سياسة مختارات مقالات

المغرب لا يتلقى رشوة من أحد

إلى النظام الجزائري:
المغرب لا يتلقى رشوة من أحد

بقلم/ عبد الهادي مزراري
لم تثن الظروف التي فرضتها جائحة كورونا على العالم بأسره، مسؤولي النظام الجزائري عن تسليط ألسنتهم على المغرب والكف عن ملاحقته في كل خطوة يقوم بها.
مباشرة بعد قرار دولة الإمارات العربية المتحدة فتح قنصلية لها في مدينة العيون كبرى مدن الصحراء المغربية، جن جنون المسؤولين الجزائريين، وتفتحت شهيتهم لكيل سيل من الشتائم للمغرب ونظامه، عبر وسائل إعلام النظام الرسمية، وأيضا تلك التي تعمل تحت توجيهاته.
سائر تصريحات المسؤولين الجزائريين بشأن افتتاح أبو ظبي قنصلية لها في مدينة العيون مكتوبة من محبرة واحدة ومن مداد النظام وتتشابه حتى في العبارات والمفردات المستعملة، ولا تدعو للاستغراب، ولا تتطلب تحليلا، فهي مكشوفة ومنشورة على سلك الغسيل نفسه الذي ينشر عليه النظام الجزائري أطروحته المتهالكة بدعم حركات التحرر في العالم، مثلما لو أن النظام الجزائري هو قوة عظمى في العالم ويملك مقعدا في مجلس الأمن إلى جوار الخمسة الكبار، وله رصيد عالمي في العلاقات الدولية.
تصريحاتهم ضد المغرب في موضوع القنصلية الإماراتية في العيون تتسم باليأس وتطبعها السخافة ولا تستدعي التوقف عندها، لكن ما أثار انتباه الرأي العام المغربي هو تصريح لأحد مسؤوليهم في قناة النهار، قال فيه إن “المغرب يئس من الحل العسكري، لأنه يخاف من قوة الجيش الجزائري، ولهذا يلجأ إلى الطريق الديبلوماسي ويستجدي الدول لفتح قنصلياتها في العيون ومدن الصحراء المحتلة”.
وأضاف المسؤول الجزائري أن فتح دولة الإمارات العربية المتحدة قنصليتها في العيون هو رشوة حصل عليها المغرب مقابل التطبيع مع إسرائيل”.
بقطع النظر عن تصريحات المسؤولين الجزائريين استوقفني كثيرا مضمون هذا التصريح، وهو في الحقيقة تحريك رماد بارد يريد من خلاله النظام الجزائري إشعال النار في المنطقة، فهو في كل الأحوال فشل في تحقيق مطالب الشعب الجزائري ويحتاج إلى حرب أو أزمة خارجية يلهي بها الشعب وينسبه من خلالها في أهدافه التي خرج للمطالبة بها في أقوى حراك إقليمي وعربي على الإطلاق.
ففي ما يتعلق بقول النظام الجزائري إن المغرب يئس من الخيار العسكري، هو أسلوب لاستفزاز المغرب وبطريقة عنترية لم تتوفق أبواق النظام حتى في إثقانها.
هو دعوة للحرب بأسلوب العصابات المتمردة، التي يسيطر عليها عتاة المجرمين. وليس من الغريب ان تتزامن مع التعديل الدستوري الذي قاطعه الشعب الجزائري، وجاء ضمن التغييرات فيه السماح للجيش الجزائري للقبام بعمليات خارج الحدود.
مر أكثر من عام على تسلم عبد المجيد تبون منصب الرئاسة، وهو منصب شكلي في الجزائر حيث تؤول السلطة لجنرالات الجيش، ويبدو أن مهلة العام الأول انقضت دون ان يتكمن الرئيس من تحقيق وعوده للجزائريين بالإصلاح وبالتنمية والاستقرار، فالأوضاع ولسوء حظ النظام زادت سوء بسبب تداعيات جائحة كورونا، فضلا عن السقوط المدوي لأسعار النفط التي تشكل المصدر الرئيسي لاقتصاد البلاد.
أمام تردي الأوضاع في البلد الجار، يئس النظام من تحقيق وعوده، ولم يبق له من حل سوى اللجوء إلى افتعال أزمة خارجية، وهو ما بصدد التخطيط له.
يئس النظام الجزائري أيضا من إمكانية تحقيق حلم إنشاء الدولة الصحراوية التي يريدها أن تكون ولاية تابعة لولايات الجزائر، وهذه حقيقة يعرفها كبار قادة البوليساريو الذين اكتشفوا نوايا النظام الجزائري وقرروا الهروب إلى المغرب.
وازداد يأس النظام الجزائري مع عودة المغرب للاتحاد الأفريقي وتفوقه في دحر جبهة البوليساريو على أكثر من صعيد، وفي سياق تعزيز العلاقات مع بلدان الاتحاد والتي كان من نتائجها فتح العديد من الدول الإفريقية لقنصلياتها في العيون والداخلة.
وتعمق يأس النظام الجزائري في الأيام الأخيرة عندما وجه مجلس الأمن في قراره الأخير تنبيها إلى جبهة البوليساريو بإخلاء مناطق تثبيت وقف إطلاق النار، التي يتدخل فيها المتمردون، وهو تحذير صريح بقطع الطريق على مخطط جزائري يرمي إلى نقل مخيمات الصحراويين من تندوف إلى مناطق الحياد التي تقع تحت مسؤولية الأمم المتحدة والتي تتسلل إلى داخلها عناصر للبوليساريو ويسمونها مجازا “بالأراضي المحررة”.
إن فشل النظام الجزائري في تحقيق حلم بناء دولة صحراوية تابعة له جنوب المغرب مع فشله في بناء دولة دبموقراطية يسودها الرخاء والاستقرار هو في الواقع أكبر صدمة للجزائر بعد اكثر من أربعة عقود من السيطرة على السلطة والتلاعب في أموال الشعب التي تقدر بآلاف المليارات من الدولارات وتبديدها في دعم كيان وهمي وإجراء صفقات مشبوهة، فضلا عن إجهاض المسلسل الديموقراطي في تسعينيات القرن المنصرم وتورط النظام في ارتكاب مجازر وإذكاء التطرف وافتعال الإرهاب خلال العشرية السوداء.
وأخيرا في ما بخص قول النظام الجزائري إن فتح الإمارات قنصلية لها في مدينة العيون هو رشوة إسرائلية للمغرب للتطبيع مع إسرائيل، يستحسن تنوير الرأي العام بما يلي:
أولا، إن النظام الجزائري هو من كان يسعى لاستمالة موقف أبو ظبي في كثير من القضايا وكانت لهما وجهات نظر متطابقة في ليبيا مؤيدة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر ضدا على موقف المغرب ومقررات مؤتمر الصخيرات.
ثانيا، لم يخف الجناح العسكري في الجزائر تودده للإمارات خلال اندلاع الحراك الشعبي، وزار الكايد صالح ابو ظبي وطلب دعمها لوقف الحراك والتدخل لدى فرنسا والولايات المتحدة لصالح الاطروحة التي يتبناها الجيش بشأن ترتيب البيت الجزائري بعد إسقاط عبدالعزيز بوتفليقة.
ثالثا، النظام الجزائري هو من توجه بطلب رفع الاستثمارات الإماراتية في الجزائر لسد العجز الحاصل ميزانية الدولة ومواجهة الأزمة الاقتصادية، وقدم بالمقابل مقترحا لأبو ظبي بالتوسع في موريتانيا ورتب لقاءات بين مسؤولين إماراتيين وموريتانيين مقربين من النظام الجزائري، وكان الهدف من هذه الخطة هو محاصرة المغرب من جنوبه في وقت تمادت فيه الإمارات بالإساءة إلى المغرب والتلويح بالتقرب أكثر فأكثر من الجزائر.
رابعا، لم يطلب المغرب من الإمارات فتح قنصليتها في العيون، وهي خطوة اتخذتها أبو ظبي، للحسم في موقفها من العلاقات التي تربطها بالمغرب، ودون شك تبين للمسؤولين الإماراتيين أوراقا كثيرة تخص المغرب ومكانته على الصعيد العالمي كانوا يجهلونها، ولو جاز القول خارج اللباقة الديبلوماسية لاعتبرنا مبادرة الإمارات بفتح قنصليتها في مدينة العيون هو كفارة عن ذنب، وليس رشوى كما يدعي النظام الجزائري.
وفي ما يخص قضية التطببع مع إسرائيل، لا يمكن حل الكلي بالجزئي، وقضية الصحراء المغربية أصلا ليست جزء من مشكل الشرق الأوسط، والمغرب حسم موقفه من التطبيع مع إسرائيل منذ سنوات. فالحل يجب ان يكون على طاولة مكشوفة يراعي حقوق الطرفين الفلسطيني والإسرائلي في إطار سلام دائم وثابث وليس في إطار صفقات.
فضلا عن ذلك كله، نستحضر شهادة وزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز رحمه الله في “كتابه من يحاصر من”، قال “في حربنا ضد إسرائيل في سنة 1973 طلبنا دعم الجزائر، وكان الرد مخيبا للآمال، فيما مدنا المغرب بجسر جوي لدعم القتال في كل الجبهات”.
للتاريخ فقط، النظام الجزائري العسكري نفسه الذي كان ومازال يجثم على صدر الشعب ويروج شعاراته الخادعة
طابت أوقاتكم

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0