عروض كتب مختارات مقالات

سيكولوجية الجماهير جوستاف لوبون

سيكولوجية الجماهير
جوستاف لوبون

بقلم/ رشا صالح

كما يعد كتاب الأمير لميكافيلي من أوائل الكتب في الفلسفة السياسية للحكام يعد كتاب سيكولوجية الجماهير من أهم الكتب ومن أوائلها في دراسة الجماهير ودوافعها وكما كُتب الأمير من أجل إعلام الشعوب المستضعفة بحيل المستبدين ولكن سِئ استخدامه أيضا استغل المستبدون كتاب لوبون واستخدموه في كيفية السيطرة علي جماهيرهم الشعبية .

تقام الحضارات بجهود قلة مستنيرة ولكنها مع مرور الزمن وبداية تخلل الضعف فيها تنهار بفعل الجماهير الغوغائية التي تقوم بنشر الفوضي والاضطرابات فتنهار الحضارات تدريجيا علي يديها ولكنه لم يذكر ان هذه النخب المختارة بعد تسليمها مقاليد الأمور إلي نخبة أكثر ثراء وضعف تسهم في خلق الجماهير الغوغائية بالظلم والتهميش وتفقير الشعوب وتجهيلها

والجماهير تجنح إلي العاطفة النزقة المتطرفة فلا تعرف الاعتدال ولا تحكيم المنطق أو العقل حتي إذا كان من المنخرطين بها أفراد حاصلون علي أعلي الدرجات العلمية فروح الجماهير تطغي علي هؤلاء المثقفون لأن الجماهير تتشارك جميعها في اللاوعي العاطفي أما التعليم فيؤثر فقط علي الوعي وهنا لا نتعجب من سلوك بعض المثقفين المضاهي لسلوك الغوغاء في تأييد حاكم أو صاحب سلطة مستبد فالطريق الوحيد لإصلاح اللاوعي إصلاح النفس وتقويمها وهذا باختيار المرء نفسه ولا علاقة له بدرجة التعليم أو الثقافة .

والجماهير كما أنها عاطفية فإنها تثور وتوجه بإمتياز نحو فكرة ما بمجرد ما تستولي علي روحها إلا أنها لا تتغلب علي روحها المحافظة فتعيد مرة أخري ما كانت بالأمس نقضته فتخلع مستبد لتضع علي رأس السلطة مستبد آخر ونلاحظها في القرنين اللذين استحقا أن يلقبا بعصر الجماهير .القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كما نضيف بدايات القرن العشرين لهما .

عصر الجماهير شهد تحولات جذرية تاريخية علي مستوي العالم كان للجماهير الدور الأهم بها في الثورات التي غيرت وجه العالم وخاصة الثورة الفرنسية التي كانت خير مثال علي همجية الجماهير وبدائيتها المتطرفة فالفرد يحجم عن ارتكاب الجريمة إذا كان فردا ولكنه يقبل عليها باندفاع إذا انخرط في جماعة يعتقد أنها تحميه من المساءلة وفي وسط الإندفاع والحماس بمجرد طرح فكرة تقوم الجماهير كلها بتنفيذها بدون أي تردد ويذكر لوبون مجازر الثورة الفرنسية وخاصة في السجون بعد قتل الارستقراطيين ورؤساء السجون اقترح أحد أفراد الجمهور قتل باقي المساجين من الفقراء والمعوذين لأنهم لا قيمة لهم ولا فائدة لهم في عصر الثورة فاندفعوا للقتل وسط حالة من مفرطة من النشوة والأمثلة علي الجرائم لا تعد ولا تحصي .
ولكن هل كل الجماهير مجرمة؟
بالطبع لا فهي وإن غلب عليها الإجرام إلا أنها من الممكن توجيهها نحو المقاصد الشريفة واستخدام روحها المندفعة في تحقيق المصلحة ويذكر هنا جماهير الثورة التي قامت بالمجازر ولكنها لم تسرق من ممتلكات القتلي أي شئ أو من محتويات القصور وإنما كان يتم تسليمها كاملة بروح الفخر لأنهم شرفاء ويقومون بواجبهم الوطني !

كيفية التحكم في الجماهير واخضاعها …

الهيبة الشخصية …

لابد إذا أردت أن تسيطر علي الجماهير أن تتمتع بهيبة شخصية و لو أردت الترشح في دائرة انتخابية غالب سكانها من الفلاحين أو الحرفيين فلا تتبسط في كونك متواضع أو بسيط مثلهم لأنهم لا يختارون واحدا منهم للمنصب بل يفضلون من له أفضلية عليهم في المركز أو التعليم أو الثقافة عنهم .
كما أن العطاء المادي ومعرفة شغف الناخبين كفيل بخلق تابعين متحمسين .

لا تخاطب العقول…

الجماهير لا تهتم بالخطاب العقلاني ولكن بدغدغة المشاعر والحماس فللجماهير عاطفة أنثوية ترفض المنطق وتفضل المشاعر المندفعة وإذا تتبعت خطابات محركي الجماهير علي مر العصور مثل نابليون أو هتلر و غيرهما تجد أنها بدون محتوي حقيقي إلا دفع الحماس والعاطفة وإذا كانوا منطقيين أو عقلانيين لخسروا جماهيرهم .

اخلق الاوهام والأفكار الخيالية والشعارات .

كل القادة قاموا بتزكية فكرة وهمية واستغلوها لكسب الجماهير وكلما كانت الفكرة أكثر خيالية وحلم للشعوب المستضعفة كلما كان تأثيرها أكبر ونذكر وهم المساواة فالمساواة بين البشر لا تمكن أبدا فأنت إذا ساويت بين البشر في المناحي المادية لا يمكنك أبدا إلغاء الفروق العقلية أو المواهب الفنية وكما دغدغت الشيوعية الفقراء بإلغاء الطبقات الإجتماعية حتي تؤسس بعدها استبداد قاهر للشعوب .

التلاعب بالألفاظ والمعاني ..

وجه كلمات يصعب تحديد معناها بالضبط فالآن تعلو قيمة الديموقراطية وتتغني الشعوب بأنها مرادها وغاية أمانيها ولكن ما هي الديمقراطية تحديدا ؟
فهي كلمة يونانية تعني حكم الشعب ولكن في ذلك العصر كانت بلاد اليونان ومن بعدها روما تعج بالآلاف من العبيد المضطهدين وفي العصر الحالي تجد بلاد تحت حكم استبدادي فعلي ولكنه يتخذ الشكل الانتخابي أو البرلماني.

فالمدقق يجد أن الديمقراطية في بلاد مثل انجلترا وأمريكا تختلف عن الديمقراطية في البلاد العربية أو اللاتينية فالأولي تُفهم أنها إعلاء قيمة الفرد في مواجهة السلطة أم الثانية فهي تقييد وتحجيم قيمة الفرد في مواجهة السلطة فالحقيقة هي أن الشعوب تحكم بطباعها وصفاتها وليس بحاكميها .

وأمثلة التلاعب بالكلمات كثيرة مثل مصطلح الوطنية و الإشتراكية وغيرها فعلي مدار التاريخ تجد تعريفات وانقسامات في التعريف مختلفة بمرور الزمان أو باختلاف الهوية و العرق التاريخي كما يذكر لوبون .

لا تضع خطة للاصلاح …

متحكمو الشعوب لا يضعون خطة واضحة إطلاقا ولكنها وعود ..وعود زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع وكثير من الحكام وقعوا في فخ الخطط ويظنون أنهم بذلك يقدمون عطاءاتهم وجهدهم الوفير إلا أن هذه الخطط تصبح وبال عليهم لأنهم إذا لم يحققوها كلها سقطوا في التكذيب والتلاعب بأيدي منافسيهم .

فلكي تسيطر أوعد شعبك بالرخاء أو بالأمان والاستقرار وبعدها وحتي لو لم توفي بالوعد فلن يسألك أحد .

التأكيد والتكرار والعدوي …

تكرار الفكرة علي المسامع له فعل السحر كما يعلم جميع الناس بالفطرة فلذلك استغل تكرار ما تود زرعه في الجماهير في توجيههم وأكد عليها وازرع المتحمسين وسط الجموع لنشر عدوي الحماس واستغل البرامج الموجهةفي تدجين الشعوب كما تريد .

ورغم احتقار لوبون للجماهير الذي تستشعره في الكتاب إلا أنه يتعامل مع وجودهم كواقع لابد منه وإن كان تأثير الجماهير اختلف عن زمن تأليف الكتاب بعد تدجين الشعوب ومراقبتها بوسائل التكنولوجية الحديثة وإلهائها في عصر العولمة والتنميط إلا أن الجماهير وطرق اخضاعها مازالت متشابهة إلي حد كبير بالأخص في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية ولفرض السيطرة علي الشعوب المهمشة المجهلة تحت الحكم الاستبدادي.

رشا

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0