دراسات وأبحاث سياسة فكر مختارات مقالات

ريتشارد رورتي: ما بعد الحداثة والدفاع البرغماتي عن الديمقراطية

ريتشارد رورتي:
ما بعد الحداثة والدفاع البرغماتي عن الديمقراطية

بقلم/ د. علي رسول الربيعي

اكتسب ريتشارد رورتي  منذ أن نشر كتابه “الفلسفة ومرآة الطبيعة”، شهرة  فلسفية، وأجتذب الكثير من الأهتمام النقدي بوصفه فيلسوفا قلب الأفتراضات التقليدية حول المعرفة، والنفس، واللغة. لم يكن منظرأ للديمقراطية، لكنه أبدى اهتمامًا قويًا بالديمقراطية في الكثير من كتاباته. يحدد رورتي هذا الاهتمام في سياق التحديات الفكرية التي تطرحها نظرية ما بعد الحداثة، حيث يجمع بين ادعاء ما بعد الحداثة حول أحتمالية المعرفة وعرضيتها وبين الدفاع القوي عن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية. إن الطريقة التي يوفق بها رورتي بين اهتمامه الخاص باللديمقراطية الأمريكية وشكيته المابعد حداثية وموقفه ضد  الصلاحيةالعالمية للأفكار، تشكل مساهمة استفزازية في المناقشات حول الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية ونقدها ومبرراتها.

تشكل العلاقة بين المعرفة الفلسفية والديمقراطية أحد الموضوعات الرئيسية لعمل رورتي. إن هدفه هو انتقاد كيف يتناول ويُنظر المثقفون في الدول المتقدمة عن الديمقراطية. وبشكل أكثر تحديداً، يعترض رورتي على الفكرة التي تقول  أن نظرية عامة عن الطبيعة الإنسانية و مبادئ المعرفة عالمية الصلاحية ضرورية لتوفير أساس للممارسة الاجتماعية للديمقراطية ومبرر لها. رغم أن رورتي لا يقدم نقدًا مفصلاً للمشاكل التي تواجه الديمقراطيات، كما أنه لا يقترح الكثير عن الطريقة التي يمكن بها التغلب على تلك المشاكل. ومع ذلك، لايختصرعمله على نقد النظريات الديمقراطية فله نظر في الديمقراطية مكتوب في مقالات تدور حول هذا الموضوع.[1] تظهر بعض مزاعم رورتي التي لا لبس فيها حول الديمقراطية في  بعض المقالات القصيرة ، مثل مراجعته لأعمال هابرماس، أو المقابلات التي يجريها كما في ملحق التايمز الأدبي.[2]

يكمن مفتاح حجة رورتي في الادعاء بأنه، إذا قبلنا أن معرفتنا غير مؤكدة في أحسن الأحوال، فيجب علينا أن نفكر ونتحدث عن الديمقراطية بطريقة مختلفة. يقول رورتي إذا كانت قيمنا ومعتقداتنا حول الديمقراطية مشروطة وأحتمالية، فإن أفضل ما يمكننا فعله هو إنشاء إطار إجرائي يمكّن من إجراء محادثة ومداولة متسامحة حول هذه القيم والمعتقدات. تبدو لي هذه الحجة  في أغلب نواحيها عادية ولا يوجد فيها ماهو استثنائي أو جديدي يقدمه رورتي . لكن ما يميزه، حقاً، هو حجته حول اللايقين والأحتمالي  في معرفتنا، وطبيعة الرد الذي يركزعلى المحادثة. يركز رورتي بشدة على “المحادثة” وطبيعتها وشروطها باعتبارها مركزية لديناميكية الديمقراطية. وينعكس هذا التركيز على رغبته  للانخراط في النقاش حيث كان يتبادل الآراء، كما هو شائع، مع المنظرين السياسيين البارزين مثل يورغن هابرماس وريتشارد بيرنشتاين وشيلدون ولين.

تبدأ دراستي هذه بنظرية المعرفة عند رورتي لأن هذا ما يوفر الأسس لطريقة تناوله الديمقراطية ونقده لمنظريها أياً. ثم أفحص بدقة بعض القضايا التي اعتبرها رورتي مهمة للنظرية الديمقراطية. أتبع في مناقشتي وجهة نظر بيرنشتاين في أن هناك مسـارين مختلفين في ادعاءات رورتي بشأن الديمقراطية.[3] ينطلق الأول من نظريته المعرفية  في أدعائها  بأنه يمكننا الاستغناء عن الأسس الفلسفية للديمقراطية.[4] بينما يتكون الثاني من مطالبات رورتي بمركزية الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات الغربية. سأبحث في الادعاءات التي يقدمها رورتي لدعم الديمقراطية الليبرالية، وأوجز نوع النموذج الإجرائي للديمقراطية الذي ينبثق من عمله. أريد أن أؤكد أبتداءً أن هناك توتراً بين هذين المسارين، حيث يشدد أحدهما على أولوية الأحتمالية أو العرضية ، بينما يعتمد الآخرعلى الواقع التجريبي المتمثل في الارتباطات السياسية القوية. يقول رورتي إن ولاءه للديمقراطية الليبرالية لا يستند إلى المطالبة بأن لها حقيقة متأصلة وصلاحية  ثابته، بل يستند إلى البرغماتية والتقاليد. أهدف، هنا، إلى توضيح كيف يجمع رورتي بين هذه الحجج المتباينة، وأشير أيضًا إلى ما يجده من قيمة يمكن الدفاع عنها بشأن الديمقراطية الليبرالية.

أزعم أن رورتي مضطر إلى تقديم مخطط إجرائي محدود لنموذجه الديمقراطي، لأنه يجادل بأن أيً ادعاء  جوهري / موضوعي يستلزم نوعًا من التسويغ أو التبرير الفلسفي الذي يرفضه تماماً. يرفض رورتي هذا التسـويغ للديمقراطية، ليس فقط لأنه لا يرى أهمية ذلك ، بل لأنه يرى أن هناك ضررًا فعليًا ينتج عن هذه العملية. يأتي هذا الضرر، كما يزعم، من حقيقة أن مثل هذا  التسويغ أوالتبرير القوي يخاطر بتهديد التسامح الليبرالي ، كما أنه يصرف الانتباه عن الهدف الرئيس للديمقراطية الليبرالية، وهو منع المعاناة. لكن نموذج رورتي للديمقراطية يمثل مشكلة في هذا الصدد. سوف أنظر وأتناول في القسم الأخير من الدراسة، ما إذا كان نموذج رورتي يمكن أن يضمن التسامح أو القضاء على المعاناة.

مقاربة رورتي الفلسفية وآثارها على الديمقراطية

حافظ رورتي على اهتمامه بالفلسفة البرغماتية الأمريكي من خلال  العودة الى أعمال جون ديوي منذ  كتاباته الأولى.[5] ورث رورتي من ديوي حجة براغماتية ضد الحاجة إلى أسس آمنة للمعرفة. ويعتمد رورتي أيضًا على حجة ديوي ضد ضرورة تبرير الديمقراطية الليبرالية باستخدام المعايير الإبستيمولوجية الأسسية، فمن وجهة نظر برغماتية استخدام هذه الأسس ليس له  فائدة . يعرّف رورتي البراغماتية على أنها ضد ألاسسية الماهوية ” المطبقة على مفاهيم مثل” الحقيقة “… والأشياء الشبيهة الأخرى في النظريات الفلسفية”.[6] يقول رورتي عن ديوي إنه سيقبل بسعادة، أن التسويغ الوحيد الممكن للديمقراطية سيكون “تسويغاً دائريًا لممارساتنا … مما يجعل إحدى سمات ثقافتنا تبدو جيدة أذا ما استشهدنا  بثقافة أخرى أو قارنا ثقافتنا مع الآخرين من خلال الإحالة أو الأشارة الى معايرنا الخاصة.[7] يجادل رورتي بأن “نمط الاستقصاء أو التحقيق- العلمي وكذلك الأخلاقي بالنسبة للبراغماتيين هو المداولة/ المحادثة بشأن عوامل الجذب النسبية لمختلف البدائل الملموسة”. وهذا يعارض الاستفسار أو التبرير الموجه من قبل الفكرة القائلة: أن ما نراه يتوافق مع الحقيقة أو الواقع، أو ما استهان به ديوي باعتباره “نظرية المتفرج للمعرفة”.[8] إ هذا الادعاء حول العلاقة بين التمثيل والواقع أمر أساسي لنظرية رورتي للمعرفة. فإن ما هو ضد  التمثيل، بالنسبة لرورتي ، هو الشخص الذي يمكنه أن يتجاهل السؤال “هل نحن نمثل الواقع بدقة؟” ويركز بدلاً من ذلك على طرح السؤال “هل هناك أدوات مفاهيمية أكثر فائدة تحت تصرفنا؟”.[9] يشير، في هذه الحالة، المصطلح “مفيد” إلى الأساس العملي البرغماتي للتبرير، لكن لا يخوض رورتي في التفاصيل حول المقصود بكلمة “مفيدة”. في مكان آخر، يبدو أنه يعادل “فائدة” المعرفة بالكفاءة. فيقترح أنه بدلاً من الاستفسار عما إذا كانت معتقداتنا متناقضة ، يجب أن نشغل أنفسنا بمسألة ما إذا كان “استخدامنا [للأدوات اللغوية]  فعال أم لا”.[10]علاوة على ذلك، من عواقب أو نتائج البراغماتية، يجادل روني بأن تبني مقاربة براغماتية للمعرفة يعني عرض فروع مختلفة من البحث، مثل العلم والفن، كطرق مختلفة لطرح “أسئلة حول ما سيساعدنا في الحصول على ما نريد (أو حول ما يجب أن نريد).[11] وهكذا، فإن كلمة “مفيدة”، طبقا  لرورتي، يمكن أن تدل على أن المحادثة  تتسم بالكفاءة، فضلاً عن دورها الفعال. وما هو غير مهم أو غير ضروري هو ما إذا كان يمكن القول أن المعرفة تتوافق مع “حقيقة” موضوعية أو لا يمكن قول ذلك.

إن معادة أو ضد التمثيلية هذه وفقًا لرورتي لا تعادل الأرتيابية الإبستيمولوجية أو الشكية المعرفية الكاملة. يدعي رورتي أننا يجب أن نميز “بين الادعاء بأن العالم موجود هناك والادعاء بأن الحقيقة موجودة”.[12] هذا ليس هو نفسه مثل الادعاء بأن الفكر يحدد الواقع. إنه يعمل، بدلاً من ذلك ، على إنكار أهمية مصطلحات مثل “الواقع” و “الحقيقة” واستبدالها بفكرة أنه إذا كانت مفرداتنا تبدو متماسكة وملائمة لظروفنا الخاصة، فيجب أن نكون راضين بأستعمالها الى أن نقتنع بخلاف ذلك.[13] هذا يشكل التزامًا عمليًا بفائدة المعرفة وفحص نتائجها، بدلاً من الأحكام المستندة إلى القيمة الحقيقة المفترضة لأي طريقة من الطرق التحدث عن شيء ما. لا يدعي رورتي بعزل معتقداته الخاصة من عدم اليقين المعرفي الأساسي هذا. وينعكس هذا في تأكيده  وتركيزه على مفهوم الأحتمالية. يجادل رورتي بأن علينا أن نتقبل، أن معتقداتنا عن أنفسنا ومجتمعاتنا خاضعة للمراجعة في أي وقت، في حال تغيرت ظروفنا أو مفرداتنا.[14] فيعني مصطلح ” الأحتمالية ” أن نُبقي أي من معتقداتنا أو ممارساتنا العزيزة علينا موضع تساؤل دائمًا، أو تخضعها لما يدعو رورتي إعادة الوصف.

يستعمل رورتي مصطلح “إعادة الوصف” لشرح ما يعتقد أنه منهج أو “طريقة” جديدة للفلسفة، تختلف عن تقليد التنوير الأسسي الرئيس. تشير “إعادة الوصف” أساسًا إلى ممارسة تثبيت مفردات جديدة لتحل محل المفردات القديمة. ويعرف رورتي إعادة الوصف بأنها العملية التي تنتقل بها مفرداتنا القديمة إلى مفردات جديدة. لا يحدث الانتقال من مفردات إلى أخرى (كما قد يكون من الناحية التأسيسية) لأن المفردات الأخيرة تم اختبارها بعناية ووجدت في النهاية أن لها علاقة أوثق بالحقيقة. ولكن كما، يعتقد رورتي بأن هذا التحول “يعمل بشكل كلي وبراغماتي”، حيث يرى الناس، في المفردات الجديدة، أشياء أكثر فائدة وتماسكًا من تلك الموجودة في القديم.[15]

غالبًا ما يتم انتقاد هذا النوع من المعاداة للأسسية بادوصفه الخطوة الأولى نحو النسبية الأخلاقية غير القادرة على إدانة الشرور الكبرى مثل النازية أو قوة الشر الأمريكية. يتم رفع هذا الشبح ضد  فكرة أن معايير السلوك والمعنى والمعرفة المجتمعية مشروطة وأحتمالية وعرضية فقط، ويتم تحديدها على أساس التوافق المجتمعي، أو التضامن. لكن رورتي ينكر أنه نسبي بهذا المعنى. وحجته هي أنه لا توجد طريقة لمعرفة ما إذا كانت معتقداتنا تتوافق مع الواقع أم لا، وليس جميع المعتقدات لها القدر نفسه من الإدعاء بأنها صحيحة أو خاطئة. هذا تمييز جيد، ومهم في سياق معاملة رورتي للديمقراطية. الموقف النسبي، إلى جانب كونه يدحض نفسه، لا يسمح للنسبيين بانتقاد المعتقدات الأخرى. إن أسلوب ومقاربة رورتي ، كما سأوضح لاحقًا ، يمكّنه من أن يكون أو يعبر  بوعي عن مركزية عرقية هو يريدها، ليجادل بأن معايير الديمقراطية الليبرالية الغربية هي الأفضل ، في الوقت الحاضر، لتلك المجتمعات. يطبق رورتي نفس المعاداة  أو الموقف ضد الأسسية على نظريته عن الطبيعة البشرية، والتي تعد أيضًا محورية في نقده للمنظرين الديمقراطيين مثل فالزر وتايلور. تنبثق نظرية الطبيعة البشرية هذه عن نظرية رورتي للمعرفة، وعلى وجه الخصوص، حجته حول الاحتمالية اللغوية والمعرفية والذاتية ( الفردية). يجادل رورتي بأنه “لا يوجد شيء عميق داخل كل واحد منا، ولا توجد طبيعة إنسانية مشتركة، ولا تضامن بشري  ثابت من داخل الطبيعة البشرية، لاستخدامه كنقطة مرجعية أخلاقية.”[16] وبناءً على ذلك، يعتقد أن المنظرين الذين يبنون نماذج للديمقراطية على أساس مفهوم الذات المشتركة التي تمتد إلى ما وراء حدود المجتمع المحلي يشاركون في نوع من التفكير الخاطئ. ويرشح نظريته الخاصة عن الذات والتي هي  “شبكة لا مركزية من المعتقدات والرغبات المشروطة تاريخياً”.[17] ومع ذلك، فهو يعترف بأن هذا النموذج  عن الذات غير كافي لأي شخص لديه قناعات ميتافيزيقية تختلف عن نظيره. تتمثل النقطة التي يريد أن يصل اليها رورتي هي أنه مثلما لا تمنع المعتقدات الدينية الناس، في معظم الحالات، من أن يكونوا مواطنين صالحين ومفيدين في الديمقراطيات الليبرالية، كذلك قد يتم اعتبار معتقداتهم الفلسفية بالمعنى نفسه في الديمقراطية الليبرالية.

نقد التنظير الديمقراطي

من الممكن أن نرى ، إذن، كيف يستمد نقد رورتي للنظرية الديمقراطية من نظريته المعرفية. يجادل رورتي ضد التسويغات الأسسية للديموقراطية لأنه لا يعتبرها غير مجدية فحسب، بل إنها ضارة أيضًا. يجادل رورتي بأن التحدث هكذا يمكن أن تكون ضار لأن طرح هذه الأنواع من المسائل أو القضايا يمكن أن يصرف انتباهنا عن العمل الحقيقي للديمقراطيات الليبرالية،  والذي يجب أن يكون نقيض المعاناة والقسوة.[18] وبالتالي، فإن أستفهام رورتي وتسـاؤله الرئيس عن الديمقراطية مهم  إلى حد كبير حول ما إذا كانت النظرية الديمقراطية الأسسية توفر طريقًا أفضل لمنع المعاناة والقسوة من النظرية غير الأسسية. يتناول رورتي هذه المسألة من خلال التسـاؤل ما إذا كنا بحاجة حقًا إلى التنظير حول الأسس الفلسفية للمؤسسات الديمقراطية أو تبريرها. إنها في الأساس حجة حول العلاقة بين نوع معين من النظرية وممارسة الديمقراطية.

يجادل رورتي بأنه يمكننا المضي قدماً من خلال تجاهل “التبريرات الفلسفية، الصريحة أو المعقدة”، التي “يريدها بيرنشتاين، فالزر، تايلور، وماكينتير وغيرهما”. هذه التبريرات مدفوعة إلى حد كبير، من وجهة نظر رورتي، بفكرة أن الديمقراطية الليبرالية “يجب ألا تنجو أو لا تستطيع أن تنجو من انهيار المبرر الفلسفي الذي نص عليه التنوير”.[19] إن محاولات التبرير هذه، بالنسبة لرورتي ، بمفاهيمها المصاحبة عن  المواطن، أو نظريات الحقوق، أو الطبيعة الإنسانية، أو الخير، أو العادل، ليست ضرورية على الإطلاق. فمن وجهة  نظر نظرية المعرفة المناهضة للتمثيل أو ضد الأسسية التي يتبناها رورتي، إن أي بيانات حول الديمقراطية أو الوصفات التي تدعي أنها تستند إلى الحقيقة أو الأخلاق، لن تكون الا أحتمالية أوعرضية على أي حال. إنً أفضل ما يمكن أن يقدمه رورتي ويسوغه هو القول، بشكل عملي برغماتي، أن الديمقراطية الليبرالية الغربية تعمل، على أساس المقارنة مع البدائل التاريخية الملموسة.

من هذا المنظور، يؤكد رورتي أن الديمقراطية أسبق من الفلسفة. يعني مصطلح “اسبق” هنا: أن الديمقراطية لا تحتاج إلى تبرير فلسفي. توفر الممارسة الناجحة للديمقراطية مبرراتها الخاصة بها. علاوة على ذلك ، يقترح رورتي أنه “عندما يندلع صراع بين اثنين، تتغلب الديمقراطية على الفلسفة.[20] ونظرًا لأن رورتي لا يثق في “النظرية الكبرى”، فهو يعتبر الإجراء الديمقراطي للمحادثة المتسامحة أكثر أهمية من أي نوع من أنواع الأسس الفلسفية. يعبر هذا الأدعاء عن عدم ملاءمة نوع معين من النظريات للممارسة، وعن وضع الفلسفة في المكان المناسب لها بوصفها منفصلة عن الحياة العامة للمجتمع. فلا ينبثق التضامن الإنساني من أي شيء قد يقوله الفلاسفة، ولكن ينبثق من شعور مشترك بالانتماء والتقاليد.

يعتقد رورتي أننا لا نحتاج إلى مفاهيم الطبيعة الإنسانية العالمية، أو حقوق الإنسان، حتى نحكم على ما إذا كانت مؤسساتنا الديمقراطية الليبرالية تفي بوعدها أم لا. لا يمكن لنظرية الطبيعة البشرية أو الذات أن توفر للديمقراطية الليبرالية أساسًا لأي شيء. يدعي رورتي أنه “لأغراض النظرية الاجتماعية البيروقراطية، يمكن للمرء الاستغناء عن مثل هذا النموذج. ويمكن للمرء أن يتماشى مع الحس السليم والعلوم الاجتماعية، وهي مجالات الخطاب التي نادراً ما يظهر فيها مصطلح “الذات”.[21] يرى رورتي أن هناك حاجة إلى شيء ما  يوفر “الطمأنينة الجماعية للمجتمعات الديمقراطية الحديثة”، لكنه يشير إلى أن هذه الوظيفة تُؤدى على نحو أفضل  عن طريق أختيار يسميه “الحالمون السطحيون”، ويرشح، عن سبيل المثال، مارتن لوثر كينج، من بين آخرين. فيقول رورتي أن هؤلاء المفكرين لهم قيمة لأنه يمكنهم “توفير الأمل المحلي، وليس المعرفة العالمية”[22]

يدعي رورتي أن الدور المناسب للفلاسفة لا يتمثل في توفير المعرفة المتخصصة في المجال او الفضاء العام؛ يجب أن تكون الفلسفة نشاطًا خاصًا. ويشيرفي كتابه “الاحتمالية والساخرية والتضامن”، إلى الأهمية السياسية لمقاربته: إن الحل الوسط الذي ينادي به هذا الكتاب يرقى إلى القول: خصخصة محاولة نيتشه – سارتر فوكو في الأصالة والتجردية، حتى تمنع نفسك من الانزلاق إلى موقف سياسي يؤدي بك إلى القول هناك هدف اجتماعي أكثر أهمية من تجنب القسوة.[23]

ما يقترحه رورتي هو أن المداولات الفلسفية ليست نشاطًا “مفيدًا” مميزًا لمجتمع ديمقراطي. وإن التكهنات حول ما هو حقيقي أو عادل أو صحيح تصبح سعيًا للانغماس في أوقات الفراغ، دون أي غرض يتجاوز الطمأنينة الفردية أو إرضاء الذات، وليس هناك أي عواقب تتجاوز تلك الخاصة.

يجادل رورتي بأن محاولات تبرير النظرية الديمقراطية الليبرالية من خلال العودة إلى المفاهيم الغريبة للطبيعة الإنسانية يجب أن يُنظر اليها  بالطريقة نفسها التي نظر بها المنظرون الديمقراطيون السابقون إلى المعتقدات الدينية. وهذا هو، ليس لديهم مكان يوفير أسس الديمقراطية. يقدم رورتي مثالاً على ذلك شخص قد يكون لديه نظرة نيتشوية للعالم بغيضة ومثيرة للاعتراض وينغمس فيها “فلسفياً” بشكل فردي بينما يظل “موالي” علنًا لمجتمعه الليبرالي. هذا ممكن لأن  هكذا افراد يدركون أن إحدى فضائل الديموقراطية الليبرالية هي أنها غير مبالية بإيمانهم الفلسفي الخاص[24]

دفاع رورتي عن الديمقراطية الليبرالية

تقود حجة رورتي حول قوة الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية إلى الموضوع الثاني في كتاباته عن الديمقراطية. على الرغم من تركيز رورتي على الاحتمال في نظريته للمعرفة،  الاً أنه يرفض أن تطلق عليه تسمية أو صفة “النسبية”، عند اتخاذ قرار بشأن  حديثه عن الأجراء والأطار الديمقراطي المناسبين. إنه يدافع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية. ، ينزلق في بعض الأحيان إلى دفاع أكثر تحديداً وهو عن الديمقراطية الأمريكية، رغم أنه لم يحدد موقفه بوضوح فيما يتعلق بالعديد من التقاليد الديمقراطية الأمريكية .[25] لقد  أكد على أنه يرى أمريكا كما أكد  ديوي قبله قد فتحت أفق  على آفاق ديمقراطية غير محدودة، قائلا: أعتقد أن بلدنا – على الرغم من الفظائع والرذائل الماضية والحاضرة … هو مثال جيد على أفضل أنواع المجتمع التي بُنيت حتى الآن.[26]

هذا دفاع لا لبس فيه عن الديمقراطية الأمريكية ، التي عليه بعد ذلك التوفيق بينها وبين معاداته للأسسية. فيقول  رورتي بأن  معجم مفرداته الليبرالية يجب أن تكون لها الأولوية لأنها الوحيدة التي تتيح لنا، في الوقت الحاضر، أن تكون  مشتملة على كامل معنى الديمقراطية الليبرالية. في مقابلة معه، طُلب منه توضيح الفرق بين تبرير شيء ما على أساس أنه إرادة الله ، وتبرير شيء ما بوصفه جزء أساسي من المفردات الليبرالية. فأجاب أن الفرق هو “أنه ليس أمرًا مهمًا لمفرداتك الليبرالية فقط، ولكنها أساسي للمفردات التي جعلتنا جميعًا في الساحة العامة كمواطنين ديمقراطين. إنها ليست مفرداتي الخاصة، بل هي المفردات التي يجب أن نستعملهاجميعًا عندما نتجمع “.[27] بمعنى آخر، يدافع رورتي عن الديمقراطية العلمانية الليبرالية، لأنه يرى أنها المفردات الوحيدة التي ستمكن الجميع من المشاركة في الساحة العامة.

وهنا يبدو أن ما بعد الحداثة عند رورتي، والتي عُرِفت بأنها انعدام الثقة في الأسس، لا تتفق مع دفاعه القوي عن مفاهيم الديمقراطية الليبرالية. فيؤكد أنه على الرغم من أن ” معجم مفردات عقلانية التنوير كانت ضرورية لبداية الديمقراطية الليبرالية الاً أنها أصبحت عقبة أمام الحفاظ على المجتمعات الديمقراطية وتقدمها”.[28] إن ما بعد الحداثة  التي يقول بها  رورتي هي من نوع محدد للغاية ومميز إلى حد ما، وهي موجهة إلى حد كبير ضد ما يراه أساسًا لمخلفاتنا الميتافيزيقية من تقاليد فلسفة التنوير. لكن هذا الهدف مشكوك فيه، لأنه يبدو، في بعض الأحيان، كما لو أن رورتي يهاجم فقط  ألأسسية الإبستيمولوجية، على رأي بيرنشتاين.[29]

ينتج عن التوتر بين عدم اليقين المعرفي وما يبدو أنه التزام أكثر تحفظًا تجاه المجتمع اتجاهين مختلفين في كتابات رورتي عن الديمقراطية. يستمد الكثير من نقده للنظريات الديمقراطية من نظريته المعرفية الما بعد حداثية، بينما يعتمد دفاعه عن الديمقراطية الليبرالية الأمريكية على التقاليد وعلى تضامن المجتمع. يبدو أن هذين المسارين يتعارضان مع بعضهما البعض ،فبينما يعبر أحدهما عن حالات أحتمالية وعرضية، يمثل الآخرارتباطًا محددًا بنموذج معين للديمقراطية.

يحاول رورتي تسوية أو حل هذا التوتر بطريقتين. أولاً، يقول  أن ما تحتاج إليه المجتمعات الديمقراطية ليس نوع المبررات التي قدمها الفلاسفة، بل هو إطار إجرائي يمكّن من إجراء  نقاش ومحادثة متسامحة حول غايات ووسائل ذلك المجتمع. يمكن أن يصاحب ذلك، إذا رغبت المجتمعات، مداولات فلسفية خاصة بشأن الالتزامات الجوهرية/ الموضوعية. لكن رورتي يقول إن الإطار العام يجب أن يقتصر على وضع المبادئ التوجيهية الإجرائية التي بموجبها يمكن أن تُقام المحادثة أو النقاش. ساشير في القسم التالي، إلى كيفية قيام رورتي بتمييز حاد بين الادعاءات الإجرائية والموضوعية الجوهرية، من أجل تقديم هذه الحجة. الطريقة الثانية لحل التوتر بين نظرية المعرفة في مرحلة ما بعد الحداثة عند رورتي وولائه للديمقراطية الليبرالية هي من خلال فكرة التضامن. هذه هي الفكرة القائلة بأن معتقدات المجتمع وقيمه هي فقط التي يمكن أن توفر مبررات (غير مؤسسية) لمجتمع ديمقراطي تجريبي.[30] وتستند هذه الحجة إلى مركزية عرقية متعمدة من قبل رورتي حتى يتمكن من الادعاء بأن نموذجًا معينًا للديمقراطية الليبرالية أفضل لهم( الأمريكيون)، لأنه جزء من تقاليدهم.

الإجراء والجوهر

كما ذُكر أعلاه ، يقترح رورتي أن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية هو الذي يمكّن التداول و “المحادثة” الأستمرار في  الديمقراطية الليبرالية من دون مبرر فلسفي. ولتوضيح ذلك، استعار رورتي  فكرة السوق، حيث يجتمع الناس من مختلف الاديان ويتعاقدون  بخصوص أجراء أعمالهم، على الرغم من أنه قد يكون هناك خلافات فلسفية  عميقة عنيفة بينهم.[31] يمثل هذا، بالنسبة لرورتي، الحل الوحيد لمشكلة انهيار إيماننا بالمعايير الأساسية للتنوير، وضرورة وجود إطار عمل يتم من خلاله إجراء “المحادثة” المستمرة  حول الديمقراطية الليبرالية.

يصر رورتي على أن هذا الإطار الإجرائي يمكن أن يقف بذاته  دون الحاجة الى  مبرر فلسفي. بدلاً من الاعتماد على فلسفة التطمين، يحاجج رورتي بأن المجتمع الديمقراطي يحتاج فقط إلى عملية “توازن مناسب”.[32] يستعير عبارة “التوازن المناسب” من جون راولز، الذي يعرفها بأنها “التعديل المتبادل للمبادئ والنظر في الأحكام”.[33] إنها عملية ضمان توافق المبادئ والأحكام ، وأن مصدر هذه المبادئ كان موضوعًا للتامل و للتفكير. ويحاجج رورتي ايضا بأن ما تحتاجه الديمقراطية ليس “إطارًا فلسفيًا” للمفاهيم ، بل إطار إجرائي، مثل التوازن المناسب، بدون محتوى حقيقي.[34] يبدو أن اعتراض رورتي على تسمية “أهداف جوهرية” هو فقط لأنها تقود إلى تبرير الأشياء أو ألأمور أو الوقائع باستعمال الفلسفة. فيأتي أعتراضه من موقفه الذي يعتبر هذا النوع من التبرير، كما أشرت سابقًا، بلا معنى أو، أو كإرباك ضار.[35] فيمكن فهم مفاهيم العدالة الإجرائية والمساواة، بالنسبة لرورتي، على أنها “تطورات ثقافية ضيقة وحديثة “تستحق المحافظة عليها.[36] ويجب الدفاع عنها عن طريق مقارنات مع البدائل الملموسة، وعلى أساس عملي  برغماتي يدلل أن هذه المفاهيم تساعدنا على فهم وتحقيق نوع المجتمع الذي نريده، وليس من خلال اللجوء الى مفاهيم الأساسية أو حقائق العالمية.[37]

يعترف رورتي بأن حجته لإطار إجرائي مناسب تشبه نموذج هابرماس للفعل التواصلي. إنه يعتقد أنه يتفق مع هابرماس في أن “المجتمع الليبرالي هو مجتمع يرضى بتسميته الفعل” صواب “(أو” حق “أو” عادل “) مهما كانت نتيجة التواصل على أن لايكون مشوًه، وأيا كانت وجهة النظر التي تربح  لكن على شرط أن تكون بطريقة حرة ومفتوحة.[38]  يرى رورتي هناك القليل للاختيار او التفضيل  بين موقفه وموقف هابرماس، على الأقل فيما يتعلق بالشكل الإجرائي الذي يجب أن يتخذه المجال العام. وتكمن نقطة الاختلاف الرئيسة، وفقًا لرورتي، في حقل “الفلسفية فقط”، لأن هابرماس  ملتزم  بوضع معايير عالمية وعقلانية.[39] يكتب رورتي أنه يجد أنه من الممكن “التوافق مع هابرماس  الى أن يصل الى النقطة التي تتعلق بالعالمية، فينحرف عن الأتفاق معه”.[40] أما بخصوص اختيار هابرماس لنمط العقلانية التي يتبناها، فأن رورتي يبدي رضاه عنها بوصفها توجها موضوعيا لكن يرفض أو يختلف منها في أدعائها العالمية، اي يتفق مع هابرماس في العقلانية ويختلف في العالمية لهذه العقلانية.[41] ويقول إن الأمر بكل بساطة، هو عدم قبوله فكرة أن الفلسفة في حد ذاتها لها صلة  بالسياسة، في حين أن الجماعات والمجتمع وعلاقاته له هذه الصلة.

يعترف رورتي أن هناك خطراً وهو أن نتائج الإجراءات المتسامحة والعقلانية قد لا تكون هي  نفسها متسامحة دائمًا. لكنه يرى أن الديمقراطيات الليبرالية لديها الوسائل لتجنب ذلك الخطر عن طريق “الأصغاء الى  المتخصصين”.[42] يزعم رورتي أن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية يمكنها أن تطمن نفسها من خلال توظيف ما يسميه “خبراء التنوع أوصياء العالمية أو رعاتها”.[43] قد يبدو “التطمين” اختيارًا فريدًا للكلمة، يستعملها رورتي للإشارة إلى نوع من التبرير الأخلاقي للمجتمع الذي لا يرتبط بالقيم العالمية. يحدد “المتخصصين،ممثلي الرقابة ” (عن سبيل المثال، علماء الاجتماع والصحفيون وعلماء الأنثروبولوجيا، ولكن  كما هو متوقع، وليس الفلاسفة) الذين يجلبون التنوع إلى أنتباه وأهتمام “ممثلي العدالة”. يحاجج رورتي بأن الديمقراطيات الليبرالية تشتغل بالفعل من خلال الالتزام بمبادئ العدالة الإجرائية، ولكن أيضًا من خلال توظيف “متخصصين على وجه التحديد … [مهمتهم هي] … مواصلة المشاركة في توسيع نطاق خيالنا الأخلاقي”.[44] هدفهم هو تحقيق التوازن بين الطابع العالمي للعدالة الإجرائية، من خلال تذكير المجتمع بوجود التنوع وأهميته.

العرقية المتعمدة

يدعي رورتي بخصوص الإثنية المتعمدة  التي يتبناها أنها تعطي أولوية  للتسامح الليبرالي، أو على الأقل القيام بذلك حتى يظهر معجم مفردات أخرى تبدو أكثر فائدة من إجراءات الديمقراطية الليبرالية. تشير كلمة “مفيدة”، في هذه الحالة، إلى قدرة معجم المفردات المعينة على خدمة مصالح الناس. وفقًا لطريقة “إعادة الوصف” لرورتي، سيسعى مؤيدو المفردات الجديدة إلى إعادة وصف الإجراءات الليبرالية الحالية والمفاهيم الماضية والمستقبلية للتمثيل والمشاركة والعدالة. عن  سبيل المثال، يمكن تحديد أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسائية، وفق تعبير رورتي، باعتبارها الحاجة إلى إعادة تعريف فهمنا للانقسام  بين المجال العام / الخاص، لتمكين النساء من أن ينظر إليهن كمواطنات كاملات المواطنة.

ولكن حتى لو تم إجراء مثل إعادة التوصيف هذه، فإن العملية برمتها لا تزال إجراءً ليبراليًا أساسيًا.  يمكن أن يُجبر نموذج رورتي للديمقراطية الناس على الخضوع بتسامح وصراحة لكل محادثة تهدف إلى إقناعهم باستخدام مفردات أخرى، سواء كانت مقدمة  من قبل ليبرالية رورتي أو من قبل النسوية. لذلك، لم يبتعد رورتي أبداً عن هذا الإطار الإجرائي الليبرالي الذي يكمن في كونه أهم ضامن للنقاش الحر في المجال العام. يحاول رورتي الهروب من الانتقاد  الذي يوجه له بأنه : في الواقع، يضفي الطابع العالمي على القواعد والإجراءات الديمقراطية الليبرالية، حيث يقول أن نموذجه يجب أن يقرأ على أنه إثني متعمد.

يجادل رورتي أن الليبراليين الغربيين الذين لم “يتبنوا ( طروحات) ما بعد الحداثة” يُجبرون فعليًا على أن يكونوا من عرقيين، لأن مفهوم المساواة الإنسانية، الذي يستند إليه نقد العرقية، هو” مركزية غربية مختلفة” أو أخرى .[45] بمعنى آخر، غالبًا ما يقوم أولئك الذين يحاججون ويقفون  ضد المركزية الإثنية على أساس مجموعة من المفاهيم الأخلاقية هي نفسها نتاج ثقافة معينة ولحظة تاريخية بعينها. وفقًا لرورتي، يمكن لليبرالي ما بعد الحداثة أن يقبل أن الإجراءات الليبرالية تعبر عن مركزية عرقية، لكنها تبقى  توفر أفضل إطار لجميع ثقافات العالم المختلفة حتى تتعايش، حتى تلك التي ترفض مبادئ الليبرالية المتسامحة.

نقد

تفتقد النظرية الديمقراطية التي تطرحها أعمال رورتي الأنسجام والتماسك وهي غير مقنعه في اغلب الأحيان . وقد اثارت الكثير من الانتقادات ، سواء بسبب التناقضات الملحوظة في مقاربته المناهضة للأسسية الإبستيمولوجية ( المعرفية)، أو لما يعتبره البعض ايديولوجية محافظة في الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية. برنشتاين، عن سبيل المثال، يجادل بأن عمل رورتي هو “اعتذار أيديولوجي عن نسخة قديمة من ليبرالية الحرب الباردة مرتدية خطاب” ما بعد الحداثة “المعاصر.[46] على الرغم من أن بيرنشتاين يحفاظ على نقد قوي لنظرية المعرفة والسياسة  عند  رورتي ، إلا  أنه في مقال لاحق أعترف بأن عمل رورتي يشكل تحديات مهمة، ويساعد أسلوبه المثير للجدل على إحياء انضباط الفلسفة من خلال التشكيك في بعض معتقداتنا العزيزة.[47] يرى وولين، في مقال نقدي خلاف ذلك، فيقول أنه ربما هناك ميزة وجدارة في عمل رورتي تنبع من تداخل نظرية ما بعد الحداثة مع مفاهيم الديمقراطية. كما يرى وولين، إن المعالجة الواضحة للقضايا الديمقراطية هي نظرية نادرة الحدوث في طروحات مابعد الحداثة.[48]

لسوء الحظ ، لا يوضح رورتي أيًا من الأشكال المختلفة للديمقراطية التي يدعم، باستثناء المؤسسات الأساسية مثل “التصويت، الصحف، المنظمات المجتمعية” لأهميتها.[49] وكما يقول برنشتاين، يبدو   رورتي وكأنه  يفتراض بأن معنى “الديمقراطية الليبرالية” واضح إلى حد ما بالنسبة للجميع.[50] ويشير رورتي في بعض الأحيان بشكل منفصل إلى الليبرالية و الى الديمقراطية ولكنه بشكل عام  يجمع بينهما كنموذج سياسي واحد.[51] ليس هذا بالأمر غير المعقول، لأنه يوجد تقارب قوي بين الليبرالية والديمقراطية الغربية.[52] ومع ذلك، فإن الاثنين ليسا متطابقين، وتبقى الاختلافات بينهما مصدر خلاف. يرى وولين، عن سبيل المثال، أن تركيز رورتي على خصخصة الفلسفة ليس ديمقراطياً على الإطلاق، ويجادل بأن التمييز الصارم بين المجالين العام والخاص “ليس ما تدور حوله الديمقراطية”، مستشهداً بدلاً من ذلك بـ “المساواة والاعتقاد بأنه يجب  ان تكرس السلطة العامة للمساعي المشتركة.[53] على الجانب الآخر من الطيف السياسي، يرفض منظرو اليمين الجديد مثل فريدريك هايك ارتباطًا وثيقًا بين الديمقراطية والليبرالية، من منظور أن قيمة الحرية يجب أن تكون لها الأسبقية على الديمقراطية، بمعنى ان يكون لإرادة الناس الأولوية.[54]

إن نظرية رورتي حول الديمقراطية الليبرالية  لها نمطها الخاص. وإن مفهومه للحرية مفهوم سلبي، حيث يتم الحفاظ على دور المجال العام  إلى الحد الأدنى عن عمد. ولأنه- كما يرى رورتي- لا يمكن أن يكون هناك معرفة يقينية، فإن التدخل في الشأن العام له دائمًا القدرة على تدمير حرية الفرد دون داع. ومع ذلك، ليس من الواضح سبب رفض رورتي الادعاءات الجوهرية لصالح إطار إجرائي.  مع أن فلسفته تتضمن وتؤكد، في الواقع، على التزامات جوهرية بمبادئ التسامح وتسوية الخلافات، ومناهضة القسوة والمساواة الإنسانية.

يشير رورتي أن المضمون الجوهري للديمقراطية سيتم إعداده في مجريات النقاش العام، لكنه لايلتفقت الى أن مثل هذا النقاش يفترض مقدما وجود مساحة عامة شاملة ومتساوية للجميع . تستند نظرية رورتي للديمقراطية على افتراض أن المواطنين متساوون ، وأن المجال العام الليبرالي شامل كليًا لجميع المشاركين.  لكن ولين يشكك في التمييز بين القطاعين العام والخاص في عمل رورتي ، ويرى أنه يحمي التمييز بين القطاعين العام والخاص من المنافسة والاحتمالية.[55]

إن حجة رورتي أن الاختلافات بين المشاركين في المجال العام يمكن اختزالها إلى مجرد “فلسفية” ومن ثم أنزالها إلى المجال الخاص هي في الواقع تهرب منه من مواجهة مسألة ما إذا كانت العدالة الإجرائية والمؤسسات الليبرالية قد تتضمن على تحيزات. يرى رورتي  أن هذه الإجراءات محايدة ازاء جميع  المقاصد والأغراض، وبالتالي هي مطالب مفتوحه لحق الأختلاف والنقاش حولها. لكن مثل هذا الافتراض يمكن أن يؤدي إلى خطورة تتمثل في رضا المجتمعات الديمقراطية الليبرالية عن أوضاعها. وهذا الشعور بالرضا ستكون له عواقب سياسية هي: أنه طالما كانت المتطلبات الإجرائية للمناقشة تحدث، فلا داعي لمعالجة التفاوتات الواسعة النطاق. ثم أن هناك أنواعًا أخرى من النظريات التي لا تتوافق مع أيٍّ من هذين التوصيفين. فالمنظِّرون النسويون، عن سبيل المثال، يسعون إلى فحص علاقات القوى القائمة على النوع الاجتماعي( الجندر) المتضمنة في المجالين العام والخاص.[56] يفرض رورتي انفصالاً صارما جامداً بين الفيلسوف العقلاني التنويري من جهة، وليبرالي ما بعد الحداثة في ساخريته من ناحية أخرى. وكلاهما مدعوان إلى حصر اهتماماتهما الفلسفية في المجال الخاص، وترك المجال العام حرا لتحقيق العدالة الإجرائية الليبرالية. لكن لسوء الحظ، ما يبدو أن رورتي بسبب فلسفته هذه  قد ضاع فرصة نقد حقيقي لتلك الإجراءات والمؤسسات، والقيم الجوهرية التي تشكلها. فطبقًا لرورتي، لا يمكن لأولئك الذين يرغبون في تقديم وجهات نظر نقدية حول الإجراءات والقيم الأً أن يفعلوا ذلك في المجال الخاص غير السياسي، أو سيكون عليهم الانخراط في عملية “إعادة الوصف” بشكل مقنع بما يكفي لضمان حدوث تحول في “المفردات” لهذا المجتمع بالذات.

ينتقد وولين مفهوم إعادة الوصف- الذي يقول به رورتي- باعتباره  يفتقد العمق السياسي المطلوب، مجادلا أن رورتي يؤيد نظرية للتاريخ  تنسب كل تغيير اجتماعي إلى التلاعب في اللغة.[57] الادعاء بأن اللغة لها وظيفة بناءة ليس فريدًا من نوعه ولم يقل به أحداً غير رورتي. فيمكن القول أنها واحدة من السمات المميزة القليلة لنظرية ما بعد الحداثة ككل. لكن وفقًا لنموذج رورتي للديمقراطية، يبدو أنها عملية حميدة نسبيًا. يصفها رورتي بأنها أحدث طريقة فلسفية حيث يحدث التغيير من خلال إعادة وصف الممارسات التوافق بشكل صحيح مع الصورة الذاتية للمجتمع. يستعمل رورتي مصطلحات مؤرخ العلوم توماس كون، الذي حدد الاختراقات الثورية في العلوم بأنها “تحولات نموذجية”. اقترح كون أنه بمجرد حدوث هذا الاختراق، لن يكون هناك عودة إلى الطريقة السابقة لمشاهدة أو ملاحظة  شيء ما.[58] وبأستعمال مصطلحات رورتي ، تتغير “مفردات” العلوم بشكل دائم. ه تصبح ذه المقارنة إشكالية عندما يسحب رورتي نظرية كون لتفسير التحولات في تصور الذات للمجتمع وتطبيقها كنظرية للتغيير الاجتماعي.

لأن – أيً رورتي- يتجاهل الصراعات السياسية  الفعلية والعميقة، سواء المادية أو الأيديولوجية، التي تصاحب هذه التحولات. أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسوية ، عن سبيل المثال ، نشأت عن الصراع الذي يهدف الى  حق توضيح تجارب النساء. كان جزء من المشروع هو الكشف عن الثغرات في النظرية السياسية والمعرفية الناجمة عن الإهمال المسبق لهذه التجارب.[59] هذا أكثر من مجرد مناورة لغوية. هناك قوة حقيقية على المحك في هذا النوع من إعادة الوصف. إذا نظرنا إليها فقط على أنها تحولات في المفردات، يتم تجريد هذه الصراعات من أهميتها السياسية، وتأثيراتها على السلطة في المجالين العام والخاص.

الاستنتاج والخلاصة

لقد ناقشت: أن اهتمام رورتي بالديمقراطية هو، في معظمه، اهتمام بانتقاد كيف عامل وتناول الفلاسفة والمنظرين السياسيين الديمقراطية. وبمصطلحاته، إنها نظرية تدور حول معجم مفردات الديمقراطية.  وهي بهذا تقدم نقد سلبي إلى حد كبير. لكن ، من جهة أخرى، يقدم رورتي بعض الوصفات الإيجابية لنظرية أو ممارسة الديمقراطية مستشهدا ببعض الكتاب والروائيين  ومواقفهم ، مثل أوريل، أو القادة السياسيين الشعبيين مثل مارتن لوثر كنج، ولكن ليس الفلاسفة.

يشير نورمان جراس أنه بسبب الأهمية التي يضفيها رورتي على النقاش واستمراريته ، فإن ليبرالية برجوازية ما بعد الحداثة تكون أكثر راديكالية وأكثر إنسانية من الأشكال السابقة لليبرالية. بمعنى آخر، على الأقل في المدينة الفاضلة الليبرالية حيث يكون كل شيء تقريبًا مشروطًا، فهذا يعني أن كل شيء متروك للمناقشة العامة.[60] لكن عمل رورتي يعتمد بوضوح على بعض الادعاءات التي لا تنشأ  بوصفها مشروطة ببعض التزاماته الأخرى. وليس كل شيء متروك للسؤال. عن سبيل المثال، يعطي رورتي  الأولوية لإجراء محادثة متسامحة، وهو إجراء تواصلي غير مباشر بدون أسس. إنه غير مستعد لدراسة أي من القيم الجوهرية الأخرى التي تشكل جزءًا من هذا التقليد الديمقراطي نفسه، أو التعرف على بعض التقاليد المنافسة أو التكميلية الأخرى. إن رغبة رورتي في القضاء على القسوة والمعاناة أهداف جديرة بالثناء، ولكنها لا يمكن أن تكون أكثر من التزامات تعسفية. يشير رورتي أننا يجب أن نقبل هذه الالتزامات لأن لديها صدى داخل المجتمعات الليبرالية. حتى  بمصطلحات رورتي الخاصة ، فإن  معجم مفردات الديمقراطيات الغربية، ناهيك عن تلك الموجودة في أجزاء أخرى من العالم، تبدو أكثر ثراءً وتعقيدًا من هذا الذي يطرحه رورتي.

رغم الأنتقادات التي قدمتها لعمل رورتي لكن لا يجب أن تنتقص هذا كليا من أهمية عمله بخصوص الديمقراطية. قدمت ما بعد الحداثة تحديًا كبيرًا للطريقة التي يتعامل بها المنظرون مع قضايا أسس النظرية والممارسة السياسية. غالبًا ما يتم اعتبار ادعاءات ما بعد الحداثة حول أحتمالية وعرضية المعرفة بأنها الخطوة الأولى على طريق النسبية، مما يؤدي إلى عدم القدرة على الفعل والتصرف سياسياً. إن دفاع رورتي القوي عن “الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية” هو محاولة للتوفيق بين ما يُعتبر غالبًا المواقف المتعارضة  بين السياسة وما بعد الحداثة. تتحدى نظرية رورتي للديمقراطية الحكمة التقليدية المتمثلة في أنه لا يمكن أن تكون هناك سياسة قوية دون التيقن من أسس ابستيمولوجية (معرفية) تقوم عليها. إن نقطة النهاية في نموذجه السياسي هي: يتم إعادة تعريف ممارسة السلطة على أنها تحول لغوي، ويتم نقل جميع فرص النقد والتغيير في الديمقراطية الليبرالية تقريبًا إلى المجال الفردي الخاص، حيث تختفي فعليًا. لسوء الحظ، يذهب معهم الفرصة لاستجواب حقيقي للقيم الإجرائية والموضوعية والفلسفية التي تشكل مفهوم رورتي للديمقراطية الليبرالية المعاصرة.

[1] عن سبيل المثال ، راجع مقالات لرورتي في القسم الأخير من كتابه

Objectivity, Relativism, and Truth: Philosophical Papers Volume One (Cambridge, Cambridge University Press, 1991).  وأنظر أيضا R. Rorty, ‘Thugs and theorists: A reply to Bernstein’, Political Theory, 15:4 (1987), 564-80.

[2] Martyn Oliver, ‘towards a liberal utopia: An interview with Richard Rorty’, Times Literary Supplement (24 June 1994), 14, and also R. Rorty, ‘Pasties’, London Review of Books (3 September 1987), 11-12.

[3] يرى بيرنشتاين أن هناك ثلاثة أشكال متشابكة في كتابة رورتي ؛ نقد رورتي للأسس الفلسفية ،  جمالية موقفه  في ساخريته واعتداله  التي ينسجها كأنها ضفيرة، ودفاعه عن الديمقراطية الليبرالية. أنظر: ر. ج. بيرنشتاين، “خطوة الى الأمام خطوتين الى الخلف: ريتشارد رورتي حول الديمقراطية الليبرالية والفلسفة”،  جورنال النظرية السياسية ، 15: 4 (1987) ، 538-63 لاسيما ص. 541-2.

[4] Rorty, Objectivism, Relativism, and Truth, p. 192

[5] يعترض بيرنشتاين قراءة رورتي لديوي ، بحجة أنه يسيء تفسيره على نقاط مهمة. هذا أمر مهم ، لكن ليس ، كما أعتقد ، أساسي لتحديد كيف سيبدو نموذج رورتي الديمقراطي. قد تكون إحدى الطرق لتوفير بديل أفضل لرورتي ، لكن هذا مشروع مختلف.

  1. J. Bernstein, ‘One step forward, two steps backward: Richard Rorty on liberal democracy and philosophy’, Political Theory, 15:4 (1987), p. 541­

[6] R. Rorty, Consequences of Pragmatism: Essays, 1972-1980 (Minneapolis, MN, University of Minnesota Press, 1982), p. 162.

[7] R. Rorty, Contingency, Irony and Solidarity (Cambridge, Cambridge University Press, 1989), p.56.

[8] Rorty, Consequences of Pragmatism, p. 164.

[9] R. Rorty, ‘We anti-representation lists: A review of Terry Eagleton’s Ideology: An Introductive’, Radical Philosophy, 60 (1992), 40-2, esp. p. 40.

[10] Rorty, Contingency, irony and Solidarity, p. 12.

[11] Rorty, Consequences of Pragmatism, p. xliii.

[12] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, pp. 4-5.

[13] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, pp. 178-9.

[14] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 9.

[15] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 9

يشبه رورتي “إعادة الوصف” بفكرة توماس كون عن تحول النموذج بطريقة ثورية في المعرفة العلمية. أنظر: بُنيَة الثورات العلمية، ترجمة د. حيدر حاج اسماعليل،  المنظمة العربية للترجمة، بيروت ، 2007.

[16] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 177.

[17] Rorty, Objectivity, Relativism, and Trnth, p. 192.

[18] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

[19] Rorty, Objectivity, Relativism, and Trnth, p. 177.

[20] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

[21] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

[22] Rorty, ‘Posties’, p. 12.

[23] Rorcy, Contingency, Irony and Solidarity, p. 65.

[24] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

[25] انظر مارغوليس للتعرف على بعض التقاليد الأكثر حداثة ، ولا سيما النقاشات حول التعددية والنخبوية. م. مارغوليس ، “الديمقراطية: النمط الأمريكي” ، في ج. دنكان (محرر) ، النظرية والممارسة الديمقراطية (كامبريدج ، مطبعة جامعة كامبريدج ، 1983).

[26] R. Rorty, ‘Trotsky and the wild orchids’, Common Knowledge, 1:3 {Winter1992), 140-53, esp. p.141

[27]  Oliver, Martyn ‘Towards a liberal utopia: An interview with Richard Rorty’, Times Literary Supplement (24 June 1994), 14

[28] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 44.

[29] Bernstein, ‘One step forward’, p. 546.

[30] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 200.

[31] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 209.

[32] Rorty, Objectivity, Relativism, and T ruth, p. 184.

  1. Rawls, A Theory of justice (Cambridge, MA, Belknap Press of the Harvard University Press, 1971), p. 20 [32]

[33] جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، الهيئة السورية العامة للكتاب، دمشق، 2011، ص 32.

[34] Rorty, ‘Posties’, p. 12.

[35] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

[36] Rotry, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 208.

[37] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 211.

[38] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[39] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[40] Rorty, ‘Posties’, p. 12.

[41] Rorty, ‘Posties’, p. 12.

[42] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 201.

[43] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 206.

[44] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[45] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[46] Bernstein, ‘One step forward’, p. 556.

[47] R. J. Bernstein, ‘Rorry’s liberal utopia’, Social Research, 57:l (Spring 1990), 31-72.

[48] شيلدون ولين ، “الديمقراطية في خطاب ما بعد الحداثة”، مجلة البحوث الاجتماعية ، العدد، 57 (صيف 1990) ، 5-30. ولمزيد من النقاش حول مقاربات ما بعد الحداثة للديمقراطية ، بما في ذلك أراء  Rorty و Heller و Feher و Laclau و Mouffe ، راجع M. Saward ، “ما بعد الحداثة ، البراغماتيون ومبرر الديمقراطية” ، الاقتصاد والمجتمع ، 23: 2 (1994) ، 201 -16.

[49] Rorty, ‘Intellectuals in policies’, p. 489.

[50] Bernstein, ‘One seep forward’, p. 547

[51] Bernstein, ‘One seep forward’, p. 547.

[52] D. Held, Models of Democracy (Cambridge, Policy, 1987), p. 5.

[53] Wolin, ‘Democracy in the discourse of postmodernism’, p. 25.

[54] Hayek in Held, Models of Democracy, p. 248.

[55] Wolin, ‘Democracy in the discourse of postmodernism’, p. 14.

[56] N. Fraser, ‘Solidarity or singularity, in her Unruly Practices: Power, Discourse and Gender in Contemporary Social Theory {Cambridge, Policy, 1989), p. 104.

[57] Wolin, ‘Democracy in the discourse of postmodernism’, pp. 19-20.

[58] توماس كون، بُنيَة الثورات العلمية، ص123 فمابعد.

[59] N. Hartsock, Money, Sexand Power: Toward a Feminist Historical Material­ ism (New York, Longman, 1983).

[60] N. Geras, Solidarity in the Conversation of Humankind: The Ungroundable Liberalism of Richard Rorty (London, Verso, 1995), p. 88.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0