تاريخ دين سياسة مختارات مقالات

عن حملة مقاطعة البضائع الفرنسية

بقلم/ محمد الهامي

من علامات الجنون والبلاهة أن يتعامل أحد مع تصريحات رؤساء الغرب بجدية، والمثال الذي نتحدث فيه هنا هو كلام ماكرون الأخير الذي زعم فيه أنه لا يؤيد الرسومات المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويزعم فيه أن تصريحاته قد حُرِّفَت، كما ينبهنا فيه -وكأنه عالِمٌ بالإسلام- إلى وجود متطرفين لا يمثلون الإسلام!

من علامات الجنون والبلاهة التعامل مع مثل هذا الكلام بجدية، ذلك أننا الآن نعيش بعد أكثر من قرنين من هذه العملية المستمرة من الدجل، ونحن -المصريين- أولى الناس بفهم هذا لأننا كنا أصحاب الصدمة الأولى، فعندنا وزَّع نابليون منشوره الشهير الذي يزعم فيه أنه مسلم وأنه أكثر إخلاصا للإسلام من المماليك، بل ويُدَلِّل على صدقه في نصرة الإسلام بأنه دمَّر روما -كرسي البابوية- وقضى على فرسان مالطة الذين هم بقايا الحروب الصليبية!

إن الذي يقرأ منشور نابليون يرى فيه من دلائل الصدق ما لا يوجد عُشر معشاره في كلام حفيده الفاشل ماكرون.. إلا أن أجدادنا العظماء لم يبتلعوه، ولم يظهر فيهم مثل هذه الكائنات الغريبة التي تظهر فينا وتتعامل مع كلام ماكرون بتصديق وتسامح لا يكاد يُصَدَّق.

وما بين نابليون وماكرون أكثر من قرنين من الزمان نعيش فيهما تحت الهيمنة الغربية التي برعت في سحقنا وذبحنا وهي تقدم لنا وجهها الإعلامي المزخرف الذي يحدثنا عن الحرية والحضارة والإنسانية وسائر هذا الكلام اللطيف الذي لا يُصَدِّقه إلا الخونة والمغفلون!

إن الحضارة الغربية قدَّمت للإنسانية نموذجا جديدا ومتفوقا ومتميزا في الكذب والنفاق، نموذجا لم تعرفه أمة سابقة، وكان الفرنسيون هم طليعة هذا النموذج وأعلامه الأولى..

نابليون يتسمى بالحاج علي، ويهتز طربا في مجالس القرآن، بينما يعترف لأقرانه بأن منشوره هذا إنما هو “دجل من أعلى طراز”، وخليفته مينو يزعم الإسلام ويتزوج من مسلمة، حتى إذا عاد إلى بلده ارتدَّ وأراد تعميد ولده، ولما فزعت المرأة ورفضت تعميد ولدها جاءها بالداهية المستشرق سلفستر دو ساسي -زعيم استشراق القرن التاسع عشر- فأقنعها هذا بتحريفه لآيات القرآن بأن الإسلام كالنصرانية حتى عجزت عن الرد فقبلت تنصير ولدها!

ولما استعان محمد علي باشا بعسكري فرنسي لتدريب جيوشه، وجد هذا الفرنسي أن الجنود لا يخضعون له فادعى الإسلام وتحول من الكولونيل سيف إلى سليمان باشا الفرنساوي، وظل نسله يتوارث النصرانية سرًّا، وهو ما عرفناه حين ارتدَّت حفيدته (الملكة نازلي، أم الملك فاروق) إلى النصرانية مرة أخرى في آخر عمرها قائلة إنها عادت إلى دين أجدادها.

إن الحضارة الغربية في جاهلية تتعفف عنها جاهلية العرب والفرس والمغول والهند والصين وقبائل إفريقيا، ذلك أن الكذب والنفاق والغدر صار سياسة وكفاءة ومهارة، وصار السياسي في عالمهم وزمانهم تُقاس كفاءته بقدرته على ارتكاب هذا على أفضل (أو أسفل) ما يكون!

إن هذه اللحظة التي تستفيق فيها الأمة وتنتفض لنبيها لهي لحظة ذهبية، ولا يساهم في تبريدها وتخديرها إلا خائن أو مغفل، وينبغي أن يُواجه هذا بالنبذ والعزل والرفض واطراح كلامه والتحذير منه.

ألا رحم الله كل رجل رمى في هذه المعركة بسهم، وحرص أن تبقى جذوة الحب مشتعلة في قلوب المسلمين، فلقد والله بلغ الأعداء منا مبلغا عظيما!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0