ادارة و اقتصاد فكر مختارات مقالات

إنجلز يثأر لنفسه في مانشستر

بقلم/ علي حسين

في العام 2018 احتفلت المانيا بمرور 200 علم على ميلاد مواطنها كارل ماركس ، حيث القى حينها رئيس المفوضية الاوروبية كلمة في الاحتفال، في الوقت الذي اقيمت فيه عشرات المعارض ، فيما اشاد الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير بالفيلسوف والثائر الألماني كارل ماركس ، واصفاً إياه بأنه “مفكر ألماني عظيم”. وقال شتاينماير إن هذا التقدير صحيح حتى وإن كانت هناك تناقضات. وأكد على أن ماركس كان مفكراً حاسماً في فكره، “وكانت مبادئه حاسمة”، مضيفاً أنه قدم “طرحاً هائل الحتمية” و “طموحاً مطلقاً لعالمه الفكري”، غير أن القوة الداخلية الدافعة لماركس كانت هي ظروف عصره. وأضاف شتاينماير قائلاً: “لقد اهتم ماركس بالتغلب على البؤس المجتمعي من أجل تحرير الناس من الفقر والوصاية ومن اليد الحديدية لدولة العلية”. وواصل شتاينماير القول إن أعمال ماركس مشبعة بإنسانية عاطفية حميمة، إلا أنه ليس من الممكن فصل ماركس عن الماركسية، ولا يمكن فصل أعماله عن آثارها .
في شهر تشرين الثاني المقبل ستصادف الذكرى الـ 200 لميلاد زميل ماركس ورفيق رحلته فريدريك انجلز ، فهل ستحتفل المانيا بابنها انجلز مثلما احتفلت بكارل ماركس ؟
دائما ما يطرح السؤال : هل ان شخصية ماركس القت بضلالها على فريدريك انجلز ؟ ، حتى ان الماركسية او الشيوعية ما ان تذكر حتى يتبادر للذهن فورا اسم كارل ماركس ، ونجد ان الكتب التي تتحدث عن انجلز وحياته قليله بالقياس الى ماركس ، وكنت في رحلة البحث عن ماركس قد عثرت على بعض الكتب القليلة التي خصصت لصاحب الكتاب الشهير ” اصل العائلة ” ، وقبلها جربت ان اقرأ انجلز بمعزل عن تاثيرات ماركس ، فقررت أن اقرأ كتابه ” ديالكتيك الطبيعة ” الذي حصلت على نسخة منه وكانت من منشورات دار التقدم ، اما لماذا اخترت هذا الكتاب بالذات ؟ فالامر يتعلق بنصيحة اسداها لي صديق من عشاق ماركس وانجلز وقال لي وقتها اذا كان التحليل الجدلي – الديالكتيك – لعلم الاقتصاد قد ارتبط باسم كارل ماركس من خلال كتابه الشهير ” راس المال ” ، فان التحليل الجدلي لعلم الطبيعة ارتبط باسم فريدريك انجلز من خلال كتابة ” ديالكتيك الطبيعة ” ، ولاهمية هذا الكتاب وجدت فيما بعد ان امام عبد الفتاح امام يكتب في كتابه ” تطور الجدل بعد هيغل – جدل الطبيعة – ” ان كتاب انجلز اعمق ما كتب في الجدل بعد هيغل ، ويخبرنا روجيه غارودي في كتابه ” كارل ماركس ” ان مشروع ديالكتيك الطبيعة كان يراود ماركس حتى انه كتب في احدى رسائله الى انجلز :” حين افرغ من عبء الاعمال الاقتصادية ، سوف اكتب في الجدل ، ان قوانين الجدل الصحيحة موجودة فعلا عند هيغل لكنها في صورة مثالية ، ولابد ان ننزع عنها هذه الصورة ” .. كان فريدريك انجلز عام 1873 يتمنى ان تتيح له الظروف ان يطبق الجدل الهيغلي في ميدان العلوم الطبيعية ، وفي الرسائل التي تبادلها مع ماركس في ذلك العام يبدى رغبته في انجاز مثل هذا الكتاب ، فيكتب في الثلاثين من ايار عام 1873 :” هذا الصباح عندما كنتُ مستلقياً على الفراش خطرت ببالي الأفكار الديالكتيكية التالية حول العلوم الطبيعية: موضوع العلوم الطبيعية هو المادة في حركتها ، الأجسام لا يمكن فصلها عن الحركة ، لا يمكن الحديث عن مادة بدون حركة، وبدون الأخذ بنظر الإعتبار علاقتها بالأجسام الأخرى. في الحركة فقط يكشف الجسم عن ماهيته. العلوم الطبيعية، إذن، هي دراسة الأجسام في علاقاتها المتبادلة وفي الحركة ” ، وظلت هذه الامنية تراود انجلز ، حيث وضع تخطيطات لكتاب ” ديالكتيك الطبيعة ” وكتب عدد من المسودات ، لكنه لم ينشرها ، وانما انشغل عنها بكتابه ” انتي دوهرنغ ” او ” ضد دوهرنغ ” في الترجمة التي نشرتها دار التقدم ، الذي صدر عام 1878 ، وفيه نرى ان موضوع ديالكتيك الطبيعة كان حاضرا ، لكنه سيضطر الى التخلي عن نشر كتابه ” ديالكتيك ” الطبيعة ” بعد وفاة ماركس ، من اجل ان يتفرغ لنشر المخطوطات التي خلفها صديقه .. وهكذا لم يستطع انجلز اصدار ” ديالكتيك الطبيعة ” اثناء حياته ، وقد جمعت مسودات الكتاب ليصدر عام 1925 اي بعد وفاة انجلز بثلاثين عاما .. كان هذا الكتاب واعني ” ديالكتيك الطبيعة ” دافعا لي لان ابحث عن فريدريك انجلز ، وكنت كلما اذهب الى مكتبة اسأل هل يوجد كتاب عن حياة انجلز فيكون الجواب هناك كتب عن كارل ماركس ، وتشاء الصدف في بداية الثمانينيات ان اعثر على كتاب ضخم بعنوان ” انجلز حياته واعماله ” وهو كتاب تتجاوز صفحاته الـ” 700″ صفحة من القطع الكبير ترجمة اسما حليم ” واقرا في المقدمة ان الكتاب هو ترجمة للنص الذي اعده معهد الماركسية اللينينة في موسكو ، اخذت الكتاب وانا اشعر بالنشوة ،وذهبت الى المقهى مباشرة لاستمتع بهذه ” اللقطة ” ، وفتحت الصفحة الاولى والتي كانت بعنوان ” الطفولة والصبا ” والتي ذكرتني بكتاب تولستوي الشهير ” الطفولة والصبا والشباب ” استغرقت في القراءة وانا اتتبع مسيرة هذا البرجوازي الذي قرر في لحظة ما ان يصبح بروليتاري ويدافع عن حقوق العمال والفقراء ، بعد اكثر من اسبوع انتهيت من الكتاب ا ، وتصورت بعدها انني اصبحت “ظليع ” في الماركسية ، فاذا كان راس المال ومعه ديالكتيك الطبيعة برهنا على جهلي في هذا المجال ، فان حياة انجلز فتحت لي منافذ جديدة للقراءة ولتتبع تطور الفلسفة الماركسية ، واخذت آنذاك اتبجح امام الاصدقاء بانني اعرف خفايا حياة انجلز الذي كان الاصدقاء يشيحون بوجهه عنه وهم يتطلعون الى ماركس بلحيته الكثة.
هل استطعت ان افهم كتب انجلز وانا اغلق الصفحة الاخيرة من كتاب ” انجلز حياته واعماله ” ؟ ، طرحت على نفسي هذا السؤال وقررت العودة الى كتاب ” ديالكتيك الطبيعة ” ، لأتصارع معه من جديد ولادرك ان الكتاب الذي فكر فيه انجلز وهو مستلقي على الفراش ، يطرح عددا من القضايا ابرزها : ” التلازم الضروري بين المادة والحركة ، او اعتبار الحركة شكل وجود المادة ” ،فالطبيعة الجوهرية للشيء هي الحركة ، وقد اراد انجلز ان يبرهن ان الطبيعة تعمل على نحو ديالكتيكي لا على نحو ميتافيزيقي فالطبيعة في نظره :” هي التي تبرهن على صحة هذا الجدل ، ويجب القول بان العلوم الطبيعية قدمت لهذه البرهنة مواد غنية الى اقصى حدود الغنى ، وهي مواد تزداد يوما بعد يوم ، وهكذا يثبت العلم في نهاية المطاف ان الطبيعة تعمل على نحو جدلي لا على نحو ميتافيزيقي ” ، كان ماركس قبل سنوات قد قرر التصدي لمعلمه الاول هيغل ، فينشر كتابه الشهير ” نقد فلسفة هيغل في الحقوق ” حيث يقترح قلب الجدل الهيغلي لوضعه على قدميه أي الانطلاق ليس من النظريات ، وانما من ظروف الحياة الواقعية ويصوغ لاول مرة فكرة ان الوظيفة التاريخية للبروليتاريا هي قلب الرأسمالية ويكرر على خلاف هيغل ان الدولة ليست هي التي تُسيِّر التاريخ ، بل التاريخ هو الذي يُشكل الدولة ، وان الانسان لا يتمكن من التحرر الا بأفعاله وليس بنزوة مُحسن او بارادة دكتاتور متنور إذ لا يمكن للثورة ان تأتي إلا من خلال طبقة اجتماعية محررة بامتياز. وفي الوقت الذي كان فيه كان كارل ماركس يتنقل من النزعة العقلانية الى الرومانتيكية ثم الى الهيغلية ثم الى الشيوعية ، فان صديقه المقبل ورفيقه في وضع اسس الفلسفة المادية ، فريدريك انجلز استطاع ان يصل الى نفس التصورات والمفاهيم ولكن عبر معاناة مع عائلته التي كانت ترى في الفلسفة والفكر نشاط عبثي .، والواقع ان فريدريك انجلز ، بعكس رفيقه كارل ماركس الذي ولد في وسط ليبرالي ، كان عليه ان يتحرر من التصورات الرجعية والدينية لعائلته الغنية ، وكان شأنه شأن ماركس انتهج الطريق الثوري لا بدافع الحاجة وانما بدافع الاقتناع العميق
ولد فريدريك انجلز في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1820 في الشطر الصناعي من المانيا ، وكان ينتسب الى عائلة من الصناعيين الكبار ، وبخلاف عائلة ماركس ذات العقلية المتحررة ، فان عائلة انجلز كانت ذات نزعة رجعية ، وقد اضطر انجلز منذ سنوات شبابه الاولى للكفاح بضراوة ضد هذه العقلية التي لاترى في الحياة سوى المال ، وعند بلوغ انجلز الرابعة عشر ارسلته العائلة الى كلية البريفيدا والتي تعتبر انذاك من الكليات المتميزة ، وشأن والد كارل ماركس ، كان والد انجلز مع اعترافه بمزايا ولده ، يحس بالصدمة لطبيعته المختلفة جذريا عن اشقائه ، وكان يخشى ان تؤدي هذه الاختلافات الى اضطراب روحه وخراب مستقبله .
ونظرا لان إنجلز لم يكن يجد في عائلته تفهماً لرغباته في الدراسة والعمل والحرية الشخصية ، فقد كان يحس بالعزلة وكان ينطوي على نفسه ، وقد قالت امراة عجوز كانت تقطن بالقرب من منزلهم ، إنها شاهدته يسير في النهار حاملا مصباحاً في يده قائلاً انه يفتش مثل ديوجين عن الحقيقة ..بل انه في مرة من المرات تخيل نفسه دون كيشوت فكتب قصيدة طويلة جاء فيها:
لا تضحكوا يا اخوتي
انه دون كيشوت البطل
الذي يجوب العالم
على جواده النبيل
عام 1841 سيلتقي كارل ماركس بشاب اصغر منه بعامين ، يرتبطان منذ اللحظة الاولى بصداقة تنتج عشرات المؤلفات انه فريدريك انجلز ، في تلك السنة يقرأ ماركس كتاب فيورباخ الشهير ” جوهر المسيحية ” الذي يؤكد فيه ، من اجل السماح بارتقاء مجتمع انساني يجب على الفلسفة ان تجد امتدادها في السياسة القادرة وحدها على تحرير الانسان من أغترابه بالغاء الملكية . ولهذا كما يقول فيورباخ يجب توحيد البشرية المعذبة والبشرية المفكرة المضطهدة أي العمال والمثقفين ، ويجب تحويل الدولة جذرياً لأنها ليست كما يظن هيغل تجسيداً لمطلق فوق الطبقات، بل انعكاسٌ للعلاقات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية ، ويزداد عشق ماركس لفيورباخ وسيؤرخ انجلز لهذا التاثير الذي مارسه هذا الفيلسوف على تطور الهيغليين الشباب الفكري :” كانت الحماسة عامة شاملة واصبحنا جميعا اتباعاً لفيورباخ في الحال “، في عام 1842 يكتب ماركس اولى مقالاته السياسية بعنوان ” الشيوعية ” التي يعتبرها غرامشي فيما بعد الأساس الذي بُنيت عليه الفلسفة المادية ، في هذه المقالة يشرح ماركس للمرة الاولى مفهموم الشيوعية ويُعيد أصولها الى الفيلسوف أفلاطون ، في تلك السنة يعكف مع زميلة انجلز على مراجعة كتب سان سيمون وتسحرهما مقولات برودن التي كان يوجهها ضد الملكية : ” ما هي الملكية إنها ترفٌ مرفوضٌ ” .
في تشرين الأول من عام 1847 وقبل ظهور البيان الشيوعي بأشهر يكتب انجلز عن موضوعة التفاوت بين الطبقات، بعدها سنجد ماركس يلقي خطابا امام مجموعة من العمال سينشر فيما بعد تحت عنوان”العمل المأجور ورأس المال”، يرسم فيه كارل ماركس للمرة الاولى الخطوط الكبرى لنظريته الاقتصادية، والتي شكلت فيما بعد الأساس الذي بنيت عليه افكاره السياسية، فيما حاول انجلز ان يقدم صوره جديده للعلوم .
يشكل البيان الشيوعي الذي صدر بداية عام 1848، تطوراً جديداً في فكر ماركس وزميله انجلز، فهما يقدمان لنا من خلاله تصورا أكثر كمالاً للنظرية المادية، يكون فيه صراع الطبقات المحرك الرئيسي للتاريخ، وتكون الطبقة العاملة القوة الخلاقة الزاحفة لمجتمع جديد. إنها بداية الاشتراكية العلمية، وهو الإنتقال الى حيز العمل السياسي. يستهل البيان بهذا التصور للمجتمع البشري:”عن تاريخ كل مجتمع، حتى أيامنا هذه، لم يكن سوى تاريخ صراع الطبقات”، ونجد البيان الشيوعي يقدم تصوراً للمجتمع البدائي كما كتب عنه جان جاك روسو في”تفاوت الطبقات بين البشر”حيث نقرأ هذه العبارة:”كان المجتمع البدائي يسمح لكل فرد بان يظل حراً لتنفيذ العمل الضروري للمحافظة على بقائه”.
يحدد ماركس وإنجلز في بيانهما الشيوعي، معنى أن يكون الانسان شيوعياً:”لايعني أن يكون له رأي مختار من بين سائر الأراء، وفقا لمصادفات التفضيل والإنتقاء والمناسبات ولا هو كذلك صفة موروثة أصيلة عند بعض الأفراد يكونون شيوعيين، كما يكون الإنسان أشقر أو أسمر، وهذا لايعني أيضاً أن يكون لدى الإنسان عزم على مداواة جميع الآلام البشرية بعاطفة توصي لتعميم الحب على البشر، أو بنزعة انسانية طوباوية او حلم كريم، أو باللجوء الى انقلاب فجائي شامل يطرأ على الاوضاع. أن يكون الإنسان شيوعياً معناه من الناحية الجوهرية، اتخاذ موقف علمي من قضايا المجتمع.”.
في النسخة التي صدرت بعد وفاة ماركس يضيف إنجلز ملاحظة لقراء البيان تتعلق بأهمية دراسة المادية التاريخية لفهم البيان الشيوعي:”إن الفكرة الرئيسية التي تهيمن على البيان الشيوعي، هي أن الانتاج الاقتصادي والبناء الاجتماعي الناتج عنه، يكونان حتماً، وفي كل عصر قاعدة التاريخ السياسي والفكري لهذا العصر، إن التاريخ كان وسيظل تاريخ الصراع بين الطبقات”.
أصبح البيان الشيوعي فيما بعد أول وثيقة منهجية للشيوعية العلمية، وقد لخص فيه ماركس وإنجلز، مجمل المعارف الإجتماعية والإقتصادية والتجارب العلمية، ولم تبلغ النسخ التي طبعت في الطبعة الاولى من هذا الكراس الصغير سوى بضع مئات تنقلت من يد الى أخرى. وسرعان ما يتحوّل البيان الشيوعي الى منهج للفلسفة الماركسية التي اصبحت الاتجاه الفكري الأبرز في القرن العشرين، حيث أمتد تأثيرها الى كافة العناصر السياسية فضلاً عن الثقافية كالروايات والافلام ووسائل الاعلام، والهيئات والمؤسسات الاجتماعية.. انها الثورة الشيوعية التي يصفها ماركس وانجلز في البيان الشيوعي:”الثورة الشيوعية هي القطيعة الأكثر جذرية عن علاقات الملكية المتوارثة”.
لم يكن لصداقة ماركس وانجلز مثيلا لها في التاريخ ، فهي لم تعرف شيئا من المنافسة وحب الذات ، فكلما كان فكرهما يصبح واحداً ، كلما ظل كل منهما هوية منفصلة وانساناً مستقلاً .
كان مظهرهما من الخارج مختلفاً جدا ، فقد كان انجلز الالماني الاشقر الطويل القامة ، يعتني بملابسه ويحافظ على استقامة قامته ، عضوا محترماً في بورصة مانشيستر ، لامعاً في التجارة ، وفي مسرات الحياة البرجوازية من صيد الثعالب الى حفلات اعياد الميلاد ، اما ماركس فقد كان قوي البنية ذا عينين سوداوين وشعر كثيف اسود ، لم يكن يهتم بمظهره ، كان يستنفذ قواه في العمل الفكري الذي كاد لايترك له وقتا لابتلاع وجباته الغذائية ، مما احدث اثرا سلبيا على صحته ، كان ماركس غير عملي في المسائل الصغيرة ، لكنه كان يبدي براعة في الاعمال الكبيرة . فلم يكن يستطيع ادارة امور بيت صغير ، لكنه كان لايجارى في قدرته العبقرية على حشد جيش وقيادته الى الامام ليغير به وجه الارض.
ادرك انجلز منذ البداية تفوق ماركس العبقري ، ولم يطمح الى لعب اي دور غير دور الشريك الثاني ، غير انه لم يكن مجرد مفسر لماركس ، بل كان دائما معاونا مستقلا ، ويملك قدرة فكرية مختلفة ، ونجد ماركس يكتب بعد عشرين عاما من لقائهم الاول :” اتعلم انني اولا وقبل كل شيء اتوصل الى الاشياء ببطء ، وانني ثانيا اتبع خطاك على الدوام ” .
فيما يكتب انجلز في وصف صديقه ماركس بانه : ” موسوعة حية ، مستعد للعمل في اي ساعة من ساعات الليل والنهار، مليء بصفاء الذهن ، سريع في الكتابة ، ونشيط نشاط شيطان ” .
قبل وفاته بعام واحد اكتشف الدكتور الخاص لانجلز بان مريضه الذي يتمتع بصحة جيدة ونشاط وقدرة على الحوار مذهلة ، مصاب بسرطان الحنجرة ، وقد كتب الدكتور رسالة الى احد اصدقاء انجلز يوصيه بان يحضر لزيارة صديقه ، كان المرض قد تطور بسرعة ، وفي شهر تموز كان انجلز قد فقد القدرة على الكلام ، لكنه حافظ على روحه المرحة ومقدرته على الكتابة ، فكان الدكتور يدخل اليه فيجده يكتب ملاحظات ، لم يخبره احد ان مرضه خطير ، لكنه كتب للدكتور انه يدرك ان هذه هي النهاية ، في الخامس من آب عام 1895 انتهت رحلة انجلز مع الحياة والمعارك الفكرية والسياسية ، وكان قد كتب وصية بان يحرق جثمانه ويذر الرماد في البحر ، وقد قامت ابنة ماركس اليانورا بمهمة تنفيذ رغبته وذرت رماده في هواء البحر ، في وصيته كتب انه يتذكر دائما معبوده القديم الشاعر بيرسى بيش شيلى الذي كان يردد اشعاره مع صديقه كارل ماركس ، فقد كانا من عشاق هذا الشاعر الذي عرف بتمرده والذي طرد من جامعة اكسفورد بسبب نشره كتابا عن الالحاد ، كان الشاعر الانكليزي قد اوصى نثر رماده على شاطيء البحر وكانت آخر كلمات شيللي ” ما هي الحياة ؟ ” ، لم يطلب في وصيته ان يقام له حفل تابين اوجنازة كبيرة ، لم يطلب شيئا سوى تذكره باته كان ماركسيا وساهم في انتصار الشيوعية .
بعد ايام من رحيله نشرت مرثية بعنوان ” فريدريك انجلز” بقلم الروسي الاشتراكي الشاب فلاديمير ايليتش اوليانوف الذي سيعرف فيما بعد باسم ” لينين “وقد رأى ان يبدأ كلمته ببيتين للشاعر الروسي نيكراسوف يقول فيها
اي مشعل للفكر قد نضب زيته
اي قلب كف عن الخفقان.
عام 2017 قام فيليب كولينز، الفنان البريطاني المولود في برلين، بنقل تمثال لفريدريك إنجلز بطول 3.5 متر من قرية في شرقي أوكرانيا عبر أوروبا إلى بريطانيا ، ويعود تاريخ هذا التمثال الى سبعينيات القرن العشرين حيث نصب في المدينة التي عاش فيها فريدريك انجلز رفيق درب كارل ماركس وألف كتابه المعنون احوال الطبقة العاملة في انكلترا
عاش إنجلز في مانشستر لأكثر من عقدين في منتصف القرن التاسع عشر، وشحذ فلسفته الثورية من خلال مشاهداته للظروف المروعة التي كان يعيشها العمال من الأطفال والنساء والرجال في مهد الرأسمالية الصناعية. وكما يشير الفنان فيليب كولينز، انه على الرغم من أن حياة هذا الفيلسوف في مانشستر معروفة وموثقة بشكل جيد، فإنه لا يوجد له تذكار دائم في المدينة، ولا يوجد رمز مرئي للرجل على الإطلاق .
استغرق الأمر اكثر من عامين لتعقب تمثال مناسب لإنجلز. وأخيرا عثر على احد التماثيل في قرية مالا بيريششيبينا، في منطقة كانت تسمى سابقا إنجلز في شرق أوكرانيا. وقد تم رفعه من موقعه المركزي في القرية، وشطره إلى النصف في وسطه، وألقي به في مجمع زراعي وتمت تغطيته بأكياس كبيرة. وكان هناك آثار من الطلاء الأزرق الفاتح والأصفر على ساقيه، وهي الوان العلم الأوكراني..وبعد ثمانية أشهر من المفاوضات، واجراءات قانونية، نقل إنجلز الى مانشستر ليكون شاهدا عن تحول تاريخي وليثأر من مجتمع كان شيوعيا ، بالذهاب إلى مكان ولادة الرأسمالية وتحت ظلال ناطحات السحاب.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0