزة لا أعرف ماهيتها، مصابة بحرقٍ كبير في القلب.
في الطريق إلى خارج غزة أسقطت كل مشاعري فلم أبكِ على شيء. وحدها فكرة أنني بت بعيدة عن والدتي سيطرت على عقلي، كان يوسوس لي ذلك العقل الهزيل بكل أفكار المغتربين المُخضرمين دفعة واحدة وأنا على أعتاب الغربة، كأنه يجلدني.
أمي القوية يا أبي كعادتها لم تبكِ أمامي، ولم أبكِ أنا أمامها وندمت لأن آخر ما فعلته في غزة هو إخفاء دموعي، كان يجب أن أزرع قلبي تحت قدمي أمي وأمضي.
بين السماء والأرض كنتُ أقرب مسافة إلى الله من الناس، وكان الجميع يبدون من شباك الطائرة كنقاط سوداء على وجه الأرض الأخضر الباهت. وأنا بكل ما فيّ نقطة سوداء لا قيمة لها لأي ناظرٍ من السماء وأن عنوان صفحتي الجديدة (لجوء)، هل تدرك يا أبي فظاعة ذلك أن تكون نقطة في الكون ودون غيرك لاجيء؟ أن تهرب من مصيرٍ إلى ذاته، تفر من كونك ناقص في المزايا الآدمية لتكون ناقصًا فيها ولكن بلغة جديدة!
أغدا عندما أدخل الجنة ستتفحص الملائكة كتابي مستغربين كما تفحص كل موظفي المطارات التي مررت عليها “فيزا” الدخول لبلجيكا؟
بكيت أنا يا حبيبي للمرة الأولى في الطائرة أثناء نوم البنات. خيبة المصير الواحد أجرت دموعي، بكيت حتى سألتني مضيفة أجنبيه إن كانت الأمور بخير ثم عرضت مساعدتها بأدب، أجبت “its ok. thanks” فابعتدت، ولو أن اللغة الأجنبية ليست هزيلة ولا تحمل ما تحمله العربية من معاني لأخبرتها أن خيبة اللجوء تذبح القلب وأنني أراها تقول باستهزاء “أنا قدرك يا بنت بارود، وين ما رحتي لاجئة”، لقلت لها أنني نبتُ في طينٍ حزين وهن كان مزروعًا بين أسلاك شائكة فاقتلعتني الحياة من جذوري ورمتني على رصيفٍ من الاسفلت بارد لأدرك ببساطة أن ما حدث هو أن جولة المصارعة الحرة الأولى انتهت وها أنا ذا أتحضرُ للثانية.

* إلى حبيبي حيث هو. الرسالة الأولى من الأرض الغريبة.
هُدى.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0