سياسة مختارات مقالات

اليمين الأوروبي والعنف

اليمين الأوروبي والعنف

وليد عبد الحي

ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات  النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل  محفزات هذه الظاهرة  في فشل السياسات اليسارية  الاوروبية كامتداد لفشل المنظومة الاشتراكية ، وفي موجات الهجرة من الشرق الاوسط وافريقيا وما نجم عنها من ردات فعل دينية وثقافية وانتقال الصراع في تلك المناطق الى الساحة الاوروبية ، وفي القلق من تبعات العولمة، وفي ضمور الحس بالهوية القومية الى جانب الملابسات بين الدول الاوروبية بخصوص سياسات الاتحاد الاوروبي.

وتشير الدراسات الاوروبية المتخصصة  الى ان  تصاعد مركز اليمين في الطيف السياسي الاوروبي ترافق مع تنامي واضح في معدلات العنف السياسي والاجتماعي ، فمثلا ارتفع معدل العنف ضد المسلمين في بريطانيا بين الفترة 2005( تفجيرات لندن) الى الآن بمعدل حوالي 600% ، وفي فرنسا من 2015 الى الآن بمعدل 281%( هجمات Charlie Hebdo).

ويدل تحليل عمليات العنف  التي قام بها القوميون الاوروبيون المتطرفون في اوروبا خلال 25 سنة على النتائج التالية:

1- 67 هجوم ارهابي من منظمات يمينية او فروع تابعة لهذه المنظمات.، و96 هجوم من ذئاب يمينية منفردة  و 116 هجوم من عصابات الجريمة المنظمة.

2- توزعت اهداف هذه الهجمات على النحو التالي: 51% ضد مهاجرين، 28.3% ضد يساريين، 5.7% ضد مسلمين بصفتهم الدينية، وتوزعت بقية الاهداف ضد موظفين حكوميين( 5%)  ومشردين(5%)  والشاذين جنسيا ( 5% ) تقريبا.

3- ادوات الهجوم : 22.7% بالسكاكين، 20.6% بالركل والضرب المبرح، 16.4% بالمتفجرات، 16% بالاسلحة النارية، 13% بالقضبان الحديدية او ما شابهها، و 11.3% باشعال الحرائق في البيوت او الممتلكات.

لكن الملفت للنظر ان التنامي اليميني في اوروبا ليس متسقا ، فمثلا يحظى هذا الاتجاه بقوة تصويتية تصل الى 68% في هنغاريا، وتأتي في مرتبة بعيدة  لكنها الثانية في اوروبا  كل من النمسا وسويسرا والدنمارك وبلجيكيا-   بقوة تصويتية تصل الى 20-26 %، تليها في المرتبة الثالثة استونيا وفنلندا والسويد وايطاليا  واسبانيا- من 15-18 % ثم فرنسا وهولندا والمانيا  والتشيك من 11-13 % ، تليها بلغاريا وسلوفاكيا وبولندا من 7-9 % ، لكن اضعف تمثيل لليمين هو في كل من اليونان وقبرص بقوة 4% تقريبا.

الدلالات العامة:

اولا: يلاحظ ان 85% من الهجمات له صلة بأبعاد قومية او دينية او ايديولوجية ، وهي ميادين لها صلة بحرية التعبير لانها كلها ذات طبيعة ثقافية، مما يعني ان حرية التعبير مضمونة ضمن حدود ” المركزية الاوروبية”.

ثانيا: ان  استمرار الاتجاه الفرعي الحالي(Sub-trend) الخاص بتنامي اليمين يشير الى ان النزعة الحمائية والانعزالية قد تتزايد وقد تشكل عامل توتر في العلاقة مع الدول المصدرة للمهاجرين او الدول الاسلامية بشكل عام.

ثالثا: إذا نظرنا الى تنامي القوة التصويتية لليمين الاوروبي سنجد انه يتركز بشكل كبير في الجنوب الشرقي من اوروبا وفي شمال اوروبا، مما يعني ان الكتلة الصلبة في الاتحاد الاوروبي ستعاني مستقبلا في سد شقوق جدران الاتحاد الاوروبي بخاصة بعد الصدع البريطاني، بخاصة ان تسعة احزاب يمينية اوروبية متطرفة انشأت كتلة اوروبية تسمى كتلة ” الهوية والديمقراطية”، مما يعني ان اليمين الأوروبي سيتكاتف لمواجهة الشكل القادم للنظام الدولي.

رابعا: سيحاول اليمين الامريكي المتزايد ايضا ان يتبادل العون مع اليمين الاوروبي ، فاذا ربطنا ذلك بدعوات الحزب الشيوعي الصيني لاحياء التراث القومي الصيني بما فيها التراث الكونفوشي ، وربطنا ما سبق مع نزعات بوتين (وخلفة الإكسندر دوغين بمنظوره الجيوسياسي ثقافي) وسيطرة جاناتا الهندوسي في الهند ، والارث الذي تركه رئيس الوزراء الياباني :أيبي” بخصوص خصائص  الدولة الجميلة ، تتضح ملامح – ولو باهتة- عن طبيعة الشكل القادم للصراعات الدولية ، لكني اعتقد انها ستكون مرحلة عابرة قد تمتد من 25 الى 40 سنة، ليتم تكييف ميكانيزمات العولمة وليس الغاء هذه الميكانيزمات.

هل لدى الفكر العربي رأي في هذه الصورة؟ هل لديه تصورات لكيفية التعايش مع مثل هذه الاحتمالات؟ هل لدينا تصورات ما الذي يريده اليمين الاوروبي؟ هل لدينا وعي بكيفية كسب الرأي العام الدولي؟ ربما متواضعة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0