فكر مختارات مقالات

الكلاسيكية المحدثة

الكلاسيكية المُحدثة

بقلم/ د. عليّ رّسول الرّبيعيّ

الكلاسيكية المحدثة هي التسمية الشائعة في الأوساط الفكرية لمدرسة فلسفية جديدة أو لاتجاه فلسفي معاصر يعتبر الفيلسوف الفرنسي ألآن باديو أبرز ممثليه حاليا. و تعد الكلاسيكية المحدثة اتجاها مختلفا في طريقة تناوله ومعالجته لقضايا ومشكلات الفلسفة المعاصرة عن المدرسة التفكيكية (جاك دريدا)، والأركيولوجية الحفرية (فوكو)، والتأويلية (ريكور). ومعروف أن باديو أخذ شهرته الفلسفية الواسعة من خلال كتابه ”بيان من أجل الفلسفة، ” الصادر عام 1988 ؛ إذ حاول فيه إرساء تقاليد ”البيان” و”التبيين” و”الإبانة” عن استقلالية النص الفلسفي رغم كل محاولات إدماجه في العلوم الاجتماعية أو السياسة والأدب.

لقد حاز باديو على موقع بارز في خريطة الفلسفة المعاصرة عموما، وفي المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر، خصوصاً، ممثلاً في كبار فلاسفته أمثال جيل دولوز وفرانسوا ليوتار وآخرين، من خلال كتابه الأخير ”الكينونة والحدث” الذي يعدُّ نسقاً فلسفياً قائماً على الرياضيات حيث اعتبر في الأوساط الفكرية حدثاً فلسفياً هاماً لما يحمله من جدة وطرافة في الطرح الفلسفي والطريقة الجديدة في مقاربة المقولات والأفكار الفلسفية المتداولة على ساحة الفكر الفلسفي؛ إذ انخرط باديو في بحثه الفلسفي عن مجريات وطرق ريضنة الكينونة والانفكاك، في الوقت نفسه، عن كل نمذجة يمكن أن تكون لاهوتية أو ُُُمفارقة تعد ميتافيزيقية، وكذلك لدخوله النقدي المتميز على تراث الفيلسوف الألماني مارتن هُُيدجر.

لقًد تجاوز باديو في كتابه ”الكينونة والحدث” الكثير من حالات التأرجح والتضارب التي لازمت فلسفة هيدجر، خصوصاً في بنية مؤلَّفه الأساس والضخم ”الوجود والزمان”؛ ولكن رغم ذلك تظل فلسفة باديو ذات أسلوب فلسفي صعب من الناحية المضمونية وشكل كتابي وعر من الناحية الفنية حتى للمتخصصين.

إن ما يعطي طروحات باديو الجدَّة والابتكارية هو ما طرحه في كتابيه الآخرين والمؤسسين أيضا للكلاسيكية المحدثة وهما ”صخب الوجود” و”ضد الهذيان الأخلاقي”؛ الناتجة عن تحليلاته الذكية لنص دولوز الشهير ”ما هي الفلسفة؟”، بطريقة جمعت منهجياً مجمل فكر دولوز. ومعروف أن دولوز أعتبر، في هذا الكتاب، التفلسف فن اجتراح المفاهيم والقدرة على ابتكارها. لقد أعطت هذه القراءة شهرة واسعة لباديو وزوَّدته بمفتاح الدخول لنصوص دولوز وتفكيكها؛ ثم إن موت دولوز، بعد فترة صداقة قصيرة بين الفيلسوفين، فتح الباب واسعاً لبروز باديو، ولاستثمار كامل لمشروعه الفلسفي ومفارقاته المترادفة. وعموما يمكن القول إن باديو ينتظم في خط الفلسفة الحيوية من نيتشه إلى دولوز. ويمكن إجمال فلسفته في مفهوم ”الكلاسيكية المحدثة” وذلك من خلال وضعها بصيغة معادلة تعطينا صورة عن موقع تفكيره الفلسفي في سياق تاريخ الفلسفة، وهي: هيدجر ـ دزاين + رياضيات = باديو. وهذا ما يكشف مقدار وعمق الصلة التي تربط باديو بالفلسفة الهيدجرية.

إن مفهوم باديو للإشكالية الفلسفية المعاصرة، وطريقة تعامله مع القضايا المطروحة على الفكر الفلسفي المعاصر، تظهره ولأول وهلة وكأنه مجرَّد أرثوذكسي هيدجري؛ فهو يدافع عن أطروحة هيدجر الأساسية نفسها، والتي تعتبر التفلسف هو ما يتعلق أساساً بالقدرة على تحديد وتعيين السؤال الانطولوجي . لكن التمعُّن والفحص الدقيق لفلسفة باديو يكشف لنا أوجه الاختلاف والتمايز بين هذين الفيلسوفين. ففي طرحه للسؤال الأنطولوجي لا يكرِّر باديو طريقة هيدجر نفسها في معالجة سؤال الوجود في صيغته: ماذا يعني الوجود كوجود؟ إذ يحاول، ومنذ بداية كتابه ”الكينونة والحدث”، أن يميز نفسه عن أسلوب وطريقة هيدجر رغم التشابه الظاهري بينهما واشتراكهما في البحث عن الوجود من خلال البدء بالسؤال الأنطولوجي.

إن أي موقف تقييمي لفلسفة باديو يكشف لنا أنه لا يمكن تحديد مكانتها من خلال مجريات نقده العميق لأُسس فلسفة هيدجر متمثلة بالسؤال عن الوجود، ونسيان الكينونة، وخصوصية الوجود الأنطولوجي للدزاين ”الموجود ـ هناك” فقط ؛ بل من خلال السعي الدائم والبحث المتواصل عن إمكانات أخرى وطرق مختلفة للتفكير الفلسفي، مثل استعادته وتجديده للأسس العقلانية للفلسفة بواسطة التفكير الرياضي.

يقدِّم باديو، إذن، نظاماً فلسفياً ينطلق من مقدمة أولية وأساسية هي أن الأنطولوجيا ليست إلا رياضيات، وأن الرياضيات هي علم التعددية؛ والوجود ليس إلا تعددية محضة فعليه الرياضيات هي علم الوجود. وأن الرياضيات في نظر باديو ذلك العلم الدقيق المعبر عن الحيادية المطلقة التي تتمتع بها الكينونة؛ ومن هنا يأتي سياق اهتمامه الدائم وتحليلاته المستمرة للأفلاطونية التي يعدّها أول فلسفة وحَّدت الكينونة بالرياضيات وأيضاً،ظلَّت معينهُ الأول الذي تجد فيه معاني الكينونة والفكر، والرياضيات نفسها أشبه بتنويعات على الوحدة الأنطولوجية المأمولة دائماً؛ فباديو، وفي قراءته لأفلاطون، يرفض الرأي القائل بأن الأفلاطونية مهَّدت لحصول المفارقة اللاهوتية، من خلال فكرة المُثٌٌل المفارقة للفكر الذي يتأمَّلها حيث يقول في كتابه (بحث مقتضب حول أنطولوجيا انتقالية ،1989): إن الهمَّ الأساسي لأفلاطون هو الإعلان عن الهوية المحايثة والانتماء المشترك لكل من المُدرِك والفكر الُمدرَك، وعن تناسقهما الأنطولوجي جوهرياً، وأن العين أو (ذات النفس) هي في الوقت نفسه التفكير والوجود، وبقدر ما تلامس الرياضيات الكينونة فهي جوانياًتعدُ فكرا، وبالتبادل بينهما، في حال أعتبار الرياضيات فكراً، فإنها تلامس الكينونة عينها.

ما يمكن أن نصل إليه من قراءة نصوص باديو إنه يُعد هيدجر آخر فيلسوف يقدِّم رؤية كلية. وأن الرياضيات والمنطق هما ما يحفظا شكل العقلانية العلمية، وإن الفلسفة الكلاسيكية الجديدة هي فلسفة ما بعد ديكارتية، وما بعد كانتورية، و يمكن تشكيلها بالطريقة التالية : الحداثة + الكلاسيكية = الكلاسيكية المحدثة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0